كتب

هل آل العالم إلى تحكم التافهين على رأس مؤسساته؟

كاتب كندي ينتقد هيمنة المال على كل مناحي الحياة وأثر ذلك على العلاقات الدولية- (إنترنت)

الكتاب: نظام التفاهة
الكاتب: الدكتور ألان دونو
المترجم: مشاعل عبد العزيز الهاجري
دار النشر: دار سؤال للنشر، بيروت- لبنان
الطبعة: الأولى 2020
عدد الصفحات: 366 صفحة

ليس من السهل النفاذ إلى جوهر ما كتبه الدكتور ألان دونو من أفكار حول نظام التفاهة، فالرجل يمزج بين الجدل الحاد وبين التأسيس المعرفي العميق لفكرة محورية اخترقت كل كتابه من أوله لآخره، فكرة إن العالم يحكمه نظام، قائم بذاته، يعتمد التفاهة كقواعد لعب وكآليات، وكفاعلين أيضا، فأستاذ الفلسفة في جامعة "كيبيك" الكندي، الذي يعرف في الأوساط الأكاديمية الكندية وأيضا في أوساط الفاعلين والناشطين في الحقل المدني كأحد أشرس المواجهين للرأسمالية المتوحشة، يحاول أن يمضي أبعد مما ذهب عندما نشر كتابه الذي أثار ضجة كبيرة في كندا تحت عنوان "كندا السوداء: النهب والإفساد والإجرام في إفريقيا"، فهو يريد أن يخرج من ضيق الوقائع إلى تقرير حقيقة نظام قائم بالذات، يمتلك قواعده في اللعب كما يمتلك الآليات التي يتحكم فيها في جميع مجالات الفضاء العام، ويصنع الفاعلين الذين بهم يضمن استمرار هذا النظام وتحكمه في مفاصل المجال العام.

 


من هذه الزاوية يكتسب هذا الكتاب أهميته، ففضلا عن الإقبال الكبير الذي لقيه في السوق وحجم الجدل الذي أثاره في كندا وغيرها، فالرجل يوجه مدفعيته التحليلية إلى النظام الذي يحكم العالم، ويحاول أن يفكك أدوات اشتغاله في جميع المجالات الاقتصادية والمالية والعلمية والثقافية والسياسية والفنية والإعلامية، ويتبنى في ذلك نموذجا تفسيريا يستند إلى مفهوم التفاهة أو مفهوم نظام التفاهة.

بين التفاهة ونظام التفاهة

يعتبر الكاتب أن العالم اليوم يعيش في مرحلة تاريخية غير مسبوقة، يسود فيها نظام يؤدي بشكل تدريجي إلى سيطرة التافهين على جميع مجالات المجال العام بما في ذلك مفاصل الدولة، ويغير قواعد اللعب القديمة، ويرسم قواعد أخرى بديلة تتسم بالرداءة والابتذال، ويضع على رأس المؤسسات التافهين، فيحكم العالم بالتافهين من الأشخاص وبالمؤسسات التافهة وبنظام من القواعد التي تصنع التفاهة وترعاها وتضمن تسيدها وهيمنتها، فينتج عن سيطرة هذا النظام تدهور متطلبات الجودة العالية وتغييب الأداء الرفيع وتهميش منظومات القيم وإبراز الأذواق المنحطة وإبعاد الأكفاء وتخلية السالحة من التحديات، وتسييد شريحة كاملة من التافهين الجاهلين والمسطحين فكريا وذلك من أجل خدمة أغراض السوق وباسم الديمقراطية والحرية والفردية والخيار الشخصي..

يميز المؤلف في كتابه بين كلمة (Mediocrity) التي تصف طبيعة الشخص التافه المبتذل الرديء المستوى، وبين كلمة (Mediocracy) التي تعني النظام الاجتماعي الذي تكون فيه الطبقة المسيطرة فيه هي طبقة من الأشخاص التافهين أو الذي تتم فيه مكافأة التفاهة والرداءة عوضا عن الجدية والجودة.  ولا يستعيض بهذا المفهوم عن الآخر، فالجوهر في كتابه بيان نظام التفاهة، لكن هذا النظام لا يشتغل بدون أن يكون على رأس كل المؤسسات التافهون.

 

الجامعات حسب الباحث تهتم بتسطيح المعرفة من خلال اهتمامها بتعميقها بدل من توسعتها، فلا تعنى في معرض تدريس العلوم الموضوعية بترسيخ القيم العلمية في طلبتها من تفكير نقدي والوقوف على العلاقات بين الموضوعات المتفرقة والفضول المعرفي وغيرها.

 



تتلخص فكرة الكتاب المركزية في كون كل نشاط في الفضاء العام صار أقرب إلى لعبة يلعبها الجميع ويعرفونها، رغم أن أحدا لا يتكلم عنها، حيث لا توجد قواعد واضحة توضح قوانينها وقواعدها، ولكنها تتمثل في انتماء إلى كيان كبير، تستبعد القيم فيه من الاعتبار، ويختزل النشاط المتعلق به، إلى مجرد حسابات مصالح متعلقة بالربح والخسارة الماديين (المال والثروة) أو المعنويين (السمعة والشهرة والعلاقات الاجتماعية)، وذلك إلى أن يصاب الجسد الاجتماعي بالفساد بصورة بنيوية، فيفقد الناس تدريجيا اهتمامهم بالشأن العام، وتقتصر همومهم على فردياتهم الصغيرة.

ورغم أن اللعبة تفترض تعدد الأشخاص الذين يشتغلون داخل الفضاء العام، وتعدد طبيعتهم، ووجود أشخاص طموحين ذوي معايير عالية تنشد التفوق والتألق والنجاح، وبين أشخاص ذوي مستويات متدنية يبحثون عن النجاح السهل، فإن إدارة اللعبة، تتم من طرف الفئة الثانية أي التافهين المسطحي الفكر، وذلك لأن طبيعتهم، هي أقرب إلى الطبيعة اليومية للحياة من التبسيط ونبذ المجهود، والقبول بالحدود الدنيا من الجهد. وأن الطبقة التي تتطلع للمستويات العليا، إما تنسحب من اللعبة وتتركها للتافهين، أو ترتكس وتنكص وتساير نظام التفاهة وتلتحق به، ويرجع الباحث السر في انخراط الناس في هذه اللعبة أو في هذا النظام إلى التبسيط.

ويشير الباحث إلى مفارقة كبيرة بهذا الخصوص، فبينما يكون طبيعيا الجنوح لتبسيط بعض المفاهيم المعقدة التي برزت على مستويات متعددة، وفي حقول معرفية مختلفة مثل الفلسفة والقانون وغيرها لتقريب المعارف المركبة، فإن نظام التفاهة يتعدى وظيفة رفع الغموض والإلغاز وتفكيك اللغة المركبة المعقدة، إلى التبسيط المخل الخطر الذي يدفع في اتجاه القضاء على الجودة وخفض مستواها إلى أبعد الحدود، حتى يصير كل ما حول الإنسان مسطحا ومبسطا، فيصير الهام مسطحا، والمعتبر سخيفا، من خلال التوظيف المبالغ فيه للخطاب المبسط والساذج. 

والمثير حسب المؤلف أن هذه الآفة، تسربت حتى إلى المجال الأكاديمي والعلمي والبيداغوجي، فأضحت تمثل في نظر الكاتب جريمة في الحق العلم، فبينما يقصد العلم الارتقاء بقدرات العارف بما يليق بمستوى المعرفة ونقدها، يتجه نظام التفاهة إلى خفض هذا المستوى بجريمة التبسيط العلمي وخفض مستوى المعرفة إلى اقل من مستوى العارف-المتطلع إلى تحصيل المزيد منها.

الجامعة وحقل البحث العلمي كأحد حقول انسياب التفاهة

لم يسلم الوسط الأكاديمي والجامعي من انسيابات نظام التفاهة، بل اصبح جزءا لا يتجزأ من هذ النظام ينفعل بقواعده وينضبط لها، ويستعرض المؤلف الأحوال المؤسفة للجامعة في الواقع الحاضر،  وظاهرة الهوس بالحصول على الشهادات العلمية العالية لأغراض الظهور الاجتماعي وحده، ودخول الجامعة عصر تسليع المعرفة وبيعها للجهات الممولة للجامعات من خلال سلسلة تبتدئ بسعي الأستاذ الجامعي للحصول على المنح من الجهات الممولة، ويسجل الباحث دور هذا المسار في الانحدار بالجامعة إلى درجة التفاهة، فتتحول من منتج للمعرفة إلى تاجر لها، يعمل في وسط من الاعتبارات الكمية  والقيم الزبائنية.

ويرى الباحث أن المبالغة في خلق التخصصات العلمية الدقيقة تدخل هي الأخرى ضمن منتجات نظام التفاهة، فالجامعات حسب الباحث تهتم بتسطيح المعرفة من خلال اهتمامها بتعميقها بدل من توسعتها، فلا تعنى في معرض تدريس العلوم الموضوعية بترسيخ القيم العلمية في طلبتها من تفكير نقدي والوقوف على العلاقات بين الموضوعات المتفرقة والفضول المعرفي وغيرها.

ويشير المؤلف إلى خلفيات هذا التوجه الذي التجأت إليه الجامعات، وكيف مضت في طريق التخصص المبالغ فيه استجابة لتمويل الشركات التجارية، التي تقدم منحا تملي من خلالها إرادتها على الجامعة، فيعمل بذلك كل من الأساتذة والطلبة على الموضوعات والمشروعات التي فرضتها هذه الشركات، حتى ينتهي بها الأمر إلى إنتاج الخبراء ذوي التخصص الضيق الذين يخدمون السوق، لا العلماء ذوي الأفق الواسع القادرين على مواجهة المشاكل الحياتية. فينتج نظام التفاهة الخبير التقني الذي ينضبط للشروط المؤسساتية التي تقوم وراءه، ويلتزم بقيمها وأهدافها، فتكون أفكاره تابعة للمكافآت التي يأخذها من المؤسسة التي تحدد له مجال وموضوعات ما ينتج فيه من الأفكار، بخلاف الأدوار الطلييعة التي كانت تقوم بها الجامعة، والمثقف الحر فيها وما كان يرمز غليه من التزام بالقيم والمبادئ

سلطة الأشباح في نظام التفاهة

ويتناول المؤلف بشكل تفكيكي لعبة نظام التفاهة وانسابه في مجالات أخرى، فيسجل ملاحظة طريفة ينطلق منها لرسم صورة اشتغال نظام التفاهة في المجال السياسي والاقتصادي، فالطبقة الصناعية لم تعد تعيش الترف الذي كانت تعيشه ولا المستوى المعيشي الذي كان يميزها، وإنما صارت تعيش بأسلوب ونمط معيشة مختلف، يساير وظائف نظام التفاهة. 

وقد ضرب لذلك مثلا بأكبر عائلة ثرية في كندا (ديسماريه)، وكيف تحتفل بطريقة تفتقد الحس الصناعي والبورجوازي المعروف عن الطبقات الصناعية، وكيف تستقبل في بيتها النخب السياسية، وترتبط بعلاقات وطيدة معهم، وتكشف طبيعة هذه العلاقات عن الشكل الذي يمارسه الأشباح في المجال الاقتصادي والسياسي أيضا، وكيف يستثمر هؤلاء في شركات وهمية خارج الحدود ويكلفون محامين بالوكالة عنهم، وكيف يسيرون السياسة من وراء الأشكال الديمقراطية، وكيف تراوغ هذه السلطة النخبوية الخفية كل النظريات النقدية الخاصة بالانعتاق السياسي التي ترى الديمقراطية باعتبارها دياليكتيكا بين الخطاب الرسمي لسلطة ما ودحضه الجدلي من قبل المحكومين به العارفين بأن العقل متاح للجميع. 

ويرسم المؤلف صورة مفارقة لهذه السلطة الخفية ويشبهها بسلطة البرولتيتاريا التي ليس لها إسم ولا صورة ولا تمثيلية في الجسد السياسي، ولكنها تسير كل شيء وتهمين على المجال السياسي، بل تهيمن أيضا على المجال الاقتصادي، إد تشكل أنشطة هذه النخب الخفية مصير المجتمعات وترسم إيديولوجيتها معالم السياسة العامة النافذة.

نظام التفاهة أو حين يتحول المال إلى قيمة

يشير المؤلف إلى جملة من النظريات الاقتصادية حول قيمة المال، ويستعرض المقاربات التي كانت تحدد دوره كوسيط بين الحاجة وبين السلعة، ويرى أن المشكلة بدأت مع نظام التفاهة عندما تم التوقف عن النظر إلى النقود باعتبارها وسيطا للقيمة، وبدأ تمثل النقود كما ولو كانت تتضمن قيمة أو كأنها هي في حد ذاتها قيمة مطلقة، وتتلو ذلك خطوة أخرى، إذ شيئا فشيئا، يتحول النظر إلى النقود كقيمة في حد ذاتها إلى إحصاء للقيمة. 

 

يلاحظ المؤلف كيف أصبحت المعلومات المنشورة على الشاشة تمتلك قوة القانون، وكيف أصبحت الميزانيات المقدمة كجداول صرفة وأعمدة قيود محاسبية هي وحدها ما يبرر الاقتصاد إذ لم يعد بالإمكان النظر إلى الاقتصاد بغير هذه الطريقة، وكيف تم نقل استراتيجيات الاستحواذ إلى المستوى النقدي، فصار بالإمكان الاقتصاد بالعالم، أي التعامل معه كمحض عنصر اقتصادي.

ويرسم المؤلف أربعة مواقف باتجاه التطور الذي لحق تمثلاتنا نحو النقود، موقف الطماع، الذي يفكر في الثورة الافتراضية التي تعد بها علامة النقد من دون أن تتجسد في أي شيء، وفي مقابله الشخص المبذر، الذي لا يعتني أبدا بمظهر النقد وعلاماته، فكل ما يريده هو أن يجرب ثمرة الوعد أيا ما كانت الكلفة، ويرى المؤلف أن كلا من الطماع والمبذر، يعيشان في ظل النظام ذاته، الذي يفعل في أحدهما خلاف ما يفعله في الآخر. ومن دون أن ينكر التقارب بين الاثنين، فإنه يلاحظ الاختلاف الكمي بينهما، فبينما يتشبث الطماع بعلامة النقود، فيندمج بها ويطالب بدقتها الصارمة، إلى ان تستحوذ عليه أوهام العظمة، التي ينظر إليها كعلامة من علامات السلطة، فإن المبذر ينكر إلى حد كبير جميع المؤسسات الضامنة لاحترام القيمة المالية، ويرى المؤلف أن شخصا ثالثا يدخل إلى المشهد، هو الشخص الشجع، الذي لا يبدو أنه يجسد نموذجا، بقدر ما يتسم بانحلال خلقي ويتميز بحالة من الارتباك التي تغمره لمجرد كون النقود متاحة له.

 

بينما يكون طبيعيا الجنوح لتبسيط بعض المفاهيم المعقدة التي برزت على مستويات متعددة، وفي حقول معرفية مختلفة مثل الفلسفة والقانون وغيرها لتقريب المعارف المركبة، فإن نظام التفاهة يتعدى وظيفة رفع الغموض والإلغاز وتفكيك اللغة المركبة المعقدة، إلى التبسيط المخل

 



ويرى المؤلف أن نمط الجشع ينتشر في السياقات التي لا ترتبط فيها النقود باي جدارة، ويضرب لذلك أمثلة بحالة تحقيق أحدهم مكاسب كبيرة في البورصة، أو عندما يتم منح مكافأة خيالية إلى أحد المدراء التنفيذيين في شركة ما، فهذه النقود في نظر المؤلف، ليست مرتبطة باي عمل وباي إنجاز من أي صنف كان، وبأية عملية رسمية. ويعرض المؤلف لنموذج رابع، سماه بالشخص المتخم باللذات، وهو الشخص القلق بشأن الدخل، فبعد أن يستلم أجرته من خلال أعمال متكررة نمطية، فإنه يصير بعدها يعاني كمستهلك من نظام يكسب فيه كل شيء من خلال أفعال مكررة أيضا كوضع العملات على منضدة البيع او توقيع الشيكات.

الثقافة والإعلام والفن وآليات توطيد اركان نظام التفاهة

بعد عالم المال والسياسة، يفصل المؤلف في الطريقة التي تتحول فيها القافة والإعلام والفن إلى أدوات لخدمة نظام التفاهة، إذ يفرض الفن على الفنانين العمل وفقا لأهداف السوق أكثر من الأهداف المرتبطة بعملياتهم الإبداعية الخاصة، إذ السؤال المهم في نظر المؤلف ـ، ليس هو أن تصير فنانا مبدعا، ولكنه هو كيف تصير فنانا مديرا أو مديرا فنانا. وهكذا تصبح المسألة مناطة بالفنانين الذين يكون عليهم أن يتعلموا كيفية التأقلم مع القواعد الجديدة الي تدير الحقل الفني، فإن الممولين يرون أنفسهم وكأنهم المبدعون الحقيقيون، باعتبار أنهم هم من جعل هذا الفن ممكنا، فهم لا يمولونه فقط، بل هم يستنفذون أنفسهم من اجله من خلال العمل كأعضاء مجالس إدارة في جميع هياكله. وهكذا يصبح الفنان هو ذلك الذي يحظى بتقدير المستثمر، وهم من يحاولون ان يكونوا "مبدعين" بلغة المستثمرين الخاصة، وتبعا لذلك، فالفنانون الذين يحققون النجاح، لا يحققونه وفقا للمعايير الجمالية، ولكن وفق خطة العمل التجارية التي يحددها المستثمرون.
 
ويشير المؤلف إلى جانب آخر من أثر نظام التفاهة على الفن، وهو ما سماه بالفن التخريبي، الذي يحرك من وراء الخشبة بأجهزة تحكم، من اجل صدم الطابوهات والقيم، ويتم ذلك كله باسم الانعتاق من المؤسسات الثقافية.

ونفس الطريقة التفكيكية، يحلل المؤلف تحولات المثقف ورجل الإعلام، وانزياحاته عن قيم الالتزام والأطر المعيارية التي تحكم مجال اشتغالهما، لفائدة قيم أخرى يصنعها أصحاب المال، الذين يتحكمون في المشهد الثقافي والإعلامي من وراء الخشبة عبر أجهزة التحكم.

يجتهد المؤلف بالاستشهاد بكم هائل من النظريات الفلسفية والتأملات الفكرية والإحالات السوسيولوجية والسيكولوجية والمشاهد الدرامية في نفس سجالي قوي، لإثبات نظام يحكم العالم يقوم على نشر التفاهة وتسييد التافهين، لخدمة أهداف السوق، وإبراز انسياباته المختلفة في كافة مجالات الفضاء العام، ووظائفه في فرض هيمنة من اسماهم بالأشباح الماسكين بأسباب الثورة في العالم، لكنه لا يبين الشكل الذي وقع فيه التحول من الحداثة التي كانت تتأسس على العقلانية  واليقين، إلى نظام ينسف قواعد هذه الحداثة، ولا يتعرض إلى المخاطر التي يمكن أن يؤول إليها مسار الحداثة نفسه في حالة الإذعان لنظام التفاهة. صحيح أنه يتعرض مثلما يتعرض ناقدوا الرأسمالية المتوحشة وفي مقدمتهم نعوم تشومسكي لمخاطر غياب المعنى، وفقدان القيم، وموت الإنسان، ولكنه، لا يتعرض لأثر نظام التفاهة على مسار الحداثة كما ارتسمت في الغرب، وهل ستؤول إلى انهياره، أم انها تشكل إحدى الآليات الجديدة لاستدامة هيمنتها على العالم.