كتاب عربي 21

الفلسطيني الشرير والإسرائيلي العادي.. جريمة دعايات التطبيع الجديد

1300x600
تنطوي الأعمال الممهّدة للتطبيع على تناقض أساسيّ هذه الأيام، في كيفية تصويرها لأطراف الصراع المباشرة، وذلك لأنّها لا تتوسّل التطبيع بالمنطق السياسي فحسب، أي الترويج للمصلحة المزعوم ترتّبها على التطبيع، بل بمنطق دعائيّ دوغمائيّ، ينفي عن الفلسطينيّ عاديّته الإنسانية. فهو وبالرغم من انتمائه للجنس البشريّ، ليس بشرا عاديّا، وإنّما بشر محكوم بنزعات مرذولة طوال الوقت، وعلى مرّ تاريخه، وحيثما كان. وعلى الضدّ منه الإسرائيلي، الذي هو إنسان مفرط في عاديّته الإنسانيّة بما يمنع تنميطه وحشره في قوالب جامدة.

والغلوّ في جعل الإسرائيلي عاديّا، يصل حدود نفي طبائع الصراع نفسها، ولذلك وكما في بعض الأعمال الدراميّة، لا يولج لفكرة التطبيع مع الإسرائيلي من بوابة الصراع نفسها، وإنّما من بوابة تاريخية دينية، فقد كان موجودا بيننا، في بلادنا العربيّة، ولكن باعتباره يهوديّا!

التناقض المشار إليه هو في فرق التصوير بين الفلسطيني والإسرائيلي، فالأوّل غير عاديّ، لا بخلع البطولة الأسطوريّة عليه كما كان الأمر في بعض المحطّات التاريخية، ولكن بوصمه بالدونيّة الأخلاقية الشاملة والدائمة والمستغرقة، والثاني إنسان عاديّ، خبرناه وجربناه قبل النكبة حينما كان يعيش في أوساطنا وفي بلادنا. هذه الآلية، بقدر ما هي ظاهرة في عدوانيّتها، وتعمّدها الحطّ من الفلسطيني وتكوين موقف عنصريّ منه، هي في الوقت نفسه لاساميّة، معادية لليهود، بقدر ما أرادت العكس، وهذا تناقض من زاوية أخرى.

إشكالية هذه المقاربة الدعائية في كونها تتوسّل التطبيع مع محتلّ معتد من زاوية دينية، تقول من جهة إنّ الإسلام لا يمنع من التعاون مع اليهوديّ، ولا التصالح معه، ومن جهة أخرى تقول إنّ اليهودي ليس شريرا في ذاته ولا بطبعه، بل هو كالبشر فيه ما فيهم، وذلك في حين أنّ الحركة المناهضة للتطبيع لا ترجع إلى هذه الحيثيات أبدا، بل إلى صراع واضحة عناصره بين المعتدي والمعتدى عليه، بما لن يغيّر من حقائق هذا الصراع لو كانت ديانة المعتدي مختلفة، أو ارتكزت دعايته الاستعمارية لمزاعم مختلفة عن دعاية المعتدي الصهيوني.

فالنظر إلى المحتلّ الإسرائيلي من جهة ديانته فحسب، هو مسلك مروّجي التطبيع الآن، وهذا القدر من النظر لا يخلو من العداء للساميّة، لأنّه يقارب المعتدي من زاوية يهوديّته فحسب، لا من زاوية سياسيّة، حتّى لو كانت الغاية التطبيع معه وخدمة أهدافه الاستعماريّة.

يكشف هذا المسلك ضعف الموقف السياسيّ والأخلاقيّ لدعاة التطبيع العرب، خاصة الدعاة الجدد منهم، والذين يتكثّف عملهم في مواقع التواصل الاجتماعي، أو بواسطة كتّاب صحافة مستأجرين، وأخيرا في الأعمال الدراميّة الخليجية. وهذا الضعف في موقف دعاة التطبيع راجع إلى قوّة القضيّة الفلسطينية ووضوح عدالتها، فيلجأ المطبّعون إلى المغالطة بقصر الرؤية على الزاوية الدينية التي هي ليست المشكلة، وهذا يعني أنّه ليس للمطبّعين ما يقولونه في المشكلة نفسها ممّا يخدم أغراضهم.

مكافحة التطبيع تلاحظ العدوّ من موقع اعتدائه على الأرض والإنسان، بصرف النظر عن ديانته القدريّة أو المختارة. ولذلك فإنّ وصم كفاح التطبيع بأنّه معاد للساميّة، أو يغذّي نزعات العداء للساميّة، هو عداء ضمنيّ للساميّة، لأنّه ينفي أبعاد الصراع الأصيلة ليقصرها على بعد دينيّ لا يقول به مكافحو التطبيع، ولو استُخدمت التسمية الدينية للعدوّ في الخطاب الشعبي، فهذا راجع لتعريف العدوّ لنفسه، لا لعداء أصليّ لكونه معتقدا بهذه الديانة، تماما كما أنّه لم يكن معه عداء وهو على ديانته قبل حملته الاستعماريّة على بلادنا.

أمّا الحطّ من الفلسطيني، بنفيّ العاديّة الإنسانية عنه، فهو بالدرجة الأولى لخلق معنى من جعل المحتلّ إنسانا عاديّا، فإذا كان الصراع بين بشر عاديّين رجعنا إلى القضية نفسها من حيث عدالتها، فلا بدّ والحال هذه، في دعاية التطبيع هذه، من القوّل إنّ الصراع بين إنسان عاديّ هو الإسرائيلي وإنسان شرير هو الفلسطيني، وذلك أيضا في سياق تسويغ التخلّي عن الفلسطيني.

يُضاف على ذلك، أنّ الحطّ من الفلسطيني بجعله كائنا دونيّا دائما، يلتقي مع مخطّط تصفية الوجود السياسي للفلسطيني، وتحويله إلى كائن مجرّد من الهويّة والقضيّة والتاريخ الكفاحي، وتابع للإسرائيلي. تماما هذا الذي تقوله خطّة ترامب، فهي بالحرف تتحدث عن وجود فلسطيني خدمي تابع للاحتلال، أيّ وجود بلا قضيّة ولا هدف ولا حلم. ولأنّه كائن دونيّ، بحسب دعايات التطبيع الجديد، فهو لا يستحقّ أن تكون له قضيّة. ويحضر هنا اللوم الدائم للفلسطيني بأنّه لم يقبل كلّ ما عرض عليه من حلول في الماضي، ويرفض خطّة ترامب اليوم. ومع ما في هذا اللوم من خطأ في معلوماته، إلا أنّه يعجز عن القبول بالفلسطيني صاحب قضية وهدف وحلم، وإنّما هو عند اللائمين كائن دونيّ يكفيه الحدّ الأدنى من العيش الذي يحدّده له الإسرائيلي.

مقابل هذه الدعاية، لا بدّ من تكثيف العمل لأجل فلسطين، والإلحاح الدائم على طبائع الصراع ومحدّداته، والكشف عن الجرم الأخلاقي الذي يقترفه مروّجو التطبيع، لا في حقّ الفلسطينيين، بل في حق بلادنا العربيّة وأهلها، وحقّ الإنسانيّة، وما تزال الهجمة المناوئة للتطبيع ضعيفة، وتعاني من قصور متعدّد الجوانب.

twitter.com/sariorabi