قضايا وآراء

ماكرون وحملته "المقدسة" على الإسلام

1300x600

هل فعلا بدأت الحرب بحسب زعم المتطرفين الفرنسيين الذين خطوا شعارات على جدار مسجد مدينة فيرونون شمال فرنسا؛ توعدوا فيها المسلمين بالحرب وإخراجهم من البلاد؟

هل فعلا بدأت الحرب بتوسيع دائرة الاشتباك لتشمل الاعتداء على كل من يتحدث اللغة العربية في شوارع المدن الفرنسية.
  
حملة شعواء تستهدف المسلمين ومساجدهم بل ومحادثاتهم العابرة باللغة العربية في الشارع العام؛ فحالة من الهوس والجنون تنتشر في كل أنحاء فرنسا بتحريض من الطبقة السياسية الحاكمة وعلى رأسها حزب الرئيس ماكرون (الجمهورية للأمام).
 
فعلى أمل اكتساب تعاطف اليمين الفرنسي الفاشي الآخذ في النمو مقابل الخضر واليسار الذي بات يمثل تهديدا حقيقيا لماكرون وحزبه (الجمهورية إلى الأمام)؛ أطلق وزير الداخلية جيرالد دارمانان تصريحاته الجدلية حول الطعام الحلال في المتاجر؛ في حين أن وزير التجارة الفرنسي حث الاتحاد الأوروبي على اتخاذ إجراءات بحق تركيا بعد تصريحات الرئيس التركي أردوغان المشككة في صحة ماكرون العقلية ودعوته لمقاطعة البضائع الفرنسية.
 
فماكرون ومن معه لا يطمحون لتوحيد اليمين بكل أطيافه خلف زعامته في فرنسا وحدها بل وفي أوروبا بأكملها بشكل يؤهله ليتحول إلى زعيم ملهم (فوهرر) لليمين في القارة الأوروبية بأكملها؛ فهل ينجح ماكرون في ذلك؟
 
دائرة الاشتباك اتسعت إلى ما وراء الحدود بل وإلى ما وراء الضفة الأخرى من المتوسط مع كل تصريح وموقف لرئيس الجمهورية ماكرون والمسؤولين في حكومة بلاده التي تضم عددا من المتطرفين من بينهم وزير الداخلية دارمانان؛ الذي فرض مؤخرا على إمام مسجد باريس الكبير إلقاء نشيد الجمهورية في خطبة الجمعة يوم غد الموافق 30 تشرين الأول (أكتوبر) الحالي؛ ليحل محل السنة النبوية والقرآن ومحل الأذكار والاحتفاء بمولد النبي محمد عليه الصلاة والسلام الذي يصادف الخميس 29 تشرين الأول (أكتوبر) الحالي.

 

ماكرون ومن معه لا يطمحون لتوحيد اليمين بكل أطيافه خلف زعامته في فرنسا وحدها بل وفي أوروبا بأكملها بشكل يؤهله ليتحول إلى زعيم ملهم (فوهرر) لليمين في القارة الأوروبية بأكملها؛ فهل ينجح ماكرون في ذلك؟

 



تصريحات ماكرون ومن معه لم يعد بالامكان تجاهلها في العالم العربي والإسلامي؛ فالشعوب التي عبرت عن موقفها عبر الاحتجاج ومقاطعة البضائع الفرنسية تصاعدت بعد تصريحات ماكرون عبر وسائل التواصل الاجتماعي؛ وانضمت إليها الحكومات والسلطات الرسمية بعد فيض من التصريحات والإجراءات الاستفزازية؛ إذ بات من الصعب تجاهل ماكرون عربيا وإسلاميا ليمتد نطاق الاحتجاج من بنغلادش وإندونيسيا إلى أنقرة والقاهرة وطهران والمغرب وجنوب إفريقيا بل وحتى الجاليات المسلمة في أمريكا وآسيا وأوروبا. 

ماكرون بات كنظيره الأمريكي دونالد ترمب يدير شؤون البلاد الداخلية والخارجية عبر تصريحات يطلقها عبر مواقع التواصل الاجتماعي؛ أو غبر الخطابات الشعبوبية التي أعلن فيها أن الإسلام يعاني من أزمة أعاد فيها نشر الرسوم الساخرة من المسلمين؛ بل وذهب أبعد من ذلك ليتحدى الاحتجاجات والمقاطعة في العالم الإسلامي بمزيد من الاستفزاز والتصريحات على لسان وزير داخليته الطامح بمنصب رئيس الجمهورية على الأرجح.
  
راهن ماكرون ومن معه على انحياز المزاج السياسي والشعبي في بلاده نحو اليمين بعد هزيمة حزبه الجمهورية إلى الأمام أمام اليسار والخضر في أعقاب كورونا واحتجاجات السترات الصفراء؛ كما راهن على موجات التطبيع المتتابعة في العالم العربي مع الكيان الإسرائيلي لتحول دون تشكل رد فعل قوي مناهض لسياساته اليمينية المتطرفة؛ نعم راهن ماكرون على بعض العرب.

رهانات ثبت أنها خاسرة؛ فالعالم الإسلامي لا يقتصر على الدول العربية المطبعة أو الحكومات دون الشعوب الفاعلة؛ إذ سرعان ما اشتبكت أنقرة وإسلام أباد وطهران مع باريس وقادة خلفها العالم العربي الرسمي؛ كما اشبتكت الشعوب العربية والإسلامية لمواجهة الحملة الفرنسية التي ادعى فيها ماكرون أن الإسلام يعيش أزمة؛ حملة راهن عليها للهروب من أزمته الداخلية سواء في فرنسا أو في الاتحاد الأوروبي على حساب الأقلية المسلمة.

رهانات باريس لتخطي الأزمة وإعادة صياغة العلاقة مع الاقلية المسلمة المقدرة بـ 13% من السكان اختلط فيها الحابل بالنابل والداخلي بالخارجي؛ فمن الحديث عن أزمة الجمهورية الخامسة وهوية الدولة الفرنسية إلى الحديث عن أزمة العالم الإسلامي وعلاقة باريس بهذا العالم؛ من أزمة حزب سياسي يتزعمه ماكرون فقد شعبيته ومكانته في أوساط الناخبين إلى أزمة داخلية وخارجية تشمل العلاقة مع المسلمين داخل فرنسا وخارجها.

 

التهور الفرنسي والإدارة غير الحكيمة وغير العقلانية للبلاد لملف علاقتها بالعالم العربي والإسلامي تقود فرنسا إلى مزيد من الأزمات والقارة الأوروبية إلى مزيد من الفوضى الداخلية والجنون اليميني والفاشي .

 


رغم المجاملات الألمانية والبريطانية كشريك في الاتحاد الأوروبي وحليف في الناتو؛ إلا أن لندن وبرلين تدركان بأن فرنسا فتحت ثغرة كبيرة يصعب التعامل معها في المستقبل القريب دون تقديم تنازلات حقيقية في العديد من الملفات في المنطقة العربية والعالم الإسلامي؛ فالتهور الفرنسي والإدارة غير الحكيمة وغير العقلانية للبلاد لملف علاقتها بالعالم العربي والإسلامي تقود فرنسا إلى مزيد من الأزمات والقارة الأوروبية إلى مزيد من الفوضى الداخلية والجنون اليميني والفاشي .

إنه الجنون والتطرف الذي شجع درامانان على فرض نسخته من خطبة الجمعة محولا المسجد إلى ثكنة تتبع لوزارة الداخلية؛ إجراء سيقود المسلمين الفرنسيين للبحث عن بدائل تشبه ما قام به المسلمون في الأندلس في أعقاب انطلاق محاكم التفتيش في القرن السادس والسابع عشر في بيوتهم وحدائق ومنازلهم والشوارع .

جنون سيقود القارة الأوروبية إلى مزيد من الانقسام فالزخم الذي قدمه ماكرون لليمين يقود إلى تأجيج الصراعات في القارة الأوروبية؛ وإلى تعالي الأصوات للتحلل من الاتحاد الأوروبي الذي دافعت عنه ألمانيا وأحزابها الكبرى المسيحي الديمقراطي الاشتراكي المسيحي بعد البريكست واثناء أزمة كورونا بترليونات من اليورو؛ لتأتي حملة ماكرون المقدسة لتهدد بإغراق فرنسا وأوروبا بالفوضى في ظرف حساس؛ يقف فيه العالم على عتبة تحول جديد تتمدد فيه الصين وروسيا بل والقوى الإقليمية كإيران وتركيا والهند وتتراجع فيها أوروبا وتغرق في تفاصيل الإنقاذ المالي الغارق في مستنقع كورونا. 

hazem ayyad
@hma36