كتب

كيف تفاعلت إفريقيا مع الثورات العربية؟ كتاب يجيب

قراءة تاريخية في علاقة التأثير والتأثر بين الثورات العربية ودول القارة الإفريقية (عربي21)

الكتاب: الثورات العربية وإفريقيا
المؤلف: حلمي شعراوي
الناشر: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2016

قبل عشر سنوات، انطلقت الصحوة العربية في الشمال الإفريقي، والتي بدأت من تونس ومصر، وأسقطت الأنظمة الحاكمة واحداً تلو الآخر، فتوجهت الأنظار نحو ما ستقدمه الثورات العربية من تأثير في الواقع الإفريقي، كما فعلت ثورة يوليو 1952، لكن ما حدث هو تراجع بعض الحكام الأفارقة عن تأييد تلك الثورات ودعمها، بل استخدموا مختلف الوسائل والإجراءات لمنع انتقال تلك الانتفاضات إلى بلدانهم.

وقعت أحداث الثورة المصرية فى وقت كانت الانتخابات فى أوغندا تعاني قهر النظام وإجراءاته، فدعت أحزاب المعارضة لثورة مماثلة لما حدث في مصر، ليعلق الرئيس "موسيفيني" بأنه سيواجهها بالعنف لأن "الأسلوب المصري ليس له مجال في أوغندا!"، ومثل ذلك وقع في زيمبابوي، ثم في نيجيريا والسنغال وكينيا وتصريحات متبادلة بين الحكم والمعارضة.

لم يكن الرئيس الأوغندي وحده في التعبير عن هذا القلق من تصريحات المعارضة تجاهه، حيث كتب نائب الرئيس الغاني عن "الدرس المصري للحكام الأفارقة"، بحكم أنه جاء بعملية انتخابية في ظروف ديمقراطية فى غانا إلى حد كبير. أما الرئيس الأثيوبي الذى خشى من آثار الثورة المصرية فقد توقع من آثارها فقط أن تصيغ مصر موقفاً جديداً في خلافها حول اتفاقيات مياه النيل! وكتب أساتذة من السنغال عن محاولتهم المبكرة لتأسيس حركة على نمط "حركة كفاية" المصرية وإن لم تساعدها الظروف سابقا ولكنها جاهزة الآن.

شهد الشمال الإفريقي انهياراً سريعاً لأنظمة بدا أن الخلاص منها كان مستحيلاً، وأطلق على هذا الزلزال السياسي والجغرافي الذي هزّ المنطقة بدءاً من 2011 اسم "الربيع العربي"، وقد أدى إلى نتائج متفاوتة، فالتظاهرات الشعبية الحاشدة في تونس ومصر، تبعتها إصلاحات مخيبة للآمال في أحسن الأحوال، أو ردود فعل قمعية من أنظمة دكتاتورية، وأيضا نزاعات دامية.

من هنا تأتي أهمية كتاب "الثورات العربية وإفريقيا" وهو مجموعة مقالات ودراسات للباحث الكبير حلمي شعراوي الذي كان قريباً من كثير من هذه التطورات، خاصة في جانبها الإفريقي منذ عمل في الشؤون الإفريقية منذ مطلع الستينيات من القرن العشرين، وقد حرص على أن تعكس اختياراته في مادة هذا الكتاب، رؤية ما جرى من تلك الزاوية الأفريقية، وهذا ما يعكسه القسم الأول من الكتاب، اعتباراً لتواصل الأزمان والأحداث، أما القسم الثاني، فجاء ممثلاً لانطلاق عاشه المؤلف في "ميادين التحرير" منذ يناير 2011، وانطلق بعدها في القسم الثالث إلى عواصم أفريقية، يحكي في منتدياتها ما جرى في الشمال العربي الأفريقي.

ثورة يوليو وحركة التحرر الوطني العالمية:

لم تكن ثورة يوليو "مشروعاً ثورياً" لمصر فقط، وإنما حركة تحرر وطني أصيلة لمصر قادها عبدالناصر وزملاؤه، من هنا كان توجه يوليو ـ الدولة الوطنية ـ إلى تصفية الاستعمار كخطوة أولى، ثم إلى المشاركة في بناء كتلة التحرر الوطني، التي اتخذت إطاراً لها "حركة عدم الانحياز".

لقد كانت ثمة أحداث كبيرة كفيلة أن تردي تجربة يوليو منذ وقت مبكر، لولا وجودها وسط ساحة التحرر الوطني، فانهيار الوحدة مع سوريا، والصعوبات الدائمة في لبنان، وتعثر دورها في اليمن، واشتداد الصراع الفرنسي مع الثورة الجزائرية، والقلق الأثيوبي الأمريكي من اتفاقية مياه النيل مع السودان، والفشل في إنقاذ لومومبا في الكونغو بانتصار الثورة المضادة، وتراجعات كتلة الدار البيضاء في الطريق لبناء منظمة الوحدة الأفريقية، كل ذلك كان فوق طاقة تجربة متفردة مثل ثورة يوليو، لكنها اكتسبت قوتها من حشد التحرر الوطني الذي كان يكتسب الجديد كل يوم، من نمو البرجوازية الهندية، حتى تنامي دور الثورة الكوبية على الحدود الأمريكية، وفي حديقتها الخلفية في أنحاء أمريكا اللاتينية.

يقول المؤلف في (صفحة 22): "ليس صدفة أن بدأت العلاقة بقيادات حركات التحرير الأولى والوافدة إلى مصر عقب استقلال السودان، من الدول المحيطة بحوض النيل: كينيا، أوغندا، أرتيريا، الكونغو، تشاد، وأعقب ذلك الالتفاف على إسرائيل في العالم العربي، ببروز الدور المصري مع سوريا وفي لبنان والصراع مع الأردن، كان ذلك لحماية ظهير الدولة الوطنية وبابها الشرقي بالضرورة، ثم انطلقت إلى الحضور على الصعيد الدولي بتكتل أسيوي أفريقي، شعبي وحكومي أسس لكتلة الحياد الإيجابي، ثم عدم الانحياز، تلك الكتلة التي أجلت عولمة الإمبريالية لعدة عقود".

 

قبل عشر سنوات، انطلقت الصحوة العربية في الشمال الإفريقي، والتي بدأت من تونس ومصر، وأسقطت الأنظمة الحاكمة واحداً تلو الآخر، فتوجهت الأنظار نحو ما ستقدمه الثورات العربية من تأثير في الواقع الإفريقي، كما فعلت ثورة يوليو 1952، لكن ما حدث هو تراجع بعض الحكام الأفارقة عن تأييد تلك الثورات ودعمها، بل استخدموا مختلف الوسائل والإجراءات لمنع انتقال تلك الانتفاضات إلى بلدانهم.

 



تعمقت علاقات وأدوار ثورة يوليو بقوة على طول هذه الساحات: أولاً، ساحة الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول (سبتمبر) 1960، وقرار حق الشعوب في تقرير مصيرها في كانون أةل (ديسمبر).

ثانياً، قيام منظمة الوحدة الإفريقية، وإقامة لجنتها لتحرير المستعمرات من دار السلام، إعلاناً لحق التدخل المسلح في المستعمرات، وبدعم من القوى التقدمية والمحافظة لبدء الزحف على مناطق الاستعمار التقليدي والاستيطاني في الجنوب الأفريقي، وكذا إعلان منظمة التحرير الفلسطينية، ليقوم الشعب الفلسطيني بدوره في التحرر الوطني.

ثالثاً، اتخاذ القاهرة منفذاً لأكثر من عشرين حركة تحررية وطنية أفريقية، تخاطب العالم من القاهرة، عبر أكثر من خمسة وعشرين محطة إذاعة موجهة لأفريقيا.

رابعاً، الاستجابة ـ وإن في حدود ـ مع إنطلاقة جيفارا والمهدي بن بركة لبناء ساحة أوسع وأعمق للتحرر الوطني، في إطار مؤتمر القارات الثلاث الذي عقد بهافانا عام 1966، وأثار رعباً في معسكر الإمبريالية، كلف القائدين المناضلين حياتهما، بل وكلف الكتلة كلها ما هو أكثر من ذلك.

نكسة 1967 لم تحاصر حركة التحرر الوطني:

لم تكن ضربة 1967 الإسرائيلية موجهة لثورة يوليو في مصر وحدها، وإنما كانت انتقاماً إمبريالياً لا يمكن إنكار آثاره، لكن اللافت كما يقول المؤلف في (صفحة 25) أنه على الرغم من: "وقوع الهزيمة عام 1967، لم يسقط تحالف قوى التحرر الوطني... فلا نغفل وقوع ثورات السودان وليبيا والصومال، تباعاً (1969) على المستوى العربي وتزايد الضغط على الاستعمار البريطاني في اليمن، وتطور الشعور الوحدوي في سوريا والتقدمي بالجزائر، وإعلان ميثاق طرابلس. 

ومع رفض ثورة يوليو الاستسلام، اندفعت روح المقاومة الفلسطينية وانضمت لحركات الكفاح المسلح لأول مرة بعد عقدين من قيام الكيان الصهيوني، وقدمها عبدالناصر بنفسه لموسكو.. هذا فيما حول مصر يوليو مباشرة، أما على الصعيد الأفريقي، فقد انطلقت مناطق أوسع من المستعمرات بعد 1967، لدائرة الكفاح المسلح بعد اعتمادها لفترة فلسفة النضال السياسي، وهذا ما حدث في روديسا وناميبيا وجنوب أفريقيا، كما تقدم زحف حركة التحرر في غينيا بيساو وأنجولا وموزمبيق، ولمعت أسماء كابرال ونيتو وموندلاني لأول مرة على الساحة العالمية".

ذكريات مصرية عن تحرير أفريقيا.. تجربة شخصية للمؤلف

انطلق المؤلف في هذا الفصل، لدور مصر الناصرية في عملية التحرير الوطني الأفريقية من واقع خبرة شخصية في الشئون الأفريقية برئاسة الجمهورية في الفترة من (1956 ـ 1975)، باعتباره كان منسقاً لمكاتب حركات التحرير بالقاهرة، والتي تم افتتاحها تباعاً طوال تلك الفترة، حيث كان المؤلف مساعد الرئيس للشئون الأفريقية.

يقول المؤلف في (صفحة 36): "روى لي السيد محمد فايق مساعد عبدالناصر في جلساتنا الحوارية 2002، كيف وجهه ناصر لسياسة المواجهة أثناء مفاوضاته مع بريطانيا عام 1953، بشأن وضع السودان أولاً ـ وقد كان خاضعاً للتاج المصري لملك مصر والسودان حتى 1954 ـ وذلك بالعمل ضد النفوذ البريطاني والأمريكي في حوض النيل المحيط بالسودان، والذي يمتد إلى القرن الأفريقي وبلدان شرقي القارة، وأنه بهذا التوجيه أنشئت عام 1954 الإذاعة الموجهة "التجرينية" لأثيوبيا وإريتريا، و"السواحلية" لبقية شرق أفريقيا، وأن البرامج الموجهة من مصر قد امتدت لتصير برامج لحوالي ثلاثين لغة أفريقية في منتصف الستينيات".

كان اهتمام عبدالناصر بأفريقيا حتى ذلك الحين (1954)، في حدود تأمين وضع السودان الذي اختار الاستقلال عن مصر، فكان عليه أن يؤمن حوض النيل بالوقوف بجانب حركات الاستقلال في كينيا وأوغندا والكونغو وإريتريا، إلى جانب الصومال، بدرجات وأشكال مختلفة.

أدرك معظم قادة العالم، سواء من حضروا مؤتمر باندونج 1955، أو لم يحضروا، أن وجود الشاب جمال عبدالناصر (33 سنة) ممثلاً لوزن مصر في منطقتها، يمثل أيضاً ثقلاً للشعوب الأفريقية، وقادة حركات التحرير في القارة المتطلعة للاستقلال، وأكدت مصر هذه النظرة عقب ذلك بمقاومتها الباسلة للعدوان الثلاثي من قبل فرنسا وبريطانيا وإسرائيل في أكتوبر 1956، عقب تأميمها لقناة السويس.

كانت الثقافة السياسية في مصر ترتبط بثقافة التحرر الوطني، بسبب وقفات مصر المبكرة مع الشعب الفلسطيني، ودعمها للحركة الوطنية في السودان، ودعمها الإعلامي لثورة "ماوماو" في كينيا، منذ أوائل الخمسينيات، ووقفتها الحاسمة مع الثورة الجزائرية منذ منتصف الخمسينيات، كجزء من دعم التحرر من الاستعمار الفرنسي في أنحاء المغرب (الشمال العربي الأفريقي). 

 

نجح عبدالناصر في تعبئة جناح الوطنيين الأفارقة إلى جانب الجزائر كقضية إفريقية عربية، وكان الجيش الفرنسي يخوض واحدة من أقوى معاركه بعد هزيمته في الهند الصينية، بينما الرأي العام العالمي يتطور بسرعة في اتجاه النظر إلى الجزائر كإقليم له حق الاستقلال وليس إقليماً فرنسياً.

 



يمثل عام 1960، بالنسبة للتحرير الوطني الأفريقي نقلة هامة، بل وتكاد تكون جذرية خاصة بعد أن صدر في آخره إعلان الأمم المتحدة عن تصفية الاستعمار، وفي عام 1960 كانت الثورة الجزائرية تشق طريق التقدم لإثبات مسألة بدت مثيرة وهي أن الجزائر جزائرية، كانت الإدارة الاستعمارية الفرنسية تنفي ذلك بقوة وتعبئ لذلك الأصوات في الأمم المتحدة كل عام، لكن مع بداية 1960 أصبح الموقف مختلفاً، كانت ثورة الجزائر قد أعلنت عن "حكومة" مؤقتة، وممثلة في مصر بشكل قوي، ويتعامل معها جمال عبدالناصر كدولة مستقلة. 

ونجح عبدالناصر في تعبئة جناح الوطنيين الأفارقة إلى جانب الجزائر كقضية إفريقية عربية، وكان الجيش الفرنسي يخوض واحدة من أقوى معاركه بعد هزيمته في الهند الصينية، بينما الرأي العام العالمي يتطور بسرعة في اتجاه النظر إلى الجزائر كإقليم له حق الاستقلال وليس إقليماً فرنسياً. وكانت سمعة فرنسا ملوثة من قبل ذلك بعنف تعاملها مع غينيا والزعيم سيكوتوري بسبب رفض غينيا للدستور الفرنسي 1958، وإعلانها خيار الاستقلال من جانب واحد.

يقول المؤلف في صفحة (47): "فوجئت القيادة السياسية لدول التحرر الوطني بإعطاء فرنسا الاستقلال في صيف 1960، لأكثر من عشر أقاليم إفريقية، بحيث بلغ عدد من حصلوا على هذه الصيغة من أنحاء القارة ما يقرب من عشرين إقليماً، هيأتهم فرنسا وبريطانيا للتصويت في كافة المواقع ولبعض الوقت إلى جانب الموقف الفرنسي باعتبار الجزائر فرنسية!".

قادت مصر (عبد الناصر) وغانا (نكروما) حركة استقلال الكونغو، وتقديم دعم إفريقي واسع للزعيم "باتريس لومومبا" في مواجهة عسكرية مباشرة مع الحلف الاستعماري ضده، وسارعت مصر لقطع علاقتها القنصلية عام 1961 مع حكومة جنوب إفريقيا ـ كانت قائمة مع النظام العنصري منذ العصر الملكي قبل ثورة يوليو 1952 ـ بل وشاركت مصر بهذه الروح التحريرية مع 28 دولة أخرى بعرض قضية "الأبارتهيد" على مجلس الأمن للمرة الأولى عام 1962، بالتشاور مع قيادات حزب المؤتمر الوطني الأفريقي.

بهذه الروح قامت منظمة الوحدة الإفريقية بإنشاء لجنة رئاسية "لتنسيق تحرير المستعمرات" انطلقت من مقاطعة جنوب أفريقيا إلى تقديم التدريب والعون العسكري للوطنيين في كافة المستعمرات.

من المفارقات التي يرصدها المؤلف، أن نكروما أنجز مع شعبه استقلال غانا عام 1957، وكان عبد الناصر قد استكمل مع جماهيره إخراج البريطانيين، وحرر قناة السويس من الفرنسيين والإنجليز والإسرائيليين عقب تأميم قناة السويس في يوليو 1956، وواجه نكروما انقلاب النكبة 1966، كما واجه عبدالناصر نكسة 1967، ثم رحل عبد الناصر عام 1970، ونكروما 1972.

في أعقاب مقتل "لومومبا" بدأ الكفاح العنيف منطلقاً من شرق ووسط الكونغو على يد الزعيم "موليلي"، وبروح "الجيفارية" النابضة في هذه الفترة، بتأثير زيارة "جيفارا" للكونغو ودعمه وكوبا لثوارها، ثم كان قرار إقامة لجنة تحرير المستعمرات بمنظمة الوحدة الأفريقية، معترفاً "بالكفاح المسلح" ورسمياً على مستوى تنظيم دولي لا ترفضه أطر الأمم المتحدة، التي أصدرت جمعيتها العمومية "الإعلان العالمي لتصفية الاستعمار" في ديسمبر 1961، بعد حضور قادة عالميين مثل نهرو وناصر ونكروما وخروشوف، لهذا الاجتماع بنيويورك في أيلول (سبتمبر) 1961.

يضيف المؤلف في صفحة (48): "في لحظة التوتر في الكونغو، تعرض الدبلوماسيون المصريون للمخاطر، خاصة مع هروب أحدهم مع زوجة وأبناء (لومومبا) من ليوبولدفيل لإنقاذهم من يد موبوتو وتشومبي اللذان قتلا الوالد دون أية مبالاة بما يسمى الرأي العام الدولي، كان مجئ عائلة لومومبا مع المرحوم محمد عبدالعزيز إسحاق رئيس الرابطة الأفريقية بالزمالك، ورعاية مكتب الرئيس المباشرة لهم، ومعايشتي لهم فترة من خلال عملية ترتيب إقامة آمنة لهم من قبل أمن رئاسة الجمهورية فضلاً عن تعليمهم الذي تم في القاهرة، كان كل ذلك حاضراً في الذهن المصري استعداداً لأي تضحية في مجال العمل الإفريقي".

كان وقع الحدث اللومومبي في الذهن المصري دفاعاً عن الثروة القومية لبلاده مثل وقع استشهاد المصريين في معركة السويس دفاعاً عن "القناة"، كما بلور الحدث الكونغولي موقف الدول الأفريقية حديثة الاستقلال، بين اختيار التحرر الوطني الذي مثلته كتلة الدار البيضاء التحررية، أو موقف مجموعة منروفيا التي جمعت الدول التي حصلت على الاستقلال الصوري. ثم جاءت نكسة 1967، وكأنها قمة النكسة الأفريقية عقب الانقلابات التي مثلت ضربات لنظم التحرر الوطني في غانا ومالي وأوغندا والكونغو، وبوصول السادات للحكم بعد وفاة عبدالناصر في 28 سبتمبر 1970، بدأت سياسة مختلفة تماماً بتصفيته لرفاق عبدالناصر في مايو 1971، فانفرط عقد هيئة الشئون الأفريقية في رئاسة الجمهورية باعتقال والحكم بالسجن على محمد فايق لعشر سنين، وتمت إحالة "حلمي شعراوي" (المؤلف) للمعاش أو التقاعد.

يقول المؤلف في صفحة (56): "كانت سنوات السبعينيات قاسية على عملي الشخصي، وعلى شعوري بانسحاب مصر السادات من دورها التحريري السابق، بل واتجاه السادات للتعامل الواسع مع الأمريكيين ضد ما أسماه نفوذ الشيوعية في أفريقيا، ملمحاً دائماً إلى الحضور الكوبي وخطره في بعض البلدان مثل أثيوبيا وأنجولا وموزمبيق".

دعم السادات موقف موبوتو ضد ثورة شرق وجنوب الكونغو، ووقف إلى جانب حركة يونيتا وقيادة سافمبي في أنجولا، وتاجر في الدخان مع نظام أيان سميث في روديسيا، وكل هذه السياسات كانت عكس المواقف الناصرية تماماً.

 

خسرت مصر كثيراً طوال فترة العزلة التي فرضتها عليها سياسة نظام مبارك، خاصة في إفريقيا والمنطقة العربية، والمتوسط، وليس صدفة أن يرتبط ذلك بسياسة تحجيمها اقتصادياً عبر خضوعها الكامل لروشتة صندوق النقد الدولي وتعليمات منظمة العمل الدولية

 



في هذه الفترة، لم يكن المشهد بائساً طول الوقت في مجال العمل الأفريقي العربي، فقد استطاعات الكتلة العربية الأفريقية أن تدفع بزعماء منظمة التحرير الفلسطينية، ومنظمة شعوب جنوب غرب أفريقيا إلى ساحة الجمعية العامة للأمم المتحدة، لتنعش دبلوماسية العالم الثالث، كما أن تفجر ثورة شعب الجنوب الأفريقي في سويتو 1976، كان منعشاً للحركة الوطنية، على مستوى القارة، لتظل قضية المواجهة مع نظام الآبارتهيد في مقدمة الاهتمامات الأفريقية، وفي هذه الظروف قفزت حملة الإفراج عن الزعيم نلسون مانديلا بوعي شعوب الشمال الأفريقي العربي إلى أبعد مداها، من خلال المشاركة الشعبية الواسعة وسط تنظيمات المجتمع المدني والنقابات المهنية والعمالية للتوقيع على وثائق طلب الإفراج عن مانديلا.

جاءت لحظة خروج "مانديلا" من سجن جزيرة "روبن أيلاند"، في وقت يتأسى فيه اليساريون على انهيار الاتحاد السوفييتي والتجربة الاشتراكية "القائدة"، ويتأسى الناصريون على فترة عبدالناصر التحررية، نظر المصريون عموماً إلى الحدث على أنه انتصار لتاريخهم في دعم حركات التحرر الأفريقية ورمزها البطل "مانديلا"، وأعطى المثقفون المصريون للحدث بعداً أكبر مع ربطهم الانتصار على "الأبارتهيد" في جنوب أفريقيا، بمعاناة الشعب الفلسطيني على أرضه. 

خسرت مصر كثيراً طوال فترة العزلة التي فرضتها عليها سياسة نظام مبارك، خاصة في إفريقيا والمنطقة العربية، والمتوسط، وليس صدفة أن يرتبط ذلك بسياسة تحجيمها اقتصادياً عبر خضوعها الكامل لروشتة صندوق النقد الدولي وتعليمات منظمة العمل الدولية، وقد انعكس ذلك دون شك في انكماش دائرة التبادل التجاري ومشروعات التصنيع، ومستوى المعيشة، والتعليم، والصحة، بما تحفل به التقارير الدولية والإقليمية، وقد لاحظ المتابعون لثورة "25 يناير 2011" ارتفاع شعار "الكرامة الوطنية" إلى جانب شعارات الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، ارتبط شعار "الكرامة" تحديداً بممارسات مصر الخارجية وإدانتها بالنسبة لقضاياها الحيوية في حوض النيل وفلسطين ودورها مع "الناتو" في حرب الخليج الأولى، والسكوت على الحالة العراقية بعد ذلك، ورفع الشباب شعار الدبلوماسية الشعبية، بل وشكلوا وفوداً إلى دول شرق أفريقيا، ثم التعرض مباشرة للسفارة الإسرائيلية بالقاهرة، وسط اتهامات مباشرة للرئيس المخلوع مبارك بأنه أضاع كرامة مصر، ورسخ تبعيتها، وفرض عليها صمتاً مخزياً في كافة القضايا الإقليمية والعالمية.

قد تكون ثورة تونس سارعت بالاستقرار في إطار المتوسطية والفرنكفونية، رغم محاولات التنظيمات الإسلامية لمراجعة هذا الموقف، لكن بهدوء ملحوظ، أما ثورة ليبيا فقد راحت رهينة مبكرة لدى قوى الأطلنطي، واختلفت حالة مصر بوجود الإسلاميين ثم العسكريين على رأس السلطة، فالعلاقة بإسرائيل تجاوزت العقود الثلاثة في إطار وهم واضح عن السلام، دافئاً وبارداً، والرأي العام المصري قبل وبعد الثورة ضد التطبيع مع إسرائيل، ويظل الموقف من تطور الأوضاع في ليبيا وما تلاه في سوريا لافتاً لما يسببه من حرج للنظام في مصر، لأن تاريخ مصر الإقليمي في العصر الحديث كدولة وطنية وقومية، وفترة عبدالناصر مثالاً، لم يكن يسمح بسياسة "الصمت" التي أكدها نظام مبارك ببلادة ملحوظة، كما أن فلسفة القوى الإقليمية الآن في إفريقيا وخارجها لا تبرر موقف الصمت على هذا النحو، بعد أن دخل على الخط العامل الخارجي (في ليبيا وسوريا واليمن)، وقد برز سؤال "التدخل الأجنبي" وإعادة سيناريو العراق وأفغانستان، بل وأدوار الأحلاف العسكرية.

تشوهت إذن صورة الربيع العربي في القارة إلى حد كبير، لنصبح أمام مفارقة لافتة: الموقف المتحفظ الاتحاد الإفريقي ومجلسه للسلام والأمن، الذي لم يعط التصريح لمجلس الأمن الدولي إلا في حدود الالتزام بإنقاذ حياة المدنيين في ليبيا، ولم يبتلع حجج الاتحاد الأوروبي وحلف الأطلنطي بالسهولة التي ساهم في تقديمها مجلس الجامعة العربية، وبدا النظام الإقليمي العربي عاجزاً عن تدخل مناسب، بعد أن أصبح تابعاً بالمطلق لخطة حلف الأطلنطي، بينما "النظام الإفريقي الذي يُتوقع منه الاستسلام الأسرع بحكم هشاشته أمام "السلطة الغربية" بدا أكثر تماسكاً ورغبة في التعبير عن نفسه بشكل استقلالي، فانتقل التحفظ مع ضغط الرأي العام الإفريقي إلى تصعيد رفض "التدخل الأجنبي" و"العدوان" المدعوم من دول عربية على الشعب الليبي، ويشير المؤلف إلى سابقة التجربة الإفريقية مع القذافي حين خرقوا الحظر الذي فرض على ليبيا بعد حادث "لوكربي"، وكيف تطور دور الاتحاد الإفريقي منذ ذلك الحين بدعم ليبي.