قضايا وآراء

إنسان التغيير المنشود "تدقيق المفاهيم" (3)

1300x600
استكمالاً لسلسلة تدقيق المفاهيم السابقة نطرح مفهوما جديدا ألا وهو "التمكين والتمكن والهيمنة للأسلمة".

تكمن أهمية اللغة ومفرداتها في تحقيق التواصل والتفاهم المتبادل بين أعضاء المجتمع الواحد، وعندما ترتبك أو تتناقض هذه المفاهيم والمفردات يسود الارتباك والاشتباك والاختلاف ويتراجع التواصل والتفاهم ويزداد الانقسام والتشرذم والتناحر. وهذا ما نعانيه في أغلب مجتمعاتنا العربية بسبب الخلفيات الفكرية والعقدية للسلطة ومكونات المعارضة.

تكمن خطورة هذه المفاهيم في دلالتها عن مشاعر الغربة والعزلة التي تعيشها بعض الكيانات والجماعات والأفراد داخل المجتمع الواحد، عندما تكون هذه المفاهيم هي مقياس النظر والحكم على الأفراد والمجتمعات.

التمكين مفهوم ينم عن الصراع والصدام لا التفاهم والانسجام، يؤشر إلى أن هناك فريقا له حكم على فكر ومعتقد وسلوك المجتمع، ويسعى بطرق عدة للهيمنة عليه وفرض ما يراه أنه الأصلح والأفضل لهذا المجتمع. خطورة هذه الرؤية عندما تتخندق في مربع الدين، ولو كانت في مربع الفكر لسهل الأمر. في مربع الدين يستدعى الحرام والحلال والكفر والإيمان والجنة والنار، ويكون إجبار المجتمع وفرض رؤية البعض دينا يتقرب به هؤلاء إلى الله. خطورة هذه الرؤى أن ما يرونه هو الحق الذي لا يحتمل إلا وجها واحدا ولا يحتمل عدة أوجه.

التمكين مصطلح تم استعماله في مجتمعات عدة حتى في أوروبا، لكنه استخدم لتمكين المجتمع وليس التمكن منه.. تمكين المجتمع من أدوات المعرفة والعلم والتقدم، تمكين المجتمع من المعارف والمعلومات والقيم والاتجاهات والمهارات عن طريق مؤسسات البناء والتكوين الرسمية والأهلية دون صدام، بل في تفاهم وتكامل إيجابي فلا يرى أحد أنه فوق أحد أو منفصل عن أحد.

التمكن مصطلح لا وجود له في عالمنا الحديث، حتى التنافس الحزبي والوصول للسلطة لا يدخل في ميدان التمكن بل في ميدان التداول المؤقت وفقا للقوانين والدساتير الحديثة التي تنظم حياة الأفراد والشعوب. التمكن ينم عن فكر التنمر والتربص والاختطاف لا فكر التنافس والاصطفاف.

حتى مفهوم الأسلمة فيه إشكالية وهي الحكم المسبق على المجتمع سلبا، ما جعل البعض يأخذ مواقف معادية بدعوى أن هذه الجماعات تحتكر الإسلام وتحكم على غيرها بغير الإسلام. الجماعات مسؤولة عن حالة الارتباك العام بسبب ما استخدمته من لغة ومصطلحات أوجدت فجوات وثغرات واتهامات للغير، خاصة في مجتمعات متدينة في الغالب وبطريقتها، كما أن هذه الجماعات متدينة بطريقتها فلمَ تفرض طريقة على باقي الطرق؟

في هذه الفراغات تمددت أنظمة الحكم المستبدة التي وظفت كافة الأطراف لتبقى هي دون غيرها متمكنة ومهيمنة ومغتصبة حقوق الشعوب والأوطان، باستخدام الدين والجماعات تارة، وبتأليب الشعوب على الجماعات والكيانات تارة أخرى، تحت رايات "الغاية تبرر الوسيلة "أو "فرق تسد".

الخلاصة، أن لب الموضوع هو أن هناك فرقا شاسعا بين تمكين الإسلام بمفهومه المتوافق عليه بين جمهور العلماء وبين تمكين جماعة من المسلمين.. بين تمكين فكرة وتمكين تنظيم.. بين تمكين القيم وتمكين جزئيات من أفكار البعض ولو تحت شعار الدين.

بفكر التمكين يتبنى المجتمع الإسلام علما وعملا وحماية وحراسة، ويكون التنظيم راعيا وداعما، وبفكر التمكن يتبنى التنظيم الإسلام ويكون المجتمع تابعا.