كتاب عربي 21

حصان خشبي في معركة أُحد!

1300x600
لم نعهد معلّماً مثل محمد نعمان في مدارسنا في يفاعة العمر، كان المعلمون طبقة اجتماعية مكرّمة، يترفعون علينا نحن البغاث ويتعالون، ويعادوننا ويمتحنوننا امتحان العدو للعدو، ويتحصنون في غرفة الإدارة، ولم نكن نجرؤ على الاقتراب من عاصمة المدرسة التي يديرون منها الحروب على الطلبة الأعداء، وكانت غرفة الإدارة تعادل هذه الأيام المنطقة الخضراء في العراق، أو المدينة الإدارية في مصر. الغانم الفائز من يدخلها ويرى لون ستائرها، أما من يحضر طباشير منها فهو من المبشرين بالجنة.

وكانوا يغدرون بنا في الامتحانات والمذاكرات، فيكيدون لنا المكائد، كل امتحان معركة، وقد تجد في الأسئلة سؤالاً غامضاً يشبه حصان طروادة، سهل الحل، ولكنْ فيه الغرم والخسارة.

سمعنا باسم طروادة أول مرة من معلمنا محمد نعمان، قال لنا: إن طروادة الغرب وحربهم ويومهم الذي إليه يحتكمون هي حرب حول امرأة، وطالت عشر سنين، وسألنا عن طروادتنا فلم نعرف، قال: إنها معركة بدر الكبرى.

وكان محمد نعمان مدرساً مختلفاً، سوى محاسنه وخصائله الكثيرة، فهو معلّم وسيم، شاب، حسن الهيئة، يشبه الممثل المصري يوسف شعبان أو كمال الشناوي.

يلعب معنا كرة القدم أو كرة الطائرة أو كرة الطاولة، ويعارض النظام، ولم يكن النظام الفتي البعثي قوياً أو شاملاً يشمل بطشه كل شيء، فلم تكن له مفارز مخابرات آنئذ، وكانت المخابرات تتنكر، ولم تكن تجرؤ على الظهور، فهي تضرب وتهرب، وكان يقف في تحية العلم الصباحي ويحكُّ رأسه أو يرفع رأسه متأبياً، أو يتحرك حتى يفسد التحية، أو يعبث بقلادة مفاتيح، فنُكبر فيه استهانته بخرقة النظام الملونة على نقيض زملائه الذين يقفون خاشعين، ناكسي رؤوسهم، ونحن أكراد ومعارضون بالولادة. لقد جعل النظام الحاكم الطروادي حزب البعث العربي الاشتراكي ديناً، وكانت الحركة في تحية العلم تفسد خشوع تحية العلم، وتثير الريبة، وقد تجلب المتاعب وتقلب المصائر.

ذُكر مرة اسم حسن البنا المصري أمامنا، ولم نكن نعرفه، وقيل إن محمد نعمان يسير على نهجه ومنواله، فبلدتنا نائية مثل الإسماعيلية التي انطلق منها حسن البنا، وكان مدرساً لمادة الرياضيات، وكنت وقتها في الصف السابع، وبدأنا نرتدي الزي العسكري في درس الفتوة، وكان لمحمد نعمان درس في الفتوّة لا يشبه درس العسكرية المدرسية، فقد خرج علينا ببدعة فاتنة اسمها المسرح المدرسي، فزار طلابه المقربين في البيوت، وكسر الحواجز الطبقية بين الطلاب والمعلم، وحفَّظ بعضاً من طلابه مسرحيات من التراث الإسلامي الزاخر، اختارها لهم وأدّوها، ثم جاء يوم عرض معركة أحد، فأدّت النخبة التي اختارها درس معركة أحد في الهواء الطلق، ولم أكن مقرباً، وكنت أطلب ودّه، وأحسد الطلاب أقراني الذين كان يقرّبهم ويودّهم ويزورهم في بيوتهم، ويعلمهم دروساً خصوصيّة.

وكان بارعاً في الدعوة إلى الإسلام، ويغتنم فرصاً في الفسحات بين الدروس حتى يعرّفنا أجلّاء الصحابة، فعشقناهم، وليس فيهم إلا الأجلّاء، فالصحابة كلهم أبطال ليس لهم أمثال أبطال السينما الذين كنت شغوفاً بهم، ولا في الأساطير، بل إننا أحببنا حتى كفار قريش الذين يحفظون العهد، ويصدقون الحديث ويصلون الرحم. وكان يعرفنا بأهم الفلسفات الوضعية، فعرفنا أسماء فلاسفة مثل هيغل وسبينوزا وفرويد ودوركهايم. فقد كان يبسط لنا فلسفتهم ويحذر منهم ويكرر اسم كتاب لاشبينغلر اسمه انحطاط الغرب، ويبشرنا بأن عصر الإسلام قادم، ويدوّر مجسم الكرة الأرضية في درس الرياضيات شارحاً حديثاً نبوياً شريفاً يقول: "إِنَّ اللهَ زَوَى لِي الأَرْضَ، فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا، وَأُعْطِيتُ الْكَنْزَيْنِ الْأَحْمَرَ وَالْأَبْيَضَ.."، ثم يعود إلى شرح زوايا المثلث القائم ودرجاته. ثم انتقل بنا إلى المسجد الفسيح، فأنشأ مجلة حائط واستكتب لها كتّاباً، وجعل لها مسابقات يفوز فيها المثقفون، وكان يُسأل فيها أسئلة غامضة مثل: كم ولداً تكلم في المهد؟ ما أسماء الكاملات من النساء؟ أسماء العشرة المبشرين بالجنة، وكانت الجوائز كتباً ومجلات مصورة.

كنت خجولاً، ولم أجد سبيلاً إلى ودّ محمد نعمان، الذي كان قد نجح في تقريب كل الطلاب المتفوقين الأذكياء والأغنياء حتى صاروا صحبه، وصحبته مجد وجائزة. أما أنا، فكنت فقير الحظ بالمال والنجابة، ومن طبقة ابن مكتوم و"عبس وتولى"، وكانت علاماتي في فحص الرياضيات ومذكراتها قليلة، حتى أن مدرّسي الكيمياء والعربية فزعوا لي، وقصدوا محمد نعمان يطلبون منهم إعادة تصحيح ورقتي في الرياضيات، وزعموا أني من النابهين، فلا بد أن خطأ قد حصل منه وليس مني، ففعل، وبقيت علامتي متدنية، ولم أفلح في لفت انتباهه إلى موهبة مثل التمثيل، حتى أني عندما تسرب إليَّ خبر معركة أحد، تسللتُ إليها من غير دعوة، فإما رافع بن خديج الرامي، وإما سمرة بن جندب.

وكان يخرج في نزهات مع بعض الطلاب الذين يختارهم، فيسرّون بالدراسة تحت الشمس وفي الهواء الطلق، وكان قد اختار عشرة طلاب من كل شعبة، وكنا أربع شعب في الصف نفسه، فجمع أربعين طالباً لميقات أحد، وكمنت في بيتٍ في أحد البساتين خارج البلدة، في الميقات، لأتفرج على العرض، وأنا أذوب غيرة من زملائي الذين يثني عليهم، ويربّتُ على أكتافهم، ويخلع عليهم الألقاب، وكانوا يحبّونه حبّاً جماً، حتى إن بعضهم عشقه ونقش اسمه على ذراعه، فلما علم غضب كثيراً، لا من حبهم له، وإنما من الوشم، وذكّرهم بأن النقش حرام في الإسلام، ولعن الله الواشمة والمستوشمة، وأنه لا يجوز وشم اسم الله نفسه على جسم المسلم، وفتنا حقا، فصرنا نشعر أننا عارفون وعلماء، نعرف أسماء الصحابة وبطولاتهم ونحب مصعب بن عمير، وحمزة أسد الله وأسد رسوله، ونعرف سعد بن أبي وقاص، وعمران بن الحصين، وعبد الله بن جبير، وطلحة بن عبيد الله، ونتبارى في حفظ أسماء مشاهير الصحابة، وتعرو بعضنا رعشة عند ذكر أسماء هؤلاء الحفاة العراة أكلة الضباب، الذين دكوا عروش كسرى وقيصر وسائر الملوك، وسادوا وعزّوا حتى جُبيت لهم الأموال والغنائم والسبايا، وأنهم كما دكّها أجدادنا، فسندكها دكاً، والأمر يحتاج إلى إعداد أمة وبنائها من جديد، فنعلم أنه أحد بناتها، وأنه لا فرق بين أعجمي ولا عربي إلا بالتقوى، وأن هذه الأمّة سادها أحباش وكرد وترك ومماليك وفرس، وأن المسلم كان يقطع نصف العالم آمناً من غير جواز سفر، ويطأ الأرض الغريبة، فتستقبله الملوك استقبال الملوك، وكان حتى عهد قريب أكثر مجداً من الأمريكان في هذه الأيام.

وأنه لن يصلح آخر الأمة إلا بما صلح به أولها، وأن العرب والكرد لم يعزّوا سوى بالإسلام، وأنهم مهما ابتغوا العزّة بغيره ذلّوا، وعرفت لأول مرة اسم معركة طروادة أيضاً.

وشرح لنا عقيدة الغرب، فالغربيون يحاربون من أجل النساء، فقد قامت أشهر حرب في تاريخهم من أجل امرأة اسمها هيلين، أما حروب العرب، فقد كانت على الغنائم، وصارت بعد الإسلام من أجل إعلاء كلمة الله وتحرير البشر من عبادة البشر والحجر، وإننا سنخسر إذا حاربنا من أجل الغنائم.

وكان معلم الرياضيات قد نجح في جعل معظم فتيات المدارس يرتدين الحجاب، حتى بزّ مدرّسي مادة التربية الدينية، ولم تبق ذات سوار إلا وحدّثت نفسها بالتوبة، وانتشرت مجلات مصورة اسمها حارثة في كل البيوت، وكتب من طباعة دار السلام الحلبية، وسير الأعلام المسلمين وذخائر الإسلام.

كمنتُ في البيت الطيني، وهو لزميلنا صلاح، ويقع في أقصى البلدة، وله حديقة وبستان، حتى وصل الطلاب الأربعون، وربما كان عددهم أكثر أو أقل بقليل، وعزمت على الانضمام إلى أحد الفريقين، إما المسلمين وإما الكفار. كان المسلمون والكفار مسلحين بعصي خشبية مكان السيوف، وكانت الأدوار والشخصيات قد وُزّعت، خالد بن الوليد وحمزة ووحشي وأبو سفيان، وحملة لواء المشركين كلهم من بني عبد الدار.

تسللت إلى إحدى الفرقتين، وعلمت أنهم الكفار، وكنت بصحبة "خالد بن الوليد"، الذي أدى دوره طالب هو الأول في شعبته، اسمه مصطفى.

وكان خالد بن الوليد سينعطف حول الهضبة التي تعلو جبل الرماة عبد الله بن جبير يؤدي دوره طالب اسمه مروان، وفي تلك اللحظة الحاسمة حضر الطعام، الذي كان مفاجأة خبأها لنا صاحب البستان، وهو والد زملينا صلاح، ناداه والده فانسحب من صفوف المعركة لأداء واجب الضيافة، وجعلا يحملان نقرة كبيرة من البرغل، ومعها قربة كبيرة من اللبن، وأربع قصعات كبيرة، فترك المسلمون جبل أحد، وكانوا قد جاعوا وقد خرجوا صباحا ومشوا عدة فراسخ من وسط البلدة، بل إن "خالد بن الوليد" شم رائحة الطعام، فترك الغزوة أيضاً، ومعلمنا محمد نعمان يدير المعركة بأعلام في يده، وصفارة مثل صفارات مباريات كرة القدم، وقد سمعوا الدعوة إلى الطعام قبل أن يبرد، فاجتمعنا، وكان في الغرفة الكبيرة كيس فيه زبيب، فنثر أحد الطلاب الزبيب على البرغل، فوجدناه طيباً، وكانت بدعة خلط الحلو بالمالح من طرائف الطعام، ولم يسبق إليها أحد من العالمين، فأكلنا ونسينا المعركة، ونحن نأكل سمعنا جلبة، فنظرنا من النوافذ، فوجدنا إحدى المعلمات قد خرجت بطالباتها أيضاً إلى البرية، من غير عروض أو مسرحيات سوى لاستجلاء الطبيعة، ووقفن عطشى يطلبن الماء.

فخرجنا جميعاً لإغاثة ربات الحجال، فاجتمعت علينا الهزيمتان: الغنائم وحرائر المشركين، ووجدنا أمراً استكبرناه، ولم يكن كبيراً، فقد دعا صاحب البيت المعلمة وطالباتها وكنَّ عشرة، إلى الطعام، وهذا شائع، وجلست المعلمة الحسناء، وكانت ترتدي بنطالاً ضيقاً، مثل زميلاتها الكثيرات اللاتي وفدن إلينا من مدن الداخل السوري، وكانت أزياؤهنّ أشد علينا من مناشير أصحاب الأخدود في أعمارنا الغضة تلك، ووجدنا معلمنا يحادثها وكأنهما عروسان في الكوشة، وأدرك بعضنا أن معركة أحد قد تحولت إلى معركة طروادة، ولم يرتكب معلمنا وداعيتنا منكراً، لكن شيئاً في نفوسنا انكسر، وخرجنا مثخنين بالطعام، ومسحورين بصور الحسناوات، ولم نكمل المعركة.

غاب معلمنا المعشوق المفدّى واختفى، وعلمنا بعد أيام من معركة الخندق أن أحد المخبرين قد صدمه بدراجته النارية، فخلف فيه كسوراً، وتضرر فكه فاعوّج قليلاً وخسر بعضاً من وسامته. اتفقنا ستة أو سبعة من الطلاب واشترينا بعض الفواكه وعدناه عيادة المريض، كان حزيناً، ثم غابت أخباره مع ما يسمى أحداث الثمانينيات في سوريا، وخبا ذكره، بل إن أهله اختفوا، فإما هاجروا، أو اعتقلوا، وعلمنا بعد حين أنه لجأ إلى تركيا.

بعد أربعين سنة من معركة أحد، ضاقت الدنيا التي توصف بأنها قرية صغيرة، فوجدت بعضاً من زملائي المؤمنين والكفار، وكان قد ارتدّوا جميعاً، كما يظهر من منشوراتهم على فيسبوك، فاتصلت ببعضهم، فأجاب بعضهم وأعرض بعضهم، ثم كان أن التقيت بـ"خالد بن الوليد" في معرض كتّاب في مدينة بوخوم، فتعانقا، ودعاني إلى بيته، فنحن أصحاب قدامى، ركبت سيارته، ودخلت بيته، فاستقبلتنا حسناء شقراء هيفاء من بنات بني الأصفر، قدّمها لي قائلاً: صديقتي الرومانية.

كان بيتاً غربي الزينة، شجرة الميلاد القديمة المزينة بالمصابيح والهدايا، ليس في بيته أثر من أحد أو بدر أو الخندق، فيه صور للوحات عالمية، وصورة لزعيم كردي ضيق العينين أخفشها، ولوحة للربات الثلاث الإغريقيات هيرا وأفروديت وأثينا، وبيد باريس التفاحة، أغرته هيرا بالسلطة إن هو وهبها إياها، وأثينا بالحكمة والمجد، وقالت له أفروديت إنها ستهبه أجمل نساء الأرض، ففضلها عليهن وأعطاها التفاحة، ليُغضب بذلك الربتين الأخريين.

سألت صديقي القديم: أتذكر محمد نعمان؟

قال: وهل ينسى مثله.

وأبرز لي ساعده، وكان أثر وشم اسم محمد نعمان ما يزال أخضر، قال لي: انظر إلى هذه الشهادات كلها، شهادات تخرج جامعية، وأخرى ألمانية، وانظر إلى هذه، وأخرج رسالة كان أرسلها له محمد نعمان من المنفى التركي، وفيها تحية وثناء على ذكائه ونبوغه، ويشد عليه ويعزم أن يظل على العهد.

إنها أهم من كل شهاداتي التي نلتها من جامعات عربية وعالمية.

قلت: والعهد!

قال متأثراً بعد صمت طويل فيه أسى وتجمّل: آثرنا الغنائم وهيلين والحب. أفروديت انتصرت على "خالد بن الوليد" وعبد الله بن جبير.

انشغل عبد الله بن جبير في المطبخ، وأحضر الطعام بنفسه، وكان برغلاً عليه زبيب، وحضرت صديقته الحسناء ولم تأكل، استحليت الطعام، فبحثت عن المملحة،

فوجدت مملحة الطعام تمثالاً لحصان طروادة الخشبي.

twitter.com/OmarImaromar