قضايا وآراء

هل ضَخَّمنا قضية الحجاب؟!

1300x600

حجاب المرأة المسلمة أمر شرعي لا يختلف عليه من حيث وجوده في التشريع الإسلامي، وهو واجب شرعي مأمورة به المسلمة، وهناك أوامر أخرى وتعاليم وجهها الإسلام للمرأة، لا تقل أهمية عن الحجاب، وأوامر أخرى أقل درجة منه، وفق منظومة تشريعية وضعها الإسلام لسلوك وأخلاق المسلم والمسلمة.

لكننا في بعض الأحيان نخطئ في تصورنا للتدين، وتصورنا في فهم الأوامر والنواهي الإلهية والنبوية، فنركز في كثير من الأحيان على الشكل، وما يتعلق بشكل الإنسان من حيث تعاليم الشرع، بينما كانت تعاليم الدين تركز على الشكل والجوهر، وإذا تعارضا كان التركيز على الجوهر أولا قبل الشكل.
 
أو بمعنى أصح وأدق، كان تركيز الإسلام على أعمال القلوب، أكثر من تركيزه على أعمال الجوارح، لأن ثواب الأولى، وعقوبة الوقوع في مخالفتها أكبر من الثانية، وعلاج أمراض القلوب أشد وأصعب، بينما معاصي الجوارح يسهل التوبة منها في الغالب.

فالإسلام في تشريعاته، مكون من فرائض، وسنن وآداب ونوافل، ولكل حكم درجته، بل في إطار الفرائض ليست كلها درجة واحدة، وفي إطار الواجبات كذلك، وبخاصة الأوامر المتعلقة بسلوك الإنسان ولباسه، فهو يأتي وفق سياق، ووفق منظومة متكاملة مع بعضها.

والنموذج الذي نتكلم عنه هو الحجاب، فلو نظرنا إلى حديث القرآن الكريم عنه، فهو حديث يأتي في إطار حديث متكامل عن شخصية المرأة المسلمة، وشخصية المجتمع المسلم وآدابه، وفي القلب منه الرجل بلا شك، سنجد القرآن قبلها تحدث عن إيمان المرأة، وصلاتها وعبادتها، ثم الحديث عن أحكام الزوجة، خارج البيت، وداخل البيت، في هذا الإطار يأتي حديثه عن الحجاب، فليس منفردا، وليس مقحما، بل في سياقه، ويأخذ حجمه ومكانه في التشريع والفهم والتطبيق.

وهو معيار لو اتخذه الدعاة والخطباء وغيرهم في حديثهم للناس، وبيان حجم وأهمية كل موضوع، لفهموا كثيرا من القضايا فهما دقيقا، وهذا المعيار هو ما أشار إليه شيخنا القرضاوي في أحد كتبه حين دعا إلى اتخاذ: معيار الاهتمام القرآني بالموضوعات. أي: أن القرآن الكريم يهتم بموضوعات ويعطيها أولوية أكثر من غيرها، ويتحدث عن موضوعات أخرى مهمة أيضا، لكن بدرجة أقل، هذه التسعيرة للأعمال والموضوعات، هي معيار واضح ومفيد في التعامل مع معظم القضايا. ويعطي المتحدث معيار الأولوية في الحديث، وعلاج الأخطاء وترتيبها.

 

معاصي الجوارح من عدم الالتزام بالحجاب، والنقاب، واللحية، هي في النهاية أفعال جوارح، لكن الأخطر في علاج أمراض البشر والمجتمعات، هي معاصي القلوب مثل: الكبر، والحقد، والحسد، والضغينة، والخيانة، والنفاق.

 



كثير من الخطباء والمحاضرين، لو ذهب لإلقاء محاضرة لسيدات غير محجبات، سيكون تركيزه وحديثه عن الحجاب، وهو ما بات يفهمه هذا الجمهور، وفي أحد المرات ذهب الشيخ حسن البنا لإلقاء سلسلة محاضرات للنساء، وكان غالبهن غير محجبات، وكان حديثه عن المرأة المسلمة، وشخصيتها، وإيمانها، فسألنه بعد المحاضرة: متى تحدثنا عن الحجاب يا أستاذ؟ فقال: بعد عشر محاضرات على الأقل.

قدمت بهذه المقدمة لأصل لإجابة سؤال: هل ضخمنا قضية الحجاب؟ الإجابة: نعم، ضخمناها من حيث حجمها، لا من حيث حكمها الشرعي، فقد نالت مساحة من النقاش والرد، والحجاج، والاهتمام على حساب قضايا أخرى أهم في قضايا المرأة والمجتمع، مما جعل هناك مساحة من الاحتراب، والتعارك على قضية الهدي الظاهري في حياتنا، سواء للرجل أو المرأة.

فحدث خطأ كبير وهو تحويل معركة الهدي الظاهري، من لحية وجلباب، وحجاب للمرأة، وربما النقاب، إلى معركة وجود، ومعركة هوية، فصنعت نوعا من المعارك الوهمية في بلادنا بلا داعي، بينما كانت المعارك الأكبر في مساحة أخرى، كان من المهم صرف الجهود لها. 

وصرنا نرى من يقيم الشيخ على أساس اللحية، فإذا لم يكن ملتحيا فلا علم يؤخذ منه، ولا فائدة ترتجى من ورائه، فقد فرط في سنة اللحية. ونرى من يقيم المسلمة على معيار الحجاب فقط، ومهما رأينا من غير المحجبة من خير، وطاعة وخلق، رمينا كل هذا، وربما ذكرنا كل ما فيها من خير مقرونا بالحسرة الشديدة، لأنها تفعل ذلك كله وليست محجبة. 

لست هنا أقلل من أهمية الحجاب معاذ الله، بل إني أريد أن نضعه في مرتبته الحقيقية، حتى لا نجعل منه معركة في غير موقعها، سواء في موقعه التشريعي، أو في موقعه من حيث الاهتمام، فالحجاب في بداية الأمر ونهايته، سواء بلبسه أو خلعه، هو قضية هدي ظاهري، وقضية فردية لشخصية، ستحاسب وحدها عند الله على ما فعلت، ويكفي معها ممارسة كل ألوان النصح والنقاش والحوار والإقناع بوجوبه، وشرعيته، وكثيرات ممن لا يرتدينه يعلمن حكمه الشرعي، ويعلمن أنهن مقصرات في لباسه، ويرجون اليوم الذي يوفقهن الله لارتدائه.

لكن تظل في النهاية هي معصية جارحة، وليست معصية قلب، بمعنى أن معاصي الجوارح من عدم الالتزام بالحجاب، والنقاب، واللحية، هي في النهاية أفعال جوارح، لكن الأخطر في علاج أمراض البشر والمجتمعات، هي معاصي القلوب مثل: الكبر، والحقد، والحسد، والضغينة، والخيانة، والنفاق.
معاصي الأفراد مهم أن نبحث لها عن حلول، لكنها تظل في إطار أخطاء الفرد، يظل الخطأ الأكبر في معاصي المجموع، المعاصي المنظمة، والتي تؤثر على المجتمع، فمعاصي الحاكم، ومعاصي الأنظمة، أولى وأخطر في المواجهة، ولذا بعض الناس يتخير معارك الأفراد على هذه المعارك، لأن ضريبة معارك معاصي الحكم والأنظمة أكبر من قدرته.

كما ضخم من مسألة الحجاب لبسا وخلعا، ما يصاحبه من إعلان ضخم، وأخبار تملأ الميديا، من فلانة المشهورة التي ارتدت الحجاب، والفنانة التي اعتزلت، ثم نهلل ونكبر، ونحتفل، فلما قامت نفس المشهورة بخلعه، أو الفنانة المعتزلة بالعودة، قوبل بنفس التضخيم الإعلامي، من قبل الطرف الآخر، وكأن اللباس الشخصي صار مادة للمعارك الإعلامية، بدل أن يوضع في موضعه الصحيح، وهو فعل فردي في مسألة تنفيذ الأمر الشرعي.

وربما كان مبرر من ذهبوا لإعطاء الحجاب هذا الحجم الكبير فوق حجمه ووزنه الديني، ما رأوه من غزو ثقافي قام به الفكر الغربي وأنصاره في بلادنا، من تحويل المرأة لجسد، وحرية أن تتصرف في جسدها، وأن تتكشف كيفما شاءت، فووجه التطرف في التكشف بمواجهة مقابلة في الحديث عن التستر.

ولكن الملاحظ أن من تولى أمر الدفاع عن الحجاب آنذاك في مرحلة بداية القرن العشرين: كبار المفكرين والفقهاء والمصلحين، فتناولوه بالرد العلمي المناسب، وتوضيح موقف الإسلام، والعمل على الحفاط على شخصية المرأة المسلمة، بشكل متكامل متوازن، يبدأ بالحديث عن حق المرأة، ثم يأتي في ثنايا الحديث موقف الإسلام من الحجاب. ومع جهودهم تلك كانت لهم جهودهم الإصلاحية على  المستوى السياسي والاجتماعي والديني. 

ولكن في فترة الستينيات والسبعينيات وما بعدها، كان من تولى أمر الخطاب الديني، وانتشاره آنذاك، فئة الوعاظ، وهم قوم أفاضل، لكن خطابهم لا يتسم بما يتسم به دقة الفقهاء والمفكرين، في وضع الأمور في نصابها الطبيعي، ولا يتسم بشمول الفهم والعمل كسابقيهم، فافتلعت معارك الشكل والظاهر، فأصبح لدينا معركة الحجاب، ومعركة النقاب، ومعركة اللحية، ومعركة السنن، بينما نفر من الزحف في معركة الفروض الاجتماعية، والفروض السياسية، والفروض التنموية.

Essamt74@hotmail.com