كتاب عربي 21

أصنامنا وأصنامهم: كولستون وتشرشل والأسد واللات والعزى ومناة

1300x600
سنعرض ملخصا للحرب على أصنام النخاسين في الغرب:

آذن قتل جورج فلويد بتحطيم أصنام النخاسين ولصوص البشر ثأرا له، أمثال تمثال ألبرت مايك، وسيسل رودس في كيب تاون، وكان صنمه على بوابة جامعة من أعرق جامعات الغرب، وإزالة تمثال النخاس روبرت ميلغان خارج متحف لندن دوكلاندز، ونسف متظاهرون تمثال إدوارد كولستون في اليمّ نسفا، وقطعت الجماهير الغاضبة رأس تمثال لكريستوفر كولومبس وأقامت عليه الحد، وخرّب المتظاهرون تمثالا نصفيا للملك الأسبق ليوبولد الثاني، وهو واحد من أشرّ أهل الأرض، أباد شعبا كاملا، وقتل نصف الشعب الكيني من أجل المطاط. امتد الغضب على التماثيل من الولايات المتحدة إلى بريطانيا وبلجيكا، لكن لا تستوي ديّة البشر بالحجر.

كذلك تم إسقاط تمثال لملكة بريطانيا السابقة فيكتوريا قبل سنوات، وقطع رأس التمثال، أما الملكة فعاشت حياة عنصرية سعيدة.

جرى في المغرب تداول عريضة تطالب القنصلية الفرنسية في الدار البيضاء المغربية بإزالة تمثال هوبير غونزالف ليوطي، مندوب فرنسا على المغرب خلال فترة الاستعمار، واستبداله بتمثال بطل الأنمي الياباني الكلاسيكي، "غرندايزر". واستخدمت الحملة عبارات قاسية جاء فيها: "استبدلوا هذا الضفدع الاستعماري القبيح بشخصية أكثر استحقاقا مثل غراندايز".

استنقذت حكومة بلجيكا الديمقراطية تماثيل ملك المطاط ليوبولد الثاني، فجعلت له حراسة، وسعت دول أخرى إلى حماية أصنامها بنقلها.. التحطيم لا يؤدي الغرض، ولا استبدال صنم هوبير بالضفدع كامل ولا بساسوكي، لا بد من أمر آخر.

الكهنة لا الأصنام:

يمكن أن يذكّرنا قول المفكر الفرنسي المتخصص في تاريخ الاستعمار باسكال بلونشار؛ بأنَّ تفكيك التماثيل أو تدميرها لن يحل إشكالات تاريخية راسخة، بسرية خالد بن الوليد التي أرسلها الرسول عليه الصلاة والسلام في فتح مكة لتدمير العزّى، كما جاء في عيون الأثر:

لِخَمْسِ لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ ثَمَانٍ لِيَهْدِمَهَا، فَخَرَجَ فِي ثَلاثِينَ فَارِسا مِنْ أَصْحَابِهِ، حَتَّى انْتَهَوْا إِلَيْهَا، فَهَدَمَهَا ثُمَّ رَجَعَ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: "هَلْ رَأَيْتَ شَيْئا"؟ قَالَ: لا، قَالَ: "فَإِنَّكَ لَمْ تَهْدِمْهَا، فَارْجِعْ إِلَيْهَا فَاهْدِمْهَا" فَرَجَعَ خَالِدٌ وَهُوَ مُتَغَيِّظٌ، فَجَرَّدَ سَيْفَهُ، فَخَرَجَتْ إِلَيْهِ امْرَأَةٌ عُرْيَانَةٌ سَوْدَاءُ نَاشِرَةُ الرَّأْسِ، فَجَعَلَ السادن يصيح بها، فضربها خالد فجزر لها بِاثْنَتَيْنِ، وَرَجَعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: "نَعَمْ، تِلْكَ الْعُزَّى، وَقَدْ أَيِسَتْ أَنْ تُعْبَدَ بِبِلادِكُمْ أَبَدا".

تدمير الأصنام لا يكفي، فلا بد من الخلاص من كهنة الأصنام. والكهنة في عصرنا هم المثقفون.

في مدح أصنام العرب القديمة:

كان الشعب السوري يطلق اسم الأصنام على أنصاب العمال والفلاحين التذكارية، وتماثيل الرئيس التذكارية التي نصبت في طول البلاد وعرضها، وكانت تنصب وسط المدينة في ساحتها الرئيسة، أو في مدخل المدينة، تذكيرا ببأس النظام وسلطانه. وقد حرص النظام السوري على إعادة أصنام حافظ الأسد، قبل إعادة الماء والخبز في الرقة وغيرها، بعد تدمير الرقة علامة على انتصار النظام على الشعب.

ووصف الشعب السوري والعربي عموما للأنصاب التذكارية بالأصنام تحقيري من جهة، وتوحيدي من جهة أخرى، يرمي إلى استعادة ميراث إبراهيم عليه الصلاة السلام، قال عليه السلام في سورة الأنبياء: "وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ، فَجَعَلَهُمْ جُذَاذا إِلاَّ كَبِيرا لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ".

لم يعرف العرب الأصنام إلا من عمرو بن لحي، الذي وصفه الرسول عليه الصلاة والسلام بأنه يجر قصبه في النار، وكان أحضرها من بلاد الشام التي كان الرومان يحكمونها، فهي أوروبا العرب في ذلك الزمان، وكان الرومان ينصبون فيها آلهتهم، فنصبها في الكعبة، وتروي المرويات أنه كان كريما، وليس مثل ملوكنا أصحاب الأصنام الحديثة: احنا فقراء أوي، وبطاقة الأسد الذكية.

وقد بلغ عمرو بن لحي في العرب من الشرف ما لم يبلغه عربي قبله ولا بعده في الجاهلية. ويقال إنه أبو قبيلة خزاعة، وهو أول من أطعم الحج بمكة سدائف (قطع) الإبل ولحمانها (لحمها) على الثريد. صار عمرو للعرب ربا (سيدا)، لا يبتدع لهم بدعة إلا اتخذوها شرعة، لأنه كان يطعم الناس ويكسوهم في الموسم، وربما نحر لهم في الموسم عشرة آلاف بدنة (ناقة) وكسا عشرة آلاف حلة. كما لم ينصب ابن لحي تمثاله وصنمه، ولم تكن له سجون ومعتقلات، وهذا فرق ثان بينه وبين أصحاب الأصنام.

ملاحظات أخرى:

إن الناس تميل إلى عبادة المرئيات المحسوسة، ولذلك سمي دين إبراهيم بالحنيفية، لأنها تحنف عن الباطل، فالتجريد شاق، والسقوط في الوحل سهل، وفي السيرة النبوية أن:

عديُّ بنُ حاتمٍ الطائي قدم على النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وهو نصرانيٌّ فسمعه يقرأُ هذه الآيةَ: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَها وَاحِدا لَا إِلَهَ إِلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ قال: فقلتُ له: إنَّا لسنا نعبدُهم، (وهو يشبه قولنا إنها ليست سوى أنصاب تذكارية أي للجمال والذكرى) قال: أليسَ يحرمونَ ما أحلَّ اللهُ فتحرِّمونَه، ويحلُّونَ ما حرَّمَ اللهُ فتحلُّونَه، قال: قلتُ: بلى، قال: فتلك عبادتُهم.

قد تستبدل حكومات الغرب الديمقراطية أنصاب النخاسين والأرباب المحطمة بأصنام فلويد أو تدّخرها إلى حين فتعود بها، فنعود إلى ما كنا عليه.

ثمة فارق آخر هو أن الأوروبيين يحسنون صناعة الأصنام، فهي جميلة رشيقة، بديعة التكوين، صحيحة النسب والهيئة، وليست مثل أصنام زعمائنا العرب، حيث يمكن أن تضع صنم بورقيبة في محل صنم حافظ الأسد وصنم رئيس كوريا محل صدام حسين، لأننا مقلدون، ولأنها بضاعة مستوردة، ولأن حضارة العرب حضارة نص وليست حضارة أوثان. الأصنام العربية حديثا وقديما، ضعيفة في التشريح والنسب، دليل ذلك أن بعض العرب كانت تكتفي من أصنامها بحجارة من الصفا والمروة، فما يهمها أن تكون من مكان مقدس وليس شكلها.

يمكن إجمال بعض الفروق بين أصنام العرب وأصنام الروم في أن أصنام العرب كانت تطعم الطعام مثل اللات، أو يطعم على شرفها وبين يديها، جاء في لسان العرب: اللَّاتُّ، فِيمَا زَعَمَ قومٌ مِنْ أَهل اللُّغَةِ: صَخْرَةٌ كَانَ عِنْدَهَا رجلٌ يَلُتُّ السَّويقَ للحاجِّ، فَلَمَّا مَاتَ، عُبِدَتْ.

أو أصنام عشاق مثل إساف الذي عشق نائلة، ومسخهما الله صنمين فعبدا، أما أصنام الغرب، فهي تماثيل نخاسين وقتلة. وقد حذا أحفاد عمرو بن لحي حذوهم، لكنهم ضعفاء في فن التشريح سوى في المعتقلات!

عودة إلى فأس إبراهيم عليه السلام:

المتظاهرون الغاضبون على قتل فلويد يفتقدون حس السخرية والتهكم الذي كان إبراهيم عليه السلام قد حباه الله به، ووددت لو عرضت لتحطيم المغيرة بن شعبة رضي الله عنه، صنم اللات في ثقيف. وقد أدى أول عرض مسرحي عربي إسلامي ساخر لم نشهد مثله؛ في تحطيم رودوس وكولسون، وإن رأينا دماء على وجه ليوبولد الثاني كناية عن سفكه للدماء.

twitter.com/OmarImaromar