كتاب عربي 21

من باتريس لومومبا إلى ضاحي خلفان.. الاستعمار "رحمة" للعالمين

1300x600

30 حزيران (يونيو) 1960، وفي الحفل الرسمي لإعلان ولادة دولة الكونغو، أخذ رئيس الوزراء الشاب يومها، باتريس لومومبا، الكلمة وقال: "لقد عرفنا السخرية والإهانات، وتحملنا اللطمات صباحا وظهرا ومساء، لأننا كنا زنوجا". لم يكن في هذه الكلمات ما يستدعي التوقف عندها لولا أنها جاءت ردا على كلمة بودوان ملك بلجيكا، المستعمِرة السابقة، الذي أشاد بإرث سلفه ليوبولد الثاني ووصفه برسول الحضارة ونفى عنه صفة الغزاة.  

في 17 كانون الثاني (يناير) 1961، بعد ستة أشهر ونصف الشهر على خطابه المدوي، أزيح لومومبا عن منصبه وتعرض للإهانة والتعذيب وأعدم على يد انفصاليي كاتانغا وعناصر يتبعون بلجيكا. لم تغفر دولة بودوان للرجل جرأته على ملكها وإصراره على تذكيره بالجرائم التي اقترفت في حق أبناء وطنه بعد أن أباد سلفه عشرة ملايين كونغولي. 

لأجل ذلك سلمت البلد لجوزيف ديزيري موبوتو، الذي خدم في جيش المستعمرات البلجيكي قبل أن يصبح رئيسا لهيئة أركان الجيش الكونغولي في العام 1960، وبعدها رئيسا أوحد للبلاد التي غير اسمها من الكونغو الديمقراطية إلى زايير إمعانا في تزوير التاريخ ومحو ذاكرة لومومبا ورفاقه. أكمل موبوتو سيسي سيكو المهمة وعاث في الشعب الكونغولي تفقيرا وتجويعا وقهر وقتلا وتدميرا.

وفي العام 2001، خلصت لجنة برلمانية بلجيكية إلى الإقرار بـ"المسؤولية الأخلاقية" لبلجيكا عن اغتيال لومومبا. وسُميت ساحة صغيرة باسمه في قلب بروكسل عام 2018. 

وفي شهر حزيران (يونيو) من العام 2020، أُضرمت النيران في تمثال ليوبولد الثاني في مدينة أنتويرب قبل أن تفككه السلطات، وصُبغت تماثيل له بالطلاء الأحمر في مدن أخرى قبل أن يتم تحطيم أحدها في العاصمة بروكسل. أما جثة موبوتو سيسي سيكو فترقد في قبر بالمغرب بعيدا عن الكونغو، التي أسماها زايير، قبل أن تستعيد اسمها الأصلي وتتحرر من حكم الفرد، اثنتان وعشرون سنة من وفاته، في أول انتقال سلمي للسلطة أزاح جوزيف كابيلا الذي ورث البلد عن أبيه لوران. لكن الأكيد أن اسم "سيسي" لا زال موعودا بالخيانة وبالانقلابات والعمالة وقتل الشعوب.

 

الرحمة على باتريس لومومبا ومن سار على نهجه من المظلومين. والخزي والعار لمن يرى في الاستعمار "حماية" أو "شبه مجازر" أو "رحمة" للعالمين.

 



ستون سنة بعد كلمة لومومبا أمام الملك بودوان، أعرب ملك بلجيكا، لويس فيليب ليوبولد ماري، عن "بالغ أسفه للجروح" التي تسببت بها فترة الاستعمار البلجيكي لجمهورية الكونغو الديمقراطية في رسالة وجهها إلى رئيسها فيليكس تشيسكيدي. في رسالة ملك بلجيكا اعتذار عن وحشية وقسوة أسلافه، وهو اعتذار واعتراف لا تزال كثير من بلدان القارة السمراء وغيرها من المستعمرات السابقة "تجاهد" لانتزاعه من وريثي الأنظمة الاستعمارية التي تدعو بالمقابل إلى النظر إلى المستقبل دون العودة إلى الوراء، فالاستعمار عندها يحمل "عناصر حضارة وعناصر وحشية". دول الاستعمار القديم والهيمنة الحاضرة تطلب التركيز على ما تسميه "عناصر الحضارة" باعتبارها منة من العالم المتحضر لوحشية المستعمرات. فرانسوا فيون، مرشح اليمين للانتخابات الرئاسية الفرنسية لعام 2017، اختصر الفكرة حين قال: "فرنسا لم تكن مذنبة حين أرادت مشاركة ثقافتها مع شعوب أفريقيا".

 

فرنسا تدافع عن إرث الأجداد

ليس مستغربا أن يتصدى الساسة الفرنسيون، اليمينيون منهم واليساريون، للدفاع عن "إرث الأجداد". فعندما صنف الرئيس ايمانويل ماكرون، في خضم حماسه الانتخابي، المرحلة الاستعمارية بالجزائر على أنها "جريمة ضد الإنسانية"، اعتبر كثير من هؤلاء التوصيف "عارا" يلحق الرجل و"شتيمة" لفرنسا. أما حين قارن، وهو في طريقه للمشاركة في احتفال ذكرى الهولوكست بالكيان الصهيوني، بين اهتمامه بموضوع الذاكرة مع الجزائر وما فعله الرئيس الأسبق جاك شيراك إزاء مسألة المحرقة في العام 1995، فقد اعتبر هؤلاء المقارنة "أمرا فاحشا" و"قمة في الانحراف" و"وقاحة". 

إن كان الموضوع مسألة أرقام فقد رفع عبد المجيد تبون، قبل أيام، عدد من قتلتهم فرنسا بالجزائر، خلال المئة والثلاثين سنة من احتلالها للبلاد، إلى أزيد من خمسة ملايين ونصف المليون جزائري، وهم بذلك أقرب إلى الستة ملايين لضحايا محرقة النازيين. انتهى الجدل كله إلى استعادة الجزائر لجماجم أو بقايا جماجم أربعة وعشرين من مقاوميها كانت فرنسا تستمتع بعرضها في متحف الإنسان بباريس الذي يحوي ثمانية عشر ألف رأس جمجمة تم تجميعها من المستعمرات باعتبارها "غنائم حرب". 

في متحف الإنسان يحرم الإنسان من حقه في الدفن بكرامة لأنه في نظر فرنسا الاستعمارية وورثتها في درجة أقل من "الإنسان".

لم تكن فرنسا، وغيرها من القوى الاستعمارية لتتجبر في حربها الضروس على الذاكرة والتاريخ لولا ارتياحها لمدى رد الفعل الرسمي من البلدان المتضررة التي يعتبر قادتها وساستها "المصالح المشتركة مع باريس" عائقا أمام إمكانية محاسبتها على جرائمها المقترفة في حق الأجداد. المصالح المشتركة في الواقع هي مصالح الأنظمة القائمة مع باريس، التي تستطيع وفقها حيازة "الشرعية" والاستمرار في احتكار السلطة وفتات الثروة والامتيازات. لكن الواقع العربي، لما بعد "الثورات"، أظهر أن الموضوع لم يكن موضوع شرعية وامتيازات بل اقتناعا مترسخا بالدونية في مواجهة المحتل. 

 

في متحف الإنسان يحرم الإنسان من حقه في الدفن بكرامة لأنه في نظر فرنسا الاستعمارية وورثتها في درجة أقل من "الإنسان".

 



قيس سعيد، الذي لا نزاع على شرعيته الانتخابية، ذهب أبعد من كل المتخاذلين والمهرولين حين اعتبر استعمار بلاده مجرد "حماية" لا تستدعي الاعتذار، بل زاد إمعانا في احتقار استقلالية مؤسسات الدولة التونسية أمام "السيد" الفرنسي بالقول إن "مصير تونس وفرنسا مشترك ومن يريدون العودة إلى الوراء لن يفلحوا ولن يتقدموا"، فيما اعتبر "اعتذارا عن لائحة الاعتذار"، التي كانت كتلة برلمانية قد تقدمت بها أمام البرلمان التونسي، ممثل الشعب، فرُفضت بعد جدل كبير أسقط أقنعة الكثيرين. 

من يعتذر فإنه يتهم نفسه، هكذا قال رئيس تونس للصحفي الفرنسي الذي حظي بمقابلة أخرى مع الرئيس الجزائري وخرج منها بتبييض تام للحقبة الاستعمارية التي لم تكن غير "شبه جرائم ضد الإنسانية" تمحوها "أنصاف اعتذارات" تبدأ بتسليم جماجم مقاومين بعد مائة وسبعين سنة من احتجازها، في ما اعتبره البعض تخلصا من قرينة اتهام، وقد تنتهي بمبادرات رمزية أخرى للاستهلاك الإعلامي. أما حروب الذاكرة وأوجاعها ففي الأدراج ستبقى أسلحتها، لتستعمل كلما بدت أزمة بين النظام وحليفها الفرنسي، كما كان الأمر مع مشروع قانون تجريم الاستعمار الذي تم وأده في العام 2009 قبل أن يعود للظهور بالبرلمان الجزائري بداية السنة الجارية دونما قدرة على تحويله لقانون. هي مجرد ورقة يلعبها النظام وأذرعه للإلهاء وتجييش العواطف ولاقتناص فرص البقاء والاستمرارية من "السيد" الفرنسي.

إيمانويل ماكرون، لم يجد غضاضة من الاعتذار لأرملة المناضل الشيوعي الفرنسي موريس أودان الذي قتل تحت التعذيب بالجزائر. الشيخ بوزيان، الذي عادت جمجمته مع العائدين، لم يكن فرنسيا مثل أودان، والاعتذار لمقتله وفصل رأسه عن الجسد لعرضها بباريس أمر مرفوض. فرانسوا هولاند كان واضحا خلال زيارته للرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة حين قال: "لم آت إلى هنا لأبدي ندما أو اعتذارا"، وخلفه ماكرون كان أوضح منه حين ألقى خطابه على خلفية المظاهرات التي شهدتها فرنسا ضد العنصرية قبل أسابيع، وقال: "الجمهورية لن تمحي أي اسم من تاريخها. لن تنسى أيّا من أعمالها الفنية ولن تزيل التماثيل". 

فرنسا مصرة على تدريس تاريخها للأجيال القادمة وتمجيد "رموزها". فإلى غاية بداية الألفية، لم تعترف بحرب الجزائر وكانت تسميها "أحداث الجزائر"، وتصف مهمة جيشها وأجهزتها الأمنية هناك من 1954 إلى 1962 بأنها "عمليات حفظ للنظام". السنوات السبع لحرب الجزائر التي خلفت أكثر من مليون شهيد مجرد "أحداث". وفي العام 2005، أقر البرلمان الفرنسي قانون "تمجيد الاستعمار" سعيا لنشر "القيم الإيجابية التي حملها الاستعمار الفرنسي، خصوصا في شمال أفريقيا، وتدريسها للطلاب في المرحلة الثانوية"، وهو ما ألغاه المجلس الدستوري باعتبار أن تنظيم كتب التاريخ المدرسية اختصاص إداري وليس تشريعيا. 

فرنسا التي حصلت على اعتذار من ألمانيا بسبب الغزو النازي للبلاد تستخسر في شعوب أفريقيا وغيرها من المستعمرات كلمة اعتذار لأنها أدرى من غيرها أن البلدان تلك ما هي إلا مجرد "محميات"، بما تحمله الكلمة من معنى، تعين على رأسها من تشاء وتنزع حكمها ممن تشاء. فرنسا التي تمتنع عن إعادة النظر في مسلمات "تاريخها" تسعى لكتابة معاصرة تتخذ من "الإرهاب الإسلامي" مفهوما جديدا تحاول تكريسه في الأذهان. وفي ليبيا تفضح المقابر الجماعية أيادي فرنسا الملطخة بدماء الليبيين لكن لا حياة لمن تنادي.

رحمة إلهية!

ليس معيبا إذن على ضاحي خلفان أن ينتقل بالاحتلال البريطاني للخليج العربي من "الانتداب" إلى "رحمة إلهية" حمت الخليج من الأطماع الفارسية، لدرجة اعترافه بأحقية "العدو الفارسي" بالجزر الإماراتية الثلاث. التنازل عن الجزر مقابل الشرعية أو استجداء "الرحمة" ليس اكتشافا "خلفانيا" بل سبقه إليه السيسي وهو يسلم جزيرتي تيران وصنافير للمالك السعودي بترتيب مع العدو الصهيوني. 

لم يكن ضاحي خلفان بحاجة إلى البحث في تاريخ لا يملكه ويصطنعه اصطناعا، فـ"الحماية" الغربية في المنطقة أمر واقع وحاضر معيش. التماثيل تسقطها الشعوب هناك ونحن نبني للمستبدين أصناما، بل نتجاوزها لمحاولات إعادة تنصيب أخرى لغزاة أسقطتهم المقاومة الشعبية ذات حماس ثوري. والخبر الأجدد من بورسعيد، حيث يستعد فرديناند ديليسيبس لاعتلاء قاعدة تمثاله التي ترمم استعدادا للمناسبة بعد ستين سنة قضاها في مخازن ورش الترسانة البحرية لهيئة قناة السويس.

الرحمة على باتريس لومومبا ومن سار على نهجه من المظلومين. والخزي والعار لمن يرى في الاستعمار "حماية" أو "شبه مجازر" أو "رحمة" للعالمين.