كتب

عولمة العنف الديني ومأزق اختراق محاميل الدولة الحديثة (2من2)

ثقافة النّحر.. فساد في التّأويل وجناية على الإنسان (عربي21)

الكتاب: إسلامويّات: مشروع قراءة نسقيّة لظاهرة الإسلام السياسي
المؤلف: أ.د علي الصّالح مولى
النّاشر: مسكيلياني للنشر والتوزيع
الطبعة الأولى: 2019
عدد الصفحات: 363

إسلامويّة الأحكام والحدود

كما أسلفنا الإشارة في عنصر سابق، فإنّنا سوف نُجمِل تقديمنا لهذا الكتاب الثري على الفصل الثاني من الباب الأوّل "إسلامويّات المطابقة والانغلاق"، الذي عني بظاهرة "الإسلامويّة النصّانيّة" أو إسلامويّة الأحكام والقصاص، التي أفردها علي الصّالح مولى بدراسة خاصّة عنوانها "ثقافة النحر وحرفة قطع الرؤوس..أيّة معقوليّة؟" بمجلّة "تبيّن للدراسات الفكريّة والثقافيّة" سنة 2016.

يحاول علي الصالح مولى الإجابة عن سؤال مركزي مداره "كيف يمكن فهم "النحر" تأويلا وحدّا لدى بعض الجماعات المقاتلة؟". وهو ما تطلّب منه "البحث أوّلا في مسألة العنف عموما وقطع الرؤوس تخصيصا واستقدام السياقات والمسارات التي تتحرّك فيها هذه الظاهرة، في إطار مقاربة تحليليّة نقديّة".

 يحاول علي الصالح مولى نقل المقاربة من مجالها الأنتروبولوجي والتاريخي العام إلى مجال آخر، يستدعي فيه العنف مجسّدا في ممارسة معيّنة وهي قطع الرّأس، معتمدا في هذا الإطار الاشتغال على نصوص راهنة "لا تشرعن عمليّة قطع الرؤوس فقط، ولكنّها تتخذها استراتيجيا للتعامل مع الآخر (العدو)". ويرجع مولى مبعث اهتمامه هذا إلى وجود جماعات دينيّة في أكثر من بلد عربي وإسلامي تمارس هذا النوع من الإجرام، فتخرج الخصومة من بعدها الثقافي والسياسي إلى بؤرة الفساد في الأرض.

تنتشر في التاريخ الآني في بلدان عربيّة وإسلاميّة مجموعات مقاتلة تنسب نفسها إلى "الإسلام الصحيح"، وتتخذ من قطع رؤوس أعدائها سلوكا تدأب عليه وتفاخر به، وتستغل هذه المجموعات شبكات التواصل الاجتماعي للترويج لعدائيتها. بيد أنّ المتأمّل في تاريخ البشرية، يجد أن ثقافة قطع الرؤوس لم يكن سلوكا طارئا؛ فقد كانت الرؤوس المقطوعة يسافر بها من مكان إلى آخر وكانت توضع في الأماكن العامّة حتى يراها النّاس. 

ويكفي هنا العودة إلى "كتاب الطبقات الكبير" لابن سعد حتى نطّلع على القصّة الدرامية لقطع رأس الحسين سبط رسول الله سنة 61 هجرية،  التي احتزّها "سنان بن أنس النخعي" و"خولي بن يزيد الأصبحي"، قبل أن تحمل رأسه الشريفة أوّلا إلى عبيد الله بن زياد، ثمّ حمل بعد ذلك إلى يزيد بن معاوية، ثمّ حمل إلى عمرو بن سعيد بن العاص.

الإفتاء بقطع الرّأس في معارك العصر

يورد علي الصالح المولى في هذا العنصر دراسة "شرعيّة" من تأليف المُكنّى بـ"أبو البراء النجدي" تحمل عنوان "إسعاد الأخيار في إحياء سنّة نحر الكفّار". ويتزعّم هذا المكنى بأبي البراء تنظيم "أسود الجزيرة"، ويعرّف نفسه بكونه حافظا لكتاب الله ويحفظ من أحاديث الجمع بين الصحيحين ما شاء الله أن يحفظ، وكذا من كتب الفقه والعقيدة. كما ألّف أبو البراء كذلك "بحثا مباركا في جواز العمليات الاستشهادية، وجمع أدلّة شرعيّة كافية ووافية من الكتاب والسنّة وأقوال أهل العلم من السلف والخلف".

وأهم محور تدور حوله دراسة "إسعاد الأخيار في إحياء سنّة نحر الكفّار" هو "النّحر"، مُشرّعا بذلك لأتباعه عمل النحر ومؤصّلا له بوصفه "سُنّة". وإحياء السنّة رسالة "الجهاديين"! كما ينزّه هذا الفعل على أن يكون داخلا في باب المثلة، ومؤكّدا أنّ "آيات النحر واضحة جليّة في كتاب الله" !

 

رأى علي الصالح مولى أنّ فكرة "دار الحرب" ودار الإسلام" "التي تصاغ داخلها إيديولوجيا المجموعات الدّينيّة العنفيّة، بإمكانها نفسيا وعقائديّا أن تعولم العنف الدّيني، وأن تخترق به الحدود والجغرافيات وكلّ محاميل الدّولة الوطنيّة وقيمها الحديثة.

 



ويخضع علي الصالح مولى هذه الدراسة "الشرعية" للمساءلة، مؤكّدا أنّ كلمة "النحر" وردت مرة واحدة في القرآن في الآية 2 لسورة "الكوثر"، حيث ورد قوله تعالى: "فصلّ لربك وانحر". وهو ما يفنّد قول صاحب "الدراسة" المذكورة بأنّ آيات النحر واضحة جليّة في كتاب الله". بل إن مولى يشير إلى أن مفردة "النحر" لم تسلم من الاختلاف حول معناها، فقد ذهب المفسّرون مذاهب شتّى في تفسيرها. ويورد في ذلك ما أخرجه ابن مرذويه عن ابن عبّاس في قوله تعالى: "فصلّ لربّك وانحر"، أنّ الله أوحى إلى رسوله أن ارفع يديك حذاء نحرك إذا كبّرت للصلاة، فذاك النحر". وقد ورد هذا التفسير في "الدرّ المنثور في التفسير بالمأثور" لجلال الدّين السيوطي. وأمّا الثاني فالمقصود بالنحر في آية سورة الكوثر هو ذبح "البدن". و"البدن" والهدي سواء تقريبا. وهما ممّا يتقرّب به المؤمن إلى ربّه من ذبائح حيوانيّة، وفق لسان العرب لابن منظور. والعرب تستخدم عبارة "النحر" لتدلّ بها على كيفيّة ذبح الإبل دون سواها.

ويخلص علي الصالح مولى إلى أنّه يصعب ردّ نحر البشر إلى سلوك إيماني على أيّ وجه من وجوه الاجتهاد، وهو بذلك قياس متهافت وأنّ "التشريع للنحر من خلال عمليّة تأصيليّة وإحيائيّة مجرّد وهم علمي وأخلاقي وشرعي".

في مرجعيّات الفتوى وحدودها التأصيليّة

يرى مولى أنّ صاحب الرسالة المذكورة أعلاه وهو "يؤصّل" للنحر مسكون بـ"ثقافة الموت"، فجاءت المادّة التي جمّعها في لون الدّماء. وهو بذلك عمد إلى "تجميع انتقائي لأخبار القتل وحرص على استبعاد نصوص أو وقائع تبسط تصوّرا آخر للتعامل مع العدو". ويشير إلى أنّ ما ورد من تحريض القرآن على القتل في أثناء المعارك ضدّ الكفّار/ المشركين، فإنّما يندرج في سياسة الحرب منذ الأزل: إمّا قاتل أو مقتول.

وأمّا ما ورد في سورة محمّد "فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب"، فيفسرها الشيخ محمد الطاهر بن عاشور بأنّ "ضرب الرقاب"، كناية مشهورة يعبّر بها عن القتل؛ سواء كان بالضرب أم بالطعن في القلوب بالرماح أو رمي بالسهام. وأن استعمال مفردة "رقاب" بلاغة تفيد الغلظة والشدّة تناسبان مقام التحريض.

"ويتخذ التوجيه الإلهي أخلاقيّة أخرى عبّر عنها نصف الآية الثاني "حتّى إذا أثخنتموهم فشدّوا الوثاق فإمّا منّا بعد وإمّا فداء حتّى تضع الحرب أوزارها". وبذلك تنتهي مهمّة القتل التي يفرضها قانون الحرب، وتبدأ مهمّة السّلام التي تفرضها أخلاق المنتصر صاحب الرسالة".

ويرى مولى أنّ مهمّة السلام نصّت على طريقتين لا ثالثة لهما، بمنطوق الآية، للتعامل مع أسير الحرب: "فإمّا منّا بعد وإمّا فداء". وأنّ هذين الإمكانان يتناغمان مع روح الرّسالات الكبرى، فليس القتل مطلبا في ذاته. إنّه وسيلة لتحقيق هدف، فإن تحقق زالت دواعي القتل.

ثقافة النّحر.. فساد في التّأويل وجناية على الإنسان

يرى علي الصالح مولى أنّ تأصيل الجماعات التي تتخذ من "النحر" استراتيجيا للتعامل مع الآخر، إنّما هو تأصيل خارج الوعي بتاريخية الوقائع. ذلك أن السلف "كانوا وهم يجتهدون ويؤوّلون ويستنبطون الأحكام، إنّما كانوا يفعلون ذلك للإجابة عن أسئلة زمانهم". ويرى من المعيب أن تصير أقوال السلف وأفعالهم، جزءا أصيلا من "الإسلام الصحيح" الذي يتعلل به أصحاب هذا الفكر المتهافت. وينقل في هذا الباب ما ذكره رائد السنهوري في كتابه "نقد الخطاب السلفي ابن تيمية نموذجا"، من أن نقد الخطاب السلفي هو نقد لـ"حزمة من المفاهيم والأدوات المستخدمة في النظر إلى النصّ الدّيني وإلى الواقع، يعبّر عنها بخطاب لغوي أو بسلوكيات وردود أفعال وتعامل وطريقة في الحياة. وهو نقد موجه لخطاب منتسب للسلف".

من أجل أخلاقيّة بديلة

مع اعترافه باستعصاء القضاء على الإرهاب في تجلّياته الأكثر دمويّة المتمثلة في احتفاليّات قطع الرّؤوس، يرى علي الصالح مولى أنّ فكرة "دار الحرب" ودار الإسلام" "التي تصاغ داخلها إيديولوجيا المجموعات الدّينيّة العنفيّة، بإمكانها نفسيا وعقائديّا أن تعولم العنف الدّيني، وأن تخترق به الحدود والجغرافيات وكلّ محاميل الدّولة الوطنيّة وقيمها الحديثة.

كما يرى مولى أنّ تحويل الدّولة بالمعنى القانوني والفلسفي الحديث إلى مجال جغرافي مفتوح وإلى ثقافة مخيالية تستعيد مقولات الصراع في أرض الخلافة، تقدّم صورة سيّئة التشكيل عن الإسلام، وتشجّع على بناء التحالفات الدولية للحدّ من "بربريّته" و"عدوانيّته". وأنّ الصّورة تزداد إظلاما حين يتّجه القاتل بثقافة الموت نحو كلّ المخالفين له، فيراهم "كفّارا" أو "عملاء" أو "مرتدّين".

 

اقرأ أيضا: عولمة العنف الديني ومأزق اختراق محاميل الدولة الحديثة (1من2)