قضايا وآراء

وطن الفقراء!

1300x600
لا يُعدّ الفقر من العيوب التي تُلاحق الإنسان، ويفترض في الظروف الطبيعيّة أن يسعى الإنسان لتطوير مستويات حياته ضمن الظروف المتاحة، دون الذهاب إلى الطرق الملتوية وغير القانونيّة وغير الشرعيّة للحصول على الأموال.

والفقر ظاهرة موجودة في الحضارات الإنسانيّة منذ القدم، وتزداد نسبته حينما تكون هنالك منظومات حاكمة فاسدة تحاول السيطرة على المواطنين عبر رغيف الخبز وحبّة الدواء، واستمرار حالة الاحتياج للدولة.

وتعرّف الأمم المتّحدة الفقر بأنّه الافتقار إلى الدخل، أو الموارد، أو ضمان مصدر رزق مستدام.

ومعلوم أن الاحتلال، أو الإدارات السيئة تفرز عشرات الظواهر المهلكة للإنسان، وفي مقدّمتها تكبيل الحرّيّات وتفقير الناس، ومن هنا برزت ظاهرة الفقر في الحالة العراقيّة كواحدة من مخلّفات الاحتلال وضياع التخطيط الوطنيّ!

ويوم الاثنين الماضي (20 نيسان/ أبريل 2021) أعلنت وزارة التخطيط العراقيّة ارتفاع مؤشّرات الفقر في البلاد إلى ما بين 26 و27 في المئة، بعد قرار رفع سعر صرف الدولار إلى 1450 ديناراً، وهذا الإعلان الحكوميّ يأتي مع إقرار البرلمان لموازنة ضخمة للعام 2021 (نحو 69 مليار دولار)!

وكشف المتحدّث باسم وزارة التخطيط عبد الزهرة الهنداوي قبل ثلاثة أيّام أنّ الوزارة انتهت من إعداد "خطّة الإصلاح والتعافي"، وعمرها سنتان (2021- 2023)، وتعمل على ثلاثة مسارات: الاقتصاديّ، ويتضمّن تحسين مستوى الاقتصاد ودعم القطاع الخاصّ، والاجتماعيّ، ويتضمّن دعم مستوى الخدمات في الصحّة والتعليم وعودة النازحين، أمّا المسار الثالث فيتضمّن معالجة الفجوات التنمويّة الموجودة في المحافظات!

وأعتقد أنّ الغرابة ليست فقط في النسب الرسميّة المعلنة، أو المعالجات "السحريّة" المرتقبة، بل في تأكيدات بعض الخبراء الاقتصاديّين الذين كشفوا بأنّ نسبة الفقر تجاوزت حاجز الـ40 في المئة، وأنّ النسب التي تُعلنها وزارة التخطيط غير دقيقة، لأنّها لا تمتلك قاعدة بيانات كافية حول هذه الظاهرة الخطيرة!

وقد سبق لوزير التخطيط خالد النجم تأكيده قبل عدّة أسابيع أنّ الوزارة لا تعرف عدد الموظّفين في الدولة! فكيف يمكن للوزارة معرفة أعداد الفقراء وهم الذين لا يعرفون أعداد الموظّفين، والذين يفترض أنّهم مقيّدون في سجلّات الدولة؟

والمفاجأة الكبرى تمثّلت بتقرير صدر عن الأمم المتّحدة الأربعاء الماضي، رجّح ارتفاع نسبة الفقر في العراق بين سبعة و14 في المئة، وأنّ قرار خفض قيمة العملة المحليّة سيؤدّي على المدى القصير إلى زيادة أعداد الفقراء بين 2.7 مليون و5.5 مليون عراقيّ!

فأين الدقّة في نسب وزارة التخطيط؟

ويمكننا ذكر أهم أسباب الفقر في العراق:

- غياب الخطط الوطنيّة لإعادة تشغيل مئات المعامل الكبيرة التابعة للدولة، فضلاً عن توقف أكثر من 50 ألف مشروع في القطاع الخاصّ عن العمل لظروف تتعلّق بارتفاع الدولار، وتشجيع الاستيراد وعدم تقنينه وفقاً لاحتياجات السوق المحلّيّة.

- فقدان البيئة الآمنة والحاضنة للاستثمار الوطنيّ والأجنبيّ، وتحكّم القوى التخريبيّة في كثير من المدن.

- كثرة العراقيل الإداريّة والضغوطات غير الأخلاقيّة الواقعة على المستثمرين، وفي مقدّمتها الرشاوى التي تصل إلى مئات آلاف الدولارات في بعض المشاريع، وكأنّهم شركاء مع المستثمر.

- تنامي ظاهرة المكاتب الاقتصاديّة العائدة لبعض الفصائل المسلّحة في عدّة المحافظات، والتي ساهمت في عرقلة عجلة التجارة، وتجميد سوق العمل.

- استمرار آفة النزوح الداخليّ، وعدم تأهيل المدن المدمّرة لعودة الأهالي لمناطقهم، للبدء بمشاريعهم التجاريّة السابقة.

هذه العوامل المُهلكة وغيرها ساهمت بشدّة في زيادة نسب الفقر في بلاد تُعدّ من دول العالم الغنيّة بسبب الخزين النفطيّ، والخيرات والقدرات الطبيعيّة والبشريّة.

ينبغي أن تكون هذه الأزمات مناسبة للعمل من أجل دعم الفقراء والمحتاجين، وعدم تركهم يتقلّبون على فراش العوز والفاقة والمرض والمآسي، وكذلك هي فرصة لكشف زيف الشعارات التي يرفعها البعض، ولإسقاط أقنعة الذين يحاولون خداع الناس بشعارات منمّقة ومزيّفة، وهم في حقيقتهم يتسابقون من أجل المناصب والمنافع الدنيويّة ويدعون الناس للزّهد، والتخلّي حتّى عن حقوقهم الإنسانيّة!

إنّ انعكاسات الفقر فتّاكة على المجتمع، وهو من أكبر أسباب تراجع الطمأنينة والسكون بين المواطنين، وبسببه تزداد نسبة المشاكل العائليّة، وترتفع معدّلات الأمراض، والجريمة المنظّمة، وتتنامى تجارة الأعضاء البشريّة، وتعاطي المخدّرات والاتّجار بها، وغير ذلك من الجرائم غير المألوفة سابقاً!

من أجل مستقبل العراق والناس كافحوا الفقر ولا تضيّعوا الفقراء، واحفظوا كرامتهم!

twitter.com/dr_jasemj67