صحافة دولية

FP: في تونس شبح ابن علي لا يزال حاضرا

بعد عقد من الربيع العربي لا يزال قطاع الأمن التونسي يتمتع بميول استبدادية- عربي21

قالت مجلة "فورين بوليسي" إن المشاهد في الشوارع التونسية في كانون الثاني/ يناير الماضي بدت وكأنها تكرار لمشاهد المراهقين الذين رشقوا الشرطة بالحجارة وهتفوا بإسقاط النظام قبل عشر سنوات.

وأضافت المجلة في تقرير لها ترجمته "عربي21" أنه بعد عقد من الربيع العربي، يعرب جيل جديد من التونسيين عن غضبه من الحكومة، حيث فشل الوقت والديمقراطية في حل المظلوميات التي كانت سببا في انتفاضة 2011.

هذه المرة، لم تطلق الشرطة الذخيرة الحية على المتظاهرين. لكنهم نشروا الغاز المسيل للدموع والهراوات، وقاموا باعتقالات جماعية، وسجنوا مئات القُصّر وصحفيا واحدا على الأقل.

ويحذر محامون وناشطون في مجال حقوق الإنسان من أن تونس، التي تعتبر نموذجا ديمقراطيا في العالم العربي، تتسلل مرة أخرى نحو دولة بوليسية.

بدأت الاضطرابات مباشرة بعد الذكرى العاشرة لهروب الديكتاتور السابق زين العابدين بن علي إلى المنفى في 14 كانون الثاني/ يناير. وفي مواجهة حالات الإصابة بفيروس كورونا المتزايدة والتوتر السياسي، فقد فرضت الحكومة إغلاقا وطنيا لمدة أربعة أيام وحظرا على المظاهرات. واعتبر الكثيرون أن هذه الخطوات لم يُقصد منها مكافحة الوباء بقدر ما قُصد منها منع التونسيين من الاحتجاج على اقتصادهم المترنح والطبقة السياسية البعيدة عن الواقع.

في تونس، تبلغ نسبة البطالة الإجمالية 16.5%، و 36% بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاما. وقد أدت التنمية غير المتكافئة إلى تهميش المناطق الداخلية والأحياء الفقيرة في تونس قبل تفشي الوباء، وزاد فيروس كورونا الأمور سوءا. وانكمش الاقتصاد المعتمد على السياحة بنسبة 8.2% في عام 2020.

ولكن كما في عام 2010، لم يكن الاقتصاد بل مضايقات الشرطة هي السبب في اندلاع الانتفاضة المستمرة. اشتبك متظاهرون وقوات الأمن في بلدة سليانة على بعد 80 ميلا من تونس العاصمة، بعد انتشار مقطع فيديو لشرطي يضايق راعيا محليا على مواقع التواصل الاجتماعي. فأغلق السكان شوارع البلدة وأشعلوا النار في الإطارات، وسرعان ما خرجت مظاهرات مماثلة في جميع أنحاء البلاد. وقام بعض المتظاهرين ليلا بإلقاء الحجارة وزجاجات المولوتوف على الشرطة ونهب وتخريب الممتلكات العامة والخاصة.

كان العديد من المتظاهرين شبانا من مناطق فقيرة، حيث لا يزال السعي وراء الكرامة -الذي شكّل لب الربيع العربي -لم يتحقق. وغيابها محسوس بشكل حاد في ضواحي تونس العاصمة مثل حي التضامن، الذي شهد بعض الاشتباكات الطويلة الشهر الماضي.

قال شاب عاطل عن العمل يبلغ من العمر 22 عاما -طلب عدم ذكر اسمه خوفا من انتقام الشرطة- إنه قُبض عليه خلال مظاهرة مسائية. وأمضى عدة أيام رهن الاعتقال قبل أن يحكم عليه بغرامة لا يستطيع دفعها.

وقال عن زملائه المعتقلين: "بعضهم شاركوا فقط للقيام بالسرقة، لكن الغالبية أشخاص طيبون لديهم مطالب مثل التوظيف والتنمية".

وانضم العشرات من الشباب من حي التضامن إلى مسيرة سلمية نحو البرلمان الأسبوع الماضي، مطالبين بإطلاق سراح أصدقائهم. قال حسام بوعزرة، 22 عاما، إن الشرطة انتهى بها الأمر "بضرب الجميع دون سؤال أو جواب" أثناء الاشتباكات المسائية. وفي مواجهة جدار من رجال الشرطة يرتدون ملابس مكافحة الشغب في الأسبوع التالي، صاح المتظاهرون: "لا خوف، لا رعب، الشارع ملك للشعب".

وفي الكبارية، وهي منطقة في جنوب تونس العاصمة حيث يبلغ معدل البطالة حوالي 18.4%، اشتبك المتظاهرون مع الشرطة. وتعيش العائلات هنا على الكفاف، ويقول الكثيرون إنهم لم يتلقوا مساعدة من الحكومة أثناء الوباء. إنهم يشيرون إلى الفساد وإهمال الحكومة.

تمثل الشرطة بصمة الدولة الوحيدة تقريبا في أحياء مثل الكبارية. يروي المراهقون والشباب تعرضهم للإيقاف التعسفي والمضايقة من قبل رجال الشرطة، الذين يمنعونهم أحيانا من السفر إلى الأحياء الأكثر ثراء في العاصمة.

لطالما كانت العلاقة بين قوات الأمن وفقراء المدن التونسية مضطربة. بعد 11 أيلول/ سبتمبر، استغل ابن علي الضغط الدولي لمحاربة الإرهاب لتبرير زيادة الشرطة. واستمرت الممارسات القمعية بعد ثورة 2011. ووفقا لمسح لسكان عدة أحياء فقيرة في تونس أجرته منظمة محامون بلا حدود والمنتدى التونسي للحقوق الاجتماعية والاقتصادية، اعتبر 57% من المشاركين أنفسهم ضحايا عنف الدولة.

رد فعل الحكومة على انتفاضة يناير لم يؤد إلا إلى تأجيج التوترات. خلال الاحتجاجات الليلية، ملأت الشرطة الشوارع السكنية بالغاز المسيل للدموع والعربات المدرعة. أطلق بعض رجال الشرطة الغاز المسيل للدموع على المنازل وجروا المتظاهرين على الطريق. ثم انتشر الجيش في عدة مناطق.

في 25 كانون الثاني/ يناير، أصبح هيكل راشدي، 21 عاما، أول ضحية في الانتفاضة. وقالت عائلته لمنظمة العفو الدولية إنه قبل أيام، أصيب على رأسه بقنبلة غاز مسيل للدموع في غرب تونس. فتحت السلطات التونسية تحقيقا في وفاته. وفي جنازة الراشدي في اليوم التالي، أطلق رجال الشرطة الغاز المسيل للدموع على حشد المشاركين في الجنازة.

تقدر الرابطة التونسية لحقوق الإنسان أنه تم اعتقال ما لا يقل عن 1680 شخصا على خلفية الاحتجاج، بينهم مئات القُصَّر. وتراوحت التهم بين انتهاك حظر التجول و"التحريض على العصيان"، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى السجن لمدة تصل إلى ست سنوات.

ويقول محامون وأقارب إن شبابا لا صلة لهم بالاحتجاجات تعرضوا للاعتقال التعسفي من منازلهم. وذكر آخرون أنهم تعرضوا للضرب أثناء استجواب الشرطة وفي السجن.

يفرض القانون التونسي على الشرطة استجواب الأطفال بحضور والديهم، لكن حميدة الشايب، المحامية في مدينة صفاقس الساحلية، قالت إن الشرطة استجوبت بعض القاصرين بمفردهم وأجبرتهم على توقيع اعترافات مكتوبة.

كل هذا أثار ما وصفه بعض المراقبين بأنه أكبر حركة احتجاجية في تونس منذ الثورة. واجتذبت المظاهرات، التي حشدتها جزئيا الحركة الناشئة المناهضة للفاشية بقيادة الشباب والتي تطلق على نفسها اسم "الجيل الخطأ". شريحة عريضة من التونسيين يهتفون "أطلقوا سراح المعتقلين" والشعارات المناهضة للشرطة.

ويحمل البعض لافتات كتب عليها "لا عدالة، لا سلام = أوقفوا تمويل الشرطة"، وهي مستوحاة من احتجاجات "حياة السود مهمة" الصيف الماضي في الولايات المتحدة. وغالبا ما يواجهون كتائب من رجال الشرطة يرتدون معدات مكافحة الشغب، وتندلع مشاجرات بين الحين والآخر. وفي مظاهرة في وسط تونس العاصمة يوم السبت، رش المتظاهرون الشباب شرطة مكافحة الشغب بالطلاء.

ولدى سؤاله عن سلوك الشرطة تجاه المتظاهرين، قال الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية خالد الحيوني إن قوات الأمن "وجدت نفسها في مواجهة حوادث ألحق فيها الناس أضرارا بالممتلكات العامة والخاصة".

وأحال المزيد من الأسئلة حول سلوك الشرطة إلى وزارة العدل. ورفض ناطق باسم وزارة العدل التعليق.

 

اقرأ أيضا: الغنوشي: نحتاج نظاما انتخابيا جديدا حتى لا تنهار ديمقراطيتنا

في خطاب متلفز في 19 كانون الثاني/ يناير، وعد رئيس الوزراء هشام المشيشي -وهو مستقل اختاره الرئيس قيس سعيد في تموز/ يوليو لتشكيل الحكومة التونسية الثالثة منذ انتخابات 2019- بالاستماع إلى الشباب، واصفا مطالبهم بأنها "مشروعة". ومع ذلك، فقد أشاد "باحتراف" قوات الأمن وحذر من أنها ستواصل قمع النهب والتخريب، وهي التعليقات التي كررها هذا الأسبوع. وفي الشهر الماضي، طلب سعيد من الشباب عدم "السماح لأي شخص باستغلال بؤسكم".

بعد عقد من الربيع العربي، لا يزال قطاع الأمن التونسي يتمتع بميول استبدادية. ووزارة الداخلية، التي اشتهرت باستخدام التعذيب والترهيب لقمع المعارضة السياسية في عهد ابن علي، لا تزال غامضة وغير قابلة للإصلاح إلى حد كبير.

في غضون ذلك، مكّن صعود نقابات الشرطة رجال الشرطة من مقاومة المساءلة. وفي الأيام الأخيرة، نشرت النقابات رسائل تهين وتهدد الناشطين والمحامين على "فيسبوك".

يوم الاثنين، حثت نقابة للشرطة التونسية أعضاءها على قمع الاحتجاجات غير المصرح بها، وفي نفس اليوم، قام بعض أعضاء نقابة الشرطة بضرب المتظاهرين وحاولوا دهسهم أمام محكمة صفاقس. وحذر سعيّد، خلال زيارة لوزارة الداخلية، الثلاثاء، من الاستغلال السياسي للنقابات الأمنية واقترح دمجها في نقابة موحدة، مؤكدا أن الضباط يجب أن يخضعوا للدولة. وقال: "الحريات مكفولة وقوات الأمن والمواطنون ليسوا أعداء".

في غضون ذلك، يتقدم في استطلاعات الرأي حزب مناهض للثورة يؤجج الحنين إلى الديكتاتورية؛ هو الحزب الدستوري الحر. وتنفي زعيمة الحزب، عبير موسي، وهي مسؤولة سابقة في حزب ابن علي، حدوث ثورة في عام 2011. وهي تشيد "بالاستقرار" الذي شهده الاستبداد، مناشدة الشعور المتزايد بين التونسيين بأنه على الرغم من ندرة الحرية قبل عام 2011، إلا أن الضروريات كانت أقل تكلفة.

منذ عام 2011، اجتذب إصلاح قطاع الأمن التونسي مساعدات خارجية كبيرة من المانحين الأوروبيين والولايات المتحدة. لكن بعد الهجمات الإرهابية التي ضربت تونس في عام 2015، أخذ تعزيز مكافحة الإرهاب الأولوية على حقوق الإنسان.

وقالت روث هاناو سانتيني، أستاذة السياسة في جامعة نابولي في لورينتال، والتي تدرس قوات الأمن التونسية: "إن ثقافة الإفلات من العقاب التي كانت تهيمن على الشرطة ووزارة الداخلية في عهد ابن علي لم يتم تحديها أبدا".

وقدمت الحكومة الأمريكية لتونس أكثر من 100 مليون دولار من المساعدات لتعزيز إنفاذ القانون في البلاد والقضاء. وقال مسؤول بوزارة الخارجية إن بعض هذا ذهب نحو تحديث أكاديمية الشرطة الرائدة في وزارة الداخلية وتحسين قدرات تدريب الشرطة والحرس الوطني لإنشاء "قوة شرطة جديدة تعمل لصالح المواطنين".

ومع استمرار المظاهرات، فقد أدت حملة القمع التي شنتها الشرطة إلى إحداث أثر مخيف في الأحياء المنكوبة حيث بدأت الاضطرابات. ووفقا لمحامين بلا حدود، فإنه تم اعتقال ما لا يقل عن 16 ناشطا ومدونا لنشرهم على وسائل التواصل الاجتماعي حول الاحتجاجات. ويقول المحامي ياسين عزازة إن قانون عهد الديكتاتورية المستخدم لتبرير اعتقالهم ينتهك دستور 2014؛ لكن بما أن تونس لا تزال تفتقر إلى محكمة دستورية، فلا سبيل للطعن فيه.

ودعت نقابة القضاة الوطنية الخميس الماضي قوات الأمن إلى ضبط النفس وأكدت على الحق في حرية التعبير والتجمع. ومع استمرار المحاكمات، فإنه تم إطلاق سراح العديد من المتظاهرين، وهو، كما قال لمين بنغازي من منظمة "محامون بلا حدود"، إنه مما يدل على "العبثية والتعسفية في الاعتقالات".

لم يحالف الحظ آخرين، وتلقى بعض المتظاهرين أحكاما بالسجن تصل إلى عامين. وحذرت ريم بن إسماعيل، الأخصائية النفسية من تونس، من أن سجن الشباب التونسي لن يؤدي إلا إلى إبعادهم عن الدولة، ويخاطر بإدامة دائرة العنف.

ناشدت شعيب، المحامية في صفاقس، القضاة لإبداء الرحمة تجاه موكليها الشباب.

وقالت: "آمل أن يفهموا أن هؤلاء الشباب هم ضحايا الفقر أو ضحايا التهميش لسنوات.. لقد احتجوا للتعبير عن وضعهم الهش، هذا كل شيء".