قضايا وآراء

من هو الأفغاني؟!

1300x600

من مظاهر العوار والفساد في حياتنا الفكريَّة والثقافيَّة إبَّان القرن الأخير، أن تظلَّ شخصيَّة السيد جمال الدين الأفغاني - وهو من هو في فضله على الإسلام والشرق - غير واضحة المعالم، وذلك بعد ما يقرُب من قرن وربع القرن على وفاته (1897م)؛ إذ أن كل ما كتبه "الدراويش العرب" عنه، وأكثر ما كتبه المسلمون من غيرهم؛ مجرَّد كلام خطابي مرسَل، مفعم في الغالب بعاطفة حارَّة طيبة، وصدق تقدير لدور الرجل الرائد والمحوري في نهضة الشرق ويقظته؛ لكنَّه بعيدٌ البُعد كله عن الدقَّة والتحقيق. ولست بهذا أعمد إلى المبالغة، أو الانتقاص من شأن أحد؛ لكنَّني اطَّلَعتُ على كل ما كُتِبَ عن الرجل تقريباً، قديمه وحديثه؛ فما استثنيت حتى بعض المتقدِّمين من أمثال جورجي زيدان، أو حتى الشيخ رشيد رضا نفسه، من الولوغ في هذا الهراء المرسَل؛ فإن أكثر ما كتبه الأخير - مثلاً - مجرَّد انطباعات سطحيَّة، وحواديت غير دقيقة، وإن كان يوحي للقارئ بأن مصدرها شيخه محمد عبده!

والأمر نفسه يسري على الذين انتقدوا السيد من بني جلدتنا؛ فأكثرهم للأسف لم يطَّلِع اطلاعاً مُدققاً وافياً على نتاج الأفغاني، ولا أقول على حياته، واعتمد على آراء المستشرقين المبغِضين في ذلك، ومنهم أستاذنا محمد قطب رحمه الله، وتلميذه غير المباشر: الشيخ البوطي؛ فإنهم يُكررون آراء المستشرقين (خصوصاً ما يُنقَل عن الأمريكيَّة اليهوديَّة نيكي كيدي)، وهي اﻵراء التي تلقَّفها لويس عوض إبَّان الستينيات، وبنى عليها سلسلة مقالات رفضت جريدة الأهرام المصريَّة نشرها آنذاك، ورد عليها جلال كشك رحمه الله حين نُشِرَت في بيروت، وما زال رده موثقاً في ذيل بعض طبعات كتابه الأشهر: "ودخلت الخيل الأزهر".

وربما كان مرجع هذه الصورة المضلِّلَة عن السيد إلى كون أكثر "نصوصه" نصوصاً شبه سائلة؛ فهي إما مُملاة على بعض تلاميذه، أو من تقريرات دروسه ومحاضراته الكثيرة، التي عمد بعض مُريديه إلى تدوينها لاحقاً، وأقلها كان نصوصاً كتبها هو بيده. أَضِف إلى ذلك كثرة ارتحاله منفيّاً من بلد إلى آخر، واضطراره في أكثر الأحيان إلى "المغادرة" على عجل، مطروداً بغير كتبه وأوراقه، كما حدث معه إبَّان إقامته الأخيرة في إيران. ولهذا، فقد تضافَرَ نمط حياته البعيد كُليّاً عن الاستقرار، مع القلَّة النسبيَّة لما كتبه بنفسه؛ في جعل عملية التعرُّف إليه، التي تبدأ بجمع آثاره وتحقيقها؛ مهمة جد شاقة، خصوصاً قبل "ثورة" الاتصال الحاليَّة.

ومن أمثلة ما لَقيته نصوص الأفغاني - وهو حيٌّ يُرزَق - أن مجلَّته ومنبره الأهم "العروة الوثقى" كانت محظورة في وقتها، ويتم تداولها سرّاً خصوصاً في مصر والهند، مما جعل عمر نُسخها الأصليَّة قصيراً، ووجودها نادراً؛ إذ كان تداولها آنذاك محفوفاً بمخاطر جمَّة. أضِف إلى ذلك خاطراته، التي دوَّنها عنه تلميذه محمد باشا المخزومي في الأستانة، لكنَّه لم ينشرها إلا مطلع ثلاثينيات القرن العشرين (بعد سقوط حكم العثمانيين) في بيروت لأسباب سياسيَّة(1).

وبسبب طبيعة النصوص وتناثُرها في الشرق والغرب؛ فقد تأخَّر "النشر المنهجي" المنظَّم لآثار السيد الكاملة إلى ستينيات القرن العشرين، وذلك بالتزامُن تقريباً مع نشر أوراقه الشخصيَّة في إيران، التي كان قد خلفها مضطراً عند صديقه الحاج محمد حسين أمين الضرب. ولهذا أيضاً فقد كان طبيعيّاً ومتوقَّعاً بالتالي أن تخرج طبعة محمد عمارة (بوصفها أول محاولة لجمع هذه اﻵثار)(2) حافِلَةً باالنقص والعوار، ومفتقرة إلى الترتيب التاريخي الدقيق، ناهيك عن التحقيق، علاوة على اعتساف عمارة التبويب والتأويل -بغير مسوغ حقيقي سوى نقص معلوماته وفقر أدواته - في سبيل الدفاع عن السيد بوجه الهجمة الشرسة، التي تولَّى كبرها عدد من المستشرقين اليهود منذ الستينيات، عَقِب اطلاعهم على نشرة الأستاذ إيرج أفشار لأوراق السيد في إيران.

ثم لم تختَلِف طبعة سيد هادي خسرو شاهي (التي طُبِعَت في قُم ثم في القاهرة مطلع الألفيَّة) إلا في كم النصوص التي أتاحتها لنا من كتابات السيد، لكنها كانت تعاني هي الأخرى من ذات العيوب، ولا غرو؛ فإن خسرو شاهي وعمارة ينتميان لذات الجيل(3). وإذا كان إتقان خسرو شاهي لعدَّة لغات، وكثرة ارتحاله بسبب عمله الدبلوماسي؛ قد مكَّناه من الوقوف على مادَّة أكبر مما يُنسَب للسيد من كتابات، فإنه عجز - رحمه الله - عن معالجتها (بله حُسن ترتيبها التاريخي) عجز محمد عمارة، وتعامل معها نفس المعاملة الاختزاليَّة؛ فحفلت طبعته هب الأخرى بالتعليقات والمقدمات الخطابيَّة، ناهيك عن السقط والتصحيف - المتعمَّد أحياناً - الذي جعلها هي الأخرى بعيدة كل البُعد عن الدقة، وإن فتحت لنا آفاقاً أرحب كثيراً مما استطاعه نشرة عمارة.

وللإنصاف، فقد كانت دراسات الناقد المصري الفذ علي شلش هي الدراسات العربيَّة الوحيدة تقريباً التي حاوَلَت محاولة جادَّة وضع يد الباحث العربي على جدل المصادر الجديدة حول السيد، والإمساك بطرف خيط جديد، خصوصاً في الكتيب المشهور، الذي نشره بعنوان: "الأفغاني بين دارسيه". ولا غرو في ذلك؛ فقد كان شلش - رحمه الله - صاحب باعٍ في التأريخ الثقافي والفكري، وصاحب أدوات تأويلية مركَّبة بوصفه ناقداً أدبيّاً في المقام الأول. وقد ترجم شلش كذلك رد الأفغاني على رينان عن الفرنسيَّة(4) ونقله عنه خسرو شاهي في جمعه للآثار الكاملة وهو حانِقٌ مُتأفف، مُعتبِراً هذه الترجمة من قبيل "المؤامرة" على سُمعة السيد، لكنَّه لم يبذل جهداً في حُسن قراءة النص وتأويله في سياقه، أو حتى يُحاول إعادة ترجمته رغم توفُّر الإمكانات، وإنما اكتفى بالتعليقات الخطابيَّة، وذلك كما فعل بتهميشه وثائق السيد وأوارقه الخاصة، التي ظهرت في نشرة البرلمان الإيراني عام 1963م!

وبناء على ما سبق؛ يستطيع الباحث أن يستشف اشتراك مُحبي السيد ومبغضيه في عين الرؤية بنيويّاً، وهو ما يتجلَّى في وحدة النموذج الكامِن خلف مجمل إنتاجهم عن الرجل، الذي يُمكن للقارئ البصير الوقوف عليه بغير كثير معاناة. ولعلَّ أهم معالم هذا النموذج - كما جرَّدناها - عناصر ثلاثة: أولها الانطباعات الاختزاليَّة المسبَقة عن الرجل (بحكم التحيُّزات التي كوَّنتها الخلفيَّة الثقافيَّة والفكريَّة والمذهبيَّة للباحث)، وهي انطباعات يسعى كل "باحث" إلى إثباتها - ولو على حساب الحقيقة - فإذا هي تحجِبُ عنه قراءة مقاصد الرجل، والتعرُّف إلى حقيقة فكره، وإدراك طبيعة جهاده، حتى إن أتيحَت له نصوص اﻵثار كامِلةً. وثانيها عدم قراءتهم لمسيرة السيد وفكره في سياقه، وبمعطياته التاريخيَّة والمعرفيَّة والسياسيَّة، وانتزاع الرجل طول الوقت من سياقه الأصلي، وقراءته داخل سياق "الباحث"، وحسب إدراكه الاختزالي القاصِر. أما العنصر الثالث فهو القصور المخزي في إدراك جمهرة هؤلاء "الباحثين" لحجم التحولات الفكريَّة والثقافيَّة التي اعتَرَت الأمة، وأعماق هذه التحولات، لا من وقت السيد إلى اليوم فحسب، وإنما في زمانه وأثناء حياته؛ فإن الرجل نفسه يُعَدُّ "اللحظة المفصليَّة" في تاريخنا الحديث، التي يجب علينا التأريخ بما قبلها وما بعدها؛ لشدَّة عمق التغيُّرات التي وقعت في عصره، وساهم هو واعياً في الكثير منها.

وقد عالجنا هذه العناصر وبعضاً من أهم تجلياتها معالجة سريعة، في الورقة الوحيدة المطوَّلة(5) التي نشرناها عن السيد - قدس الله روحه - بيد أننا أمسكنا بعدها عن إنتاج أي شيء آخر عنه، إذ أدركنا حاجتنا أولاً إلى إعادة جمع وتحقيق ونشر تراثه الشخصي، قبل الشروع في أي عمل بحثي جديد، جنباً إلى جنب مع الاطلاع على كافَّة الوثائق والمصادر الأوليَّة التي اطلع عليها المستشرقون؛ لنستطيع تكوين صورة واضحة عن الرجل، في سبيل الإجابة عن السؤال المحيِّر، الذي اتخذناه عنواناً لمقالنا: من هو الأفغاني. ومن ثم؛ فقد شرعنا في تنوير للنشر والإعلام بجمع المادة المتوافرة من كتابات السيد - عليه سحائب الرحمات - ومطابقتها على أقدم أصولها المطبوعة، وضبط نصوصها، وتصويب أخطاءها، وشرح غريبها؛ لنُسهم في توفير أكبر وأدق مدونة للسيد وعنه، وستصدر الدفعة الأولى من هذه اﻵثار في صيف العام الجاري (2021م) بحول الله وقوته(6).

وستكون المرحلة التالية - إن شاء الله تعالى - هي تحقيق ونشر الرسائل الفلسفيَّة والعرفانيَّة القصيرة، علاوة على ترجمة ونشر القطاع الرئيس من أوراق السيد الشخصيَّة، والوثائق الرسميَّة التي تتناول حياته، وهي المدونة الضخمة التي اطلع عليها المستشرقون في أرشيفات الدول المعنيَّة، واعتسفوا تأويلها. فلعلَّ إتاحة هذه المدونة للقارئ والباحث العربي المهتم، ومعها قراءة منهجيَّة جديدة لها؛ تصير جهداً نوعيّاً نتجاوز به النتاج الاستشراقي "التآمُري"، الذي حجب الوثائق، ودفع بتأويله إلى الصدارة؛ ليتلقَّفهُ إخواننا الغافلين!

نسأل الله المعونة.
__________
الهوامش:
1- أعدنا نشرها مؤخراً في القاهرة، كاملة مُحقَّقة مُدققة طبق الأصل، وبغير حذف لأول مرة، وذلك في إطار مشروعنا لإعادة نشر الآثار الكاملة للسيد. وقد نوَّهنا بهذه الطبعة في مقال لنا على هذا الموقع نفسه؛ راجع: "الأفغاني وخاطراته". وقد بسط المخزومي أسباب تأخُّر نشر الكتاب في مقدمته؛ فليُراجعها من رَغِب في: خاطرات السيد جمال الدين الأفغاني، تقرير: محمد باشا المخزومي، تنوير للنشر والإعلام (القاهرة، 2020م).
2- وقد أعاد محمد عمارة -رحمه الله- نشر طبعته المشوَّهة مرة أخرى قبل وفاته بعدَّة أعوام، بغير تغيير كبير. ويبدو أن سبب ذلك هو اختفاء طبعة خسرو شاهي الأوفى كمّاً من السوق، وضغط ناشر عمارة السوري الأصل (المشهور ببخله الشديد!)، ورفضه التعامُل مع مؤلف/ محقق إيراني، ولو كان عمله أوفى! 
3- من المفارقات التي تكشف ذلك؛ تقديم عمارة لطبعة خسرو شاهي بمقدمة جوفاء، لا معنى لها ولا قيمة إلا "الطبل" المجامِل!
4- ظهرت ترجمات أخرى أردأ كثيراً لهذا الرد؛ إذ أن من أنجزوها لم يطلعوا على شيء من كتابات الأفغاني ولا سيرته، ناهيك عن حيازة الحد الأدنى من الخلفيَّة الفلسفيَّة والكلاميَّة المناسبة! 
5- راجع: لمحات من حياة الأفغاني، عبد الرحمن أبو ذكري، سلسلة أوراق نماء (178)، مركز نماء للبحوث والدراسات. والبحث كاملاً متاح على الإنترنت. 
6- تتكوَّن الدفعة الأولى من ثلاثة نصوص: الأول نص أعداد مجلة "العروة الوثقى"، التي أصدرها السيد في باريس بمعاونة محمد عبده وميرزا باقر بواناتى، كاملة مُحققة مضبوطة -18 عدداً- للمرة الأولى منذ ما يزيد على القرن، والثاني هو الكتيب الشهير الذي دوَّنه بالفارسيَّة أول نفيه من مصر إلى الهند، وترجمه محمد عبده بعنوان: "الرد على الدهريين"، وقد راجعنا الترجمة وطابقناها على الأصل الفارسي، لأول مرة! وأخيراً نص عربي قصير شهير في التأريخ لأفغانستان؛ دوَّنه السيد بعنوان: "تتمة البيان في تاريخ الأفغان".

 

twitter.com/abouzekryEG
facebook.com/aAbouzekry