أخبار ثقافية

كيف تصوّر ألبير كامي القيصر الثالث لإمبراطورية الرومان؟

أشهرَ ما يتعلّق بكاليجولا نزواتُه الشاذّة وشهوته للقتل ونزقُه الماليُّ الشديد- جيتي

تقولُ المصادر التاريخيّة إنّ كايوس كاليجولا القيصر الثالث للإمبراطورية الرومانية (بعد أكتافيوس أغسطس وتيبيريوس) وُلِد يوم 31 أغسطس عام 12م، أي أنّ ألفَين وثمانية أعوام مرّت اليوم تقريبًا على ميلادِه.

 

ومن المعروف أنّ أشهرَ ما يتعلّق بكاليجولا نزواتُه الشاذّة وشهوته للقتل ونزقُه الماليُّ الشديد الذي أغرقَ رُوما في الجنون مُدّةَ حُكمه (37- 41م) حتى قُتِل وهو في التاسعة والعشرين.

 

بيد أنّ سويتيونيوس Suetonius المؤرّخ صاحب كتاب (حياة اثنَي عَشَرَ قيصرا The lives of twelve Caesars) – وهو الكتاب الذي يقول (كامي) إنه قرأه قبل أن يشرع في كتابة مسرحيته عام 1938 – يقول إن أول سبعة أشهُر من حُكم كاليجولا كانت في غاية السعادة للإمبراطورية، ثم إنه مرض مرضًا شديدًا عام 37م، تحوّل حين تعافَى منه إلى ذلك الشيطان الذي نعرفُه.   

قمَرُ كاليجولا وبنساتُه السِتّة 


"- هيليكون: لقد طالَ غيابُك.   

– كاليجولا: كان من الصعب الحصول عليه.     

– هيليكون: ماذا إذَن؟
- كاليجولا: هذا الذي كنتُ أريدُه.     

– هيليكون: وماذا كُنتَ تُريد؟     

- كاليجولا: القمَر".

يتردّد موضوع رغبة كاليجولا في الحصول على القمَر خلال المسرحية من حينٍ لآخَر، حتى إنّ المشهد الأخير من المسرحية يُرينا كاليجولا وهو ينهار باكيًا أمام المرآة، نادبًا حظَّه الذي قصَّرَ به عن الحصول على القمر.

 

ولعلّ هذا يذكّرنا على الفور بعنوان رواية (سومرست موم) "القمَر وسِتّة بنسات" التي استلهمَ فيها حياةَ التشكيليّ الفرنسي (جوجان).

 

يُقالُ إنّ (موم) اقتبس العنوانَ من أحد التعليقات على روايتِه الأسبق (الغُلّ الإنساني Of Human Bondage)، حيث يَصِف التعليقُ بطلَ الرواية بأنه مشغولٌ بشَوقِه إلى القمر حتى إنه لا ينتبه إلى عُملة البنسات الستة المُلقاة عند قدمَيه.

 

وكما يطمح بطل الرواية الثانية هو الآخَر إلى القمر ممثَّلاً في الفنّ وما يتيحه من حرّية، ويهجر من أجله حياتَه الآمنة المطمئنة وأسرته، نَجِد كاليجولا في نَصّ (كامي) يصبو هو الآخَر إلى تحقيق حُرّية قُصوى لا تحدُّها حدود.

 

وبغَضّ النظَر عن وشائج القُربى التي تربط أحداث المسرحية بما يقولُه التاريخ عن كاليجولا، فقد حمَّلَ (كامي) بطلَه الشاذَّ فلسفةً عميقةً، ربما لم تخطر ببالِ كاليجولا التاريخي.  

باختصارٍ مُخِلّ، تبدأ أحداث المسرحية بعد وفاة شقيقة كاليجولا (دروزيلاّ) التي كانت عشيقتَه في نفس الوقت. يظنّ بعض المقرَّبين منه – وبينهم عشيقته القديمة ثم زوجتُه (كايزونيا) – أنّ سبب تحوُّلِه الجنوني هو الحزن لموت دروزيلاّ.

 

لكنّ كاليجولا ينفي ذلك في إصرار، ومن الواضح أنّ موتَها قد نبّهه إلى عبثيّة العالَم وهشاشة الوضع الإنساني – وهو مبدأ مستقِرّ في فلسفة كامي – فقرّرَ أن يَخلُقَ معنىً لحياتِه بالبحث عن حُرّيّة مُطلَقَة، سعيًا وراء المستحيل كما يصرّح هو في حواره مع (هيليكون): "أنا لستُ مجنونًا، بل عُمري ما كنتُ عاقلاً كما أنا الآن. وبكل بساطة أحسستُ فجأة بحاجتي إلى المستحيل، وبأنّ الأشياء كما هي لا تبدو لي مُرضِيَة". 

 

اقرأ أيضا: مأساة بيت أجاممنون بين رُوّاد المأساة الإغريقية

 

وانطلاقًا من هذا الباعث، يمارس كاليجولا الحياةَ كما يَعِنُّ له، حتى يكاد يكون من المستحيل توقُّع فعلِه القادم، ففي اللحظة التي يسمعُ فيها أحدَ الأشراف يَنذِر نِفاقًا مبلغًا كبيرًا من ثروتِه إن شُفِيَ كاليجولا من آلام البطن والقيء الدموي، يقرر أن يُؤخّذ المبلغ من ذلك الشريف ويُعلِن أنّه قد برئ لتوِّه من آلامِه، وفي نفس الموقف يحكُم بالقتل على شريفٍ آخرَ نذرَ حياتَه – منافقًا هو الآخَر – فداءً لحياة كاليجولا.

 

وحين يجمع الأشرافَ في القصر قُربَ ختام المسرحية، مَسُوقِين بالقوّة مدفوعِين بالحُرّاس، يظُنُّ الأشرافُ أنهم موشكون على الموت، لكنّه يفاجئ الجميع بأن يَرقُص من وراء سِتارٍ، ظاهرًا في خيال الظِلّ وهو يرتدي زيَّ راقصةٍ قصيرًا وعلى رأسه زهور!

خلالَ ذلك لا يفتؤ كاليجولا يسخَر طيلة الوقت من كلِّ مَن حولَه ممّن بقوا أحياءً، فتتكاثر عليه الأحقاد ويتآمر عليه الأشراف بقيادة شيريا Cherea وتنتهي المسرحية بنجاحهم في قتله.

 

خروجًا من النَّصّ، يقول الفيلسوف الأمريكي إروين إدمان في كتابه (الفنون والإنسان) ما معناهُ إنّ الفَنَّ يُتيح للفنّان أن يعمل في مادّةٍ طيِّعة، وهو يجد سعادةً في التغلُّب على المشكلات التي تواجهه في طبيعة تلك المادة، سواءٌ كانت مادّتُه اللغة كما عند الأدباء، أو الحجارةَ كما عند النّحّاتين.

 

ولعلّ هذا يقودُنا إلى مسألة ارتباط الفنّ بالحُرّيّة، فالفنّ هو المجال الوحيد المُتاح للإنسان ليحقق حريتَه الكاملة وسُلطانه المُطلَق على الأشياء.

 

ولعلّ هذا يتّفق بشكلٍ ما مع ما ذهبَ إليه سارتر مِن أنّ الفنَّ بما هو هروبٌ من الواقع يجسّد النزوع الإنسانيّ نحو العدَم، وقد كان الشّاهِد الأهمّ لسارتر في تلك المقولة هو انتماء العمل الفنّي – سواءٌ في ذلك اللوحة التشكيلية والقصيدة وغيرهما – إلى حيِّزٍ لا يمكن إدراجُه في عالَم الواقع.

 

وهكذا تصبح الممارسة الفنّيّة بحَقٍّ مطاردةً للمُستحيل. يُعيدُنا هذا الاستنتاج إلى المقولة السابقة بلسان كاليجولا في حواره مع رفيقه هيليكون.

 

نحنُ أمام رجُلٍ مهووسٍ بمطاردة المستحيل: حرية مُطلَقة تعني فنًّا دائمًا لا ينقطع، والفنّ مطاردةٌ للعدَم وهروبٌ من الواقع، أي أنه باختصارٍ مُطاردةٌ للمستحيل. والحَقُّ أن الإشارات في نص (كامي) كثيرةٌ إلى ارتباط كاليجولا بالحرية المُطلقة ومِن ثَمَّ بالفنّ. مِنها ذلك الحوار بين (شيريا) وأحد الأشراف: 

"- شيريا: كان هذا الشاب يعشق الأدبَ لدرجة الإفراط.     

– الشريف: هذا يتّفق مع سنِّه.
- شيريا: ولكن لا يتفق مع مركزه. إمبراطورٌ فنّانٌ، هذا ما لا يمكن تصوُّرُه. صحيح وُجِد عندنا من هذا الصنف واحد أو اثنان، فالأمثلة الشريرة موجودةٌ في كل مكان، ولكن الآخَرين كان لهم من الذوق السليم ما جعلهم يظلُّون موظَّفين". 
    
كان قمر كاليجولا في النَّصّ هو حريته الفردية المُطلقة التي قد تمنحه معنىً لحياته، وكان يرى الآخَرين لا يهتمّون في الحقيقة بحياتهم كما ينبغي، ولذا قهقه ساخرًا في أول مشهدٍ ذُكِرَت له فيه أمور الخزانة العامّة، فقال مؤمِّنًا في سخريةٍ على كلام الأشراف إنّه اتّضح أنّ الخزانة العامة أمرٌ مهمّ! مِثل تلك الأمور المرتبطة بواقع الإمبراطورية هو البنساتُ السّتّة المُلقاة عند قدمَي كاليجولا، وهو في الحقيقة لا يعبأ بها في غمرة اشتياقِه إلى قمرِه المستحيل.

صورة كاليجولا في المرآة 


تمثّل المرآة الكبيرة الموضوعة في ديكور المسرحية من البداية إلى النهاية محاولةَ كاليجولا الطويلةَ لتحقيق ذاتِه، ففي نهاية الفصل الأول يأخذ بيد (كايزونيا) أمام الأشراف ويمحو بالمِدَقّ الصورة المرتسمة على المرآة للجميع وهو يقول في جنونٍ "هل تعرفين ماذا تبقّى؟ اقتربوا وانظروا" ثم يضع أصبعه على صورته المنعكسة على المرآة قائلاً "كاليجولا". يتجاوب هذا وما يقوله لكايزونيا قربَ النهاية "إن لم أقتُل أحِسُّ بأني وحيد.

 

لا يكفي الأحياء لتعمير الكون ولطرد الملل. وعندما تكونون هنا جميعًا تجعلونني أحسّ بفَراغٍ لا حَدَّ له لا أستطيع أن أنظر فيه. لا أرتاح إلا بين الموتى". هو ببساطةٍ يزيح حريّات الآخرين لتتحقق له حريته المُطلَقَة. 

أمّا في المشهد الختامي، بعد أن ينهار باكيًا أمام المرآة يقول وهو يحطّمها: "في ذمّة التاريخ يا كاليجولا. في ذمة التاريخ". إنها اللحظة التي تجسّد فشلَ مسعاه الطويلَ للحصول على الحرية وتحقيق معنىً لحياتِه. 

ألا يذكِّرُنا دورُ المرآةِ هنا بصورة دوريان غرِاي؟ في رواية أوسكار وايلد تتحمّل صورةُ (دوريان) التي رسمَها صديقُه عبءَ الشيخوخةِ عنه إلى النهاية، وتظهر عليها آثارُ الإثم بدلاً منه، بينما يُستغرَقُ هو في حياةٍ مشبعةٍ بالفنّ، تسعى إلى المزيد مِن اللذة غير المشروطة دون سقفٍ يَحُدُّها، حتى تحين لحظةُ موت (دوريان)، فتعود الصُّورةُ لتمثّل شبابَ دوريان، وتنمحي آثارُ الشيخوخة من ملامحها، ليبقى الفَنُّ محكومًا بالإطار الموضوع حول اللوحة، وتبقى أيةُ محاولةٍ لتحويل الحياة نفسِها إلى عملٍ فنّيٍّ – وهو مشروع (دوريان) الذي لم يُبدِع فَنًّا وإنّما مارس حياتَه كأنها قطعةٌ فنّيّة – نقول، تبقى أية محاولةٍ في هذا السبيل محكومًا عليها بالفشل.

هذا ما يَحدُثُ في مسرحية (كامي) بشكلٍ ما، فالذّاتُ المتضخّمةُ التي يهيأ لصاحبها أنها تبقى وحدَها تمارس حريتها المُطلقةَ وتعيش حياتها كقطعةٍ فنّيّة، تنكسر في النهاية وتنكسر معها مرآتُها الضخمة، ويتّضِح أنّ السعيَ إلى تحصيل القمر/ المستحيل سعيٌ باطلٌ محكومٌ بالفشل.

كاليجولا (كامي) الغريب

 
في رأيي أنّ قالَب المسرحية بتعدُّد أصواتِه يكاد يكون المُعادِل الأدبيّ الأنسبَ لحالةٍ عقليّةٍ معينةٍ هي اضطرابُ تعدُّد الشخصيات Multiple Identity Disorder حيثُ يُدير المؤلِّف حوارًا بين كل المتناقضات المتصارعة في ذهنِه، ويُسقِط هذه المتناقضات على شخصياته الخيالية أو المُستقاة من التاريخ. 

ولعلّ ما يقولُه (هيليكون) خلال الفصل الرابع /الأخير لـ(شيريا) يعبّر عن جانبٍ مهمٍّ من أفكار (كامي). أعني بالتحديد تلك الفقرة التي يسخرُ فيها هيليكون من مفهوم الفضيلة الذي يتمسك به شيريا: "نعم أنا أخدُمُ مجنونًا ولكن مَن تخدمُ أنت؟ الفضيلة؟ أنا وُلِدتُ عَبدًا، إذَن فلَحنُ الفضيلةِ قد رقصتُه تحت السِّياط في أول الأمر.

 

(كايوس) لم يُلقِ عليَّ خُطبةً بل فَكَّ رقبتي وأخذني إلى قصره وهكذا استطعتُ أن أشاهدكم أيها الفضلاء ورأيت وجوهكم مدنسة ورائحتكم كريهة".

كأننا إزاء ما ينعتُها (نيتشه) بأنها أخلاقُ العَبيد! إنّ الفضائلَ الخلقيّة التي تغني بها سُقراطُ ثمّ ترسَّخَت في الغرب مع بزوغ تعاليم المسيح، هي فضائل يزدريها نيتشه في بحثه عن الإنسان الخارق Übermensch الذي لا يعبأ بمواضعات المجتمع. وهي ذاتُ الفضائل التي يضرب بها كاليجولا عرض الحائط ويسايره في ذلك هيليكون.

 

ولعلّ سعي كاليجولا إلى أن يعيش حياتَه كما لو كانت قطعةً فنّيّةً يتجاوبُ وهذا الاستنتاج، فالفَنُّ مُجرَّدًا في ذاتِه غيرُ مَعنيٍّ بسؤال الأخلاق والفضائل.

 

كما أنّ مقولة كاليجولا لكايزونيا في الفصل الأخير "لا وجود للسماءِ أيتها المرأة المسكينة" هي التعبير الأوضح في النّصّ عن إلحادِه، فلولا رفضُه الباتُّ لمتطلّبات الدِّين – حتى الدين الوثني التعدّدي الرومانيّ – لَما ازدرى تلك الفضائل، ولَما انصرفَ إلى حياتِه يُديرُها كما لو كانت فَنًّا خالصًا يسعى إلى حريةٍ مُطلَقَة.

كاليجولا (كامي) شبيهٌ جِدًّا بـ(ميرسو) بطل روايته (الغريب)، فكلاهما يرفض مواضعات المجتمع ويعتبرُها تجسيدًا لأخلاق العَبيد.

 

لكنّ (ميرسو) مجرد مواطنٍ عاديٍّ لا مهربَ أمامه من الخضوع لقانون العَبيد، ولذا يمتثل لحكم الإعدام مُرغَمًا، أمّا كاليجولا فقد صادفَ السُّلطة، ومعها إمكانيةُ السعي إلى المزيد من تحقيق حريتِه الفرديّة.

 

لو كان (ميرسو) إمبراطورًا رومانيًّا لكان لنا أن نتوقّع أن يُفلِت بقتلِه ذلك الرجُل العربيَّ دون عِقابٍ، إلاّ أنّ النهايةَ كانت ستداهمُه غالبًا كما داهمَت كاليجولا، فيقتله الجميع دون محاكمةٍ كالتي خضع لها ميرسو!