كتاب عربي 21

معنى القدس في المواطنة.. المواطنة من جديد (53)

1300x600
كنا قد أشرنا في مقال سابق عن المواطنة الحابسة ومقتضيات الحدود التي ترتبط بمفهوم الدولة القومية فتجعل المواطنة مفهوما منغلقا قد يؤدي في بعض الأوقات؛ إلى استبعاد رمزية يمكن أن تتعلق ببعض الجغرافيا المتعلقة بأرض فلسطين.

وكنت قد استمعت إلى شيخ من أهل القدس وجوار الأقصى حينما ساومه الكيان الصهيوني بمؤسساته المختلفة على بيع بيته وقد قدموا له عرضا ماليا فلكيا، إلا أن هذا الرجل رد عليهم ردا مفحما مؤكدا لهم أنه حتى منزله لا يعد في مقام الملكية الخاصة له ولا يملك حق التصرف فيه وحده، مطالبا هؤلاء الذين يريدونه أن يتخلى عن بيته بيعا ضمن عملية مساومة كبرى؛ أن يأتوا له بتوقيع من كل مسلم في أرجاء العالم بالموافقة على بيعه للمنزل. فوضع أصل الأرض في رقبة وذمة الأمة بأسرها ضمن فهم عميق لمفهوم الوقف الإسلامي، حينما يحصن "المِلك" ويجعله أمرا يتعلق بعموم الأمة لا بخصوص الفرد.

ومن ثم وفق هذا الفهم العميق، فإن مفهوم الوقف يفتح بذلك ليس فقط معنى تحصين أرض فلسطين وأرض القدس والأقصى وأكناف بيت المقدس، ولكنه يجعل ذلك أمرا يتعلق بارتباطه كوقف يستقل عن إرادة الأفراد، بحيث لا يجوز بأي حال أن يتنازل كائنا من كان عن تلك الأرض.

فالوقف في الأصل تحبيس وتسبيل، وهو حبس عن التصرف، وهو شرعا حبس العين وتسبيل الموقوف لمنفعة عامة. فالوقف إذا بالجملة في سياق عملية التسبيل تلك لا يباع ولا يشترى ولا يهدى ولا يورث، وهو بهذا الاعتبار من باب أولى لا يُتنازل عنه أو يفرط فيه.

وكأن هذا المعنى يعبر عنه في إطار ما ذكره الحكيم طارق البشري من أن "القدس بالنسبة لنا موضوع دين - أو أديان - ووطن وتاريخ وثقافة، هي ماض وحاضر، وهي مستقبلنا أيضا، وفلسطين هي وعاء القدس وحاملتها، بل إن القدس هي هوية فلسطين وهي من أعطاها الغالب الأعم من صبغتها وأهميتها ليست القدس مدينة في وطن هو فلسطين، ولكن فلسطين وطن في مدينة هي القدس".

ويؤكد الحكيم البشري "أن فلسطين ليست مسؤولية الفلسطينيين وحدهم، إننا جميعا نحمل تبعاتها، مسلمين ومسيحيين وعرب، وبموجب كل من هذه الانتماءات السياسية والثقافية التاريخية والدينية. وأقول ذلك لأوضح في المقابل أن فلسطين ليست ملكا لشعب فلسطين وحده، وما يتنازل عنه أي من الكيانات السياسية التي صيغت لتمثله ليست له حجية شرعية علينا، ولكن شريطة أن نكون على مستوى التبعة".

ويضيف الحكيم البشري: "فالقدس لا يمكن أن يستحيل إلى أنها محض موقع وعاصمة، فهي ليست "برلين" يمكن أن تحل محلها "بون" في الضمير الألماني، وهي ليست "إسطنبول" يمكن أن تحل محلها "أنقرة" في الضمير التركي. ولكن القدس بغير بديل، وهي ليست أرضا يستبد شعبها بتقرير المصير بشأنها، هي ليست كذلك فقط لأننا مسؤولون عنها يوم الحساب، مسؤولون عنها بوصفنا الديني بعد أن نجوز من الدنيا إلى الآخرة".

نتوقف عند كلمة الحكيم البشري وهي: "القدس هي القدس ولا بديل عنها أو لها". هذه هي القضية الكبرى التي تتعلق بعالم المسلمين وتتعلق بأن وضع القدس منا هو مقياس للتحدي والاستجابة والتعامل الاستراتيجي في أمة المسلمين، وأن القدس ليست أول مرة تضيع من أيدي المسلمين، ولا هي المرة الأولى التي يمكن أن تُسترد، وأن وصف الأجيال لمعيار فعلها هو الذي يحدد مكانة القدس منا ومكاننا من القدس.

فالقدس هي مكان مفتوح وأفق ممتد للإنسان والإنسانية، تنفتح على الإنسان والعمران، هكذا علمتنا إنسانية الإسلام وحركة العالمية فيه. أما القدسُ بالنسبة للصهيونية: فمكان محجوب وأفق انغلاقٍ صهيوني، وعزلها عن الإنسان والعمران هو الذي يؤكد عنصرية الصهيونية وحركة عزلها عنا.

ومن ثم فإن من القضايا المهمة في واقعنا اليوم وفي إطار مركزية قضية القدس والأقصى وعمليات مواجهة الاستيطان الصهيونية وخطط التهويد الإسرائيلية؛ يجعل من الصدع بهذا الأمر والاستناد إليه أمرا يشكل مدخلا مهما لتشكيل مفهوم المواطنة الفلسطينية وكذا المواطنة المقدسية، ويكون الحديث عن القدس والأقصى لكل الأجيال في أرض فلسطين وفي خارجها معبرا عن تلك المكانة المقدسية، باعتبارها عقيدة وإيمانا يحصن الحقوق وينفتح بمفهوم المواطنة والوطن إلى اعتبارات تتعلق بانفتاح الرمزية لهذا المفهوم بحيث لا يجعله مفهوما منغلقا أو حابسا.

ليس معنى ذلك بأي حال من الأحوال إلا تحصينا لملكية الأمة لمثل هذه الأرض المباركة، من دون أن يعني بأي حال من الأحوال إشارة إلى مشاريع التدويل التي قد تطلق من هنا أو من هناك حول تلك المدينة، ولكنها في واقع الأمر دعوات مسمومة وغير مسؤولة؛ لا تتعرف على ذلك المعنى الوقفي الذي يحدد مسؤولية الأمة عن هذه الأرض والحقوق التاريخية والسياسية وكذا الدينية، في وقت تواجه القدس محاولات شرسة وغير مسبوقة للاستيطان والتهويد ومحاولة تغيير المعالم التاريخية والدينية، تزويرا للحقائق واعتداء على حقوق الأمة ضمن أطر تتعلق بخصوصية فلسطين والقدس والأقصى.

لعل تلك الأحداث التي حدثت وانطلقت شرارتها من حي الشيخ جراح تؤكد هذا المعنى الواصل والرابط بين أرجاء فلسطين كلها، بل وكذلك كل الشعوب الإسلامية والمسيحية حينما تؤكد على رمزية هذه القضية، وما ارتكبه الاحتلال الصهيوني ومن دعمه ضمن سياسات ظالمة فاجرة تحاول أن تصادر القدس لمصلحة الكيان الصهيوني كعاصمة له. وهي ليست فقط استنادا إلى كل تلك القرارات التي تتعلق بما يسمى بالشرعية الدولية، ولكن تتعلق بهذا المعنى الفياض لتحصين الوقف لأرض فلسطين وبيت المقدس والأقصى.

إن هذا الشريان الواصل بين جغرافيا فلسطين كلها، فلسطين الكبرى من البحر إلى النهر، إنما يشكل في حقيقة الأمر إحياء لأصل القضية مهما بدا لهؤلاء الصهاينة ومن اصطنعهم في الغرب حماية لأنفسهم؛ أن يطمسوا أصل القضية ويحاولوا تبرير ذلك الغصب وذلك الاستيطان الصهيوني الذي يحاول من كل طريق إضفاء شرعنة على باطل، وعلى قاعدة أن الشعب الفلسطيني بكامله إنما يرى في ما يحدث في حي الشيخ جراح على سبيل المثال ليس أمرا يتعلق بداخل الكيان الصهيوني، بل هو أمر يتعلق بشأن الشعب الفلسطيني لجغرافيا فلسطين بأسرها، مذكرا بحال الاغتصاب لوطن تواطأ عليه بعض هؤلاء الذين جعلوا من صفقة القرن مدخلا لتصفية القضية الفلسطينية وتأمين هذا الاغتصاب الصهيوني.

غاية الأمر أن الوطن والوطنية والمواطنة ليست مفاهيم حابسة يمكن أن تتوانى في حفظ الحقوق وتحصينها وحمايتها، وتبدو عبقرية فكرة الوقف وذلك الوصف المهم الذي قاله ذلك الشيخ المقدسي العجوز كحكمة من حكم الزمان تؤكد على انفتاح حقيقة المواطنة على المفهوم الإنساني فيها والمفهوم الإسلامي لها.

فالإسلامي إنساني بالضرورة كما يقول المرحوم الدكتور عبد الوهاب المسيري، وربما يكون هذا الأمر الذي يواجه كل هذه الاستراتيجيات الصهيونية وتلك الغربية الداعمة لها إنما تؤكد على حق أهل فلسطين في الدفاع عن مقدساتهم، وحق على الأمة بأسرها بمسلميها ومسيحيها أن يؤكدوا على ذلك الدعم الذي يشكل واجبا وفرضا وضرورة.

فالقدس ليست معركةً واحدة، بل هي حربٌ كبيرة ومهمة يجب أن نخوضها مع أنفسنا تمهيداً لخوضها مع مَنْ يريد أن يخرج القدس من كيان الإنسان وحقيقة العمران والفهم العميق لمعنى المواطنة والأوطان.

twitter.com/Saif_abdelfatah