أخبار ثقافية

إرِنديرا بين الورق والشاشة: ماركيز قاصّا وكاتب سيناريو

رواية لماركيز

القصة


ظهرت "الحكاية الحزينة التي لا تُصَدَّقُ عن إرِنديرا البريئة وجَدَّتِها القاسية"- La Increible y Triste Historia dela C?ndida Eréndira y su Abuela Desalmada لغابرييل غارسيا ماركيز سنة 1972. وبعد حصوله على نوبل للآداب عام 1982 بأشهرٍ معدودةٍ ترجمَها إلى العربية (محمود مسعود) وأعطاها عنوانًا بديلاً هو (الضحية) ضمن مختاراتٍ قصصيةٍ نشرَتها سلسلة (روايات الهلال) في مصر، وهو عنوانٌ ربّما ارتأت الجهة الناشرة أنه أنسب للسوق القرائيّة المصرية في ذلك الوقت، وربما اختاره (مسعود) انحيازًا لتفضيلٍ جَماليٍّ أو غير ذلك. والمهم أن مقالنا يعتمد أساسًا على هذه الترجمة.

تبدأ الحكاية بإيجازٍ في قصرٍ مُنيفٍ باذخ الثراء، تمتلكه عجوزٌ هي أرملةُ (أماديس) أحد كبار المهرِّبين، وأُمّ (أماديس الابن). مات الأب وابنُه وتُرِكَت الحفيدة (إرِنديرا) في رعاية جدّتها. إرِنديرا تقوم بكل أعمال القصر من طبخ وتنظيف واعتناء بنظافة جدّتها ورَيٍّ للأعشاب النامية حول قبرَي أماديس الأب والابن المدفونَين في حديقة القصر، وهي مازالت في الرابعة عشرة. ذاتَ ليلةٍ تهبُّ ريحٌ عاتيةٌ تطوّح بالشمعدان الذي وضعته إرِنديرا بلا اهتمامٍ فوق الخِوان في غرفة نومها قبل أن تسقُط بملابسِها على فِراشِها من شِدّة الإنهاك، فيُضرِم الشمعدانُ النارَ في سِتار الغرفة، وتأكلُ النارُ القصر بأكمله فلا يبقى منه إلا هيكل پيانو مُذَهَّب وجذع تمثال وجثة متفحمة للنعامة التي كانوا يربُّونها! تعتبر الجَدَّةُ إرِنديرا مسئولةً تمامًا عمّا حدث وتقرر ألاّ تترُكَها قبل أن تسدِّدَ لها الحفيدةُ هذا الدَّين، والدَّينُ يساوي القيمة الماليةَ للقصر بمقتنياتِه المحترقة!

تبدأ رحلة سداد الدَّين بعَرض الحفيدة على صاحب مخزن القرية وهو أرمل سخيٌّ مع العذارى، ومِن هنا تتحول إرِنديرا إلى بائعةِ هَوىً برعاية جدّتها الدنيئة. تصطحبُ الجَدَّةُ إرِنديرا وما بقي من القصر - فضلاً عن رُفاتِ أماديس الأب والابن – في رحلةٍ طويلةٍ تمُرُّ بعِدّة محطّاتٍ تجبرُها فيها جميعًا على البِغاء. تكبُر إرنديرا وتتحول إلى بَغِيٍّ مشهورةٍ بجمالِها، ما إن تنزل مع جدّتها بلدةً ما حتى يتوافد الرِّجال على خيمتها لقضاء أوطارِهم. وفي كل بلدةٍ يتبعُها صفٌّ طويلٌ من الجوّالين المُشتغِلين بالترفيه من حُواةٍ ولاعبي سيرك ومصوِّر فوتوغرافي.

يقع في غرامِها الشابّ (يوليسِس) أحدُ زبائنها، وهو ابنٌ لمُزارعٍ هولنديٍّ وأمٍّ من هنود الجواخيرو Guajiro – وهم من السكّان الأصليين لشمال كولومبيا – ويطلب أن يتزوجَها، لكنّ إرنديرا تعرفُ مقدَّمًا أنّ الجدّةَ سترفُضُ هذه الزيجة، فهي متمسّكةٌ باحتلاب جسد الحفيدة حتى آخِر پيزو من دَينِها!

تصل إلى البلدة التي حطّت فيها إرنديرا وجدَّتُها رحالَهما أخيرًا إرساليةٌ من المبشِّرين المهتمّين باستنقاذ البَغايا من حياة البِغاء، وينجحون ذات يومٍ في اختطاف إرنديرا إلى مبنى إرساليتهم، ويَكِلون إليها مهمة تنظيف السلّم بعد أن يصعَدَه أو يَنزل عليه أيٌّ من المبشِّرين. تجده إرنديرا عملاً شاقًّا للغاية لكنها تحبّ حياتها بين رهبان الإرسالية وتستكشف في حياتهم أنماطًا من الجَمال والرهبة لم تكن تدري عنها شيئا.

خلال ذلك تحاول الجَدّة بشتّى الوسائل استعادة حفيدتها، فتلجأ إلى عُمدة البلدة ثم إلى أحد المهرّبين العابِرِين بسياراتهم، ولا تنجح مساعيها إلا حين يُقيم رهبان الإرسالية حفل زواجٍ جماعيٍّ، فتصطاد الجَدّة صبيًّا بادِيَ السذاجة وتَعِدُه بعشرين پيزو مقابل أن يتزوج حفيدتَها، ولا يستطيع رجال الإرسالية الوقوف في وجه هذا الزواج بالطبع، لتجد إرنديرا نفسَها من جديدٍ تحت سلطان الجَدَّة الدنيئة.    

يحاول يوليسس الوصول إلى إرنديرا بعد ذلك، وقد اختطف من بستان أبيه ثلاث برتقالات ناضجةٍ من البرتقال السحري الذي يزرعه أبوه، ذلك الذي تحتوي ثمارُه ألماسًا بداخلِها! ينجح في الوصول إليها بسيارة النقل الصغيرة الخاصة بأبيه، ويهرب معها صوب الحدود، لكنّ الجَدّة تلجأ إلى الشرطة التي تقف في صفّها بفعل خطاب التزكية الذي نجحت في الحصول عليه من السناتور (أونيسيمو سانشيز)، وتنجح في استعادة حفيدتها مرّةً أخرى.

تتلاحق الأحداث بعد ذلك إلى أن يتفق العاشقان على التخلص من الجَدّة. يدسّان لها الزرنيخ (سمّ الفئران) في كعكة عيد ميلادها المزدانة باثنتين وسبعين شمعة، وتلتهم الجَدّة معظم الكعكة بالفعل لكنها لا تموت، وكل ما يحدث أنّها تُصاب ببعض الارتباك الذهني وتفقد شعرَ رأسها تمامًا، لكن العاشقَين يُعيدان الكَرَّةَ ويحاولان تفجير الخيمة والجَدَّةُ داخِلَها، ولا تصابُ إلا ببعض الحُروق. في النهاية يطعنها يوليسس بسكِّين المطبخ ثلاث طعناتٍ فيُرديها قتيلة، ويقبض عليه الخَدَم متلبّسًا بجريمته، بينما تفِرُّ إرِنديرا وحدها بصِدار الذهب النفيس الذي كانت جدّتُها لا تنامُ دون أن تلبسَه!

الحِسّ الأنثروپولوچي

في فقراتٍ من هذه القصة الطويلة/ الرواية القصيرة لا نملِك إلا أن نعجبَ لما أجترئ على تسميتِه حِسًّا أنثروپولوچيًّا لدى ماركيز. في مقدمات حفل الزواج الجماعيِّ مثَلاً يحدّثنا عن المهمة التي أخذ المبشرون المسيحيون على عاتقِهم الاضطلاعَ بها، وتتلخّص في محاولة إقناع نساء الهنود الحُمر بحُرمة التّسّرّي. ويقول إنها مهمةٌ شاقّةٌ لأن هؤلاء النساء كُنَّ يعتقدن أن معاشرةَ الرجال على هذه الصورة أيسر من قبول الزواج الشرعي لِما يفرضه الأخير عليهنَّ من العمل الشاق تحت سلطان الرجال. أما الرجال فكانوا – متى تَمّ إقناعُ النساء – يُساقون بالقوة تحت نخس كعوب البنادِق ويُنقَلُون مقيَّدِين لإجبارهم على الزواج من سراياهم.

يعرض لنا ماركيز هذه القضية دون أن يُبديَ انحيازَه لأيٍّ من الطرفَين، فهو يسوقُ مبرراتِ نساء الهنود الحُمر ومبررات المبشّرين في حيادٍ أقرب إلى حِياد أنثروپولوچيا ما بعد الاستعمار، وفي رأيي أنّ هذا يرتبط ارتباطًا وثيقًا بموقفِه الأصيل من كلّ ما يمُتُّ بصِلةٍ إلى أيام التوسُّع الإمپريالي الاستعماري، فهو يترك لنا الإجابة عن أسئلته المُثارة ضمنيّا: أكان الأفضل للسكان الأصليين بالفعل أن يتشرّبوا القِيَم الحضارية التي تخصُّ المستعمِر الأوربي؟ هل جلبَ التوسُّع الأوربي في الأمريكتين خيرًا حَقًّا لأهل العالَم الجديد؟ 

احتشاد الرُّموز

لنا أن نقرأ هذا العمل في مستوى التلقّي الأوّليّ البسيط، حيث نستمتع بتدفُّق السَّرد وثراء التفاصيل وتلاحُق الأحداث واستمرار التشويق إلى النهاية حيثُ تركضُ إرِنديرا دون انقطاعٍ محاذيةً البحر إلى أن تستقبل الصحراءَ وتواصل الركض وتنقطع أخبارُها عن الجميع كما يختمُ ماركيز. والحَقُّ أنّ في هذا المستوى من المتعة ما قد يغنينا عن أن نصبُو إلى تجاوُزِه إلى ما وراءه، لاسيَّما أنّ حكاية إرنديرا هي الأطول والأغنى بالأحداث بين المختارات المُشارِ إليها في بداية المقال مثَلا. لكنّ احتشاد النص بالرموز المحتملة يظلُّ مؤرِّقًا رغم ذلك. والرموز تبدأ بالأسماء. حين نبحث عن أصول اسم (إرِنديرا) نفسِه نجدها تشير إلى الابتسام في لغة الأزتك، أحد الشعوب الأصلية للعالَم الجديد (المكسيك تحديدا)، ولا أدري مدى صِحّة هذه النسبة. لكن في متن الحكايةِ نجد يوليسس حين يعود إلى إرنديرا بعد فترة حرمانِه منها يناديها وهي نائمةٌ بالاسم الذي ابتدعَه كلما فكّر فيها "أريدنير Aridnere"!

واضحٌ أنّ الاسم المُبتدَع مقلوبُ الاسم الأصلي، لكنّ الاسم المُبتدع كذلك وثيقُ الصِّلة مورفولوجيًّا وصوتيًّا باسم (أريَدني Ariadne) ابنة مينوس ملِك كريت في الأساطير الإغريقية، تلك الحاكمة على متاهة المينوتور (الرجُل الثور). والمهمّ هنا هو ارتباط (أريَدني) بالمتاهة. فهل مثَّلَت إرنديرا متاهةً بالنسبة ليوليسس ماركيز؟

أعتقد ذلك، فمصيرُه الذي ارتبطَ بإغوائها حتى تورَّط وحدَه في قتل جدَّتها (ربما تقفُ الجَدَّة معادلاً للمينوتور) يجعلها بالنسبة له متاهةً مثاليّة! وهي متاهةٌ كذلك من حيثُ تعقُّد حياتها وظروفها الاستثنائيّة، فنحن لا نكاد نصدّق أنّ جدَّةً مهما بلغت بها الدناءة يمكنها أن تفعل بحفيدتِها فِعلَ جدّة إرِنديرا! وبَعدُ، فجذور اسم أريَدني باليونانية هي (أرِي) أي الأكثر، و(أدنوس) أي مقدّس، وبالتالي فهي (الأكثر قداسة)! فهل كان يوليسس يفكر فيها باعتبارها كائنًا نورانيًّا مقدّسًا رغم احترافِها البِغاء؟ أم أنّ هذا ما يراه ماركيز نفسُه؟

أما (يوليسس) فهو النسخة اللاتينية لاسم البطل الإغريقي المشهور أوديسيوس بطل ملحمة الأوديسّا، ذلك الذي تدورُ الملحمةُ حول مغامراته في طريق عودتِه من حربِ طروادةَ إلى وطنِه إيثاكا. وحين يبوح الفتى هنا باسمِه لإرنديرا أول مرّةٍ تعلّقُ على اسمِه "إنه اسمٌ جرينجو Gringo" فيستدرِك هو "إنه اسمُ بحّار"، يعني البطل الإغريقي الشهير. وما نعرفه عن كلمة جرينجو أنها تشير في ثقافات أمريكا اللاتينية إلى كل ما هو أجنبيٌّ، خاصةً ما كان ينتمي إلى الولايات المتحدة الأمريكية، لكنّ جذور الكلمة بحسب النظرية الإتيمولوجية الأكثر قَبولاً تعودُ إلى كلمة Griego أي يوناني! والخلاصةُ أنّ ماركيز يبدو كمَن يقلِب ملحمةَ أوديسيوس على رأسها فيجعل البطل مجرَّد فتىً ساذَجٍ يتبع هواه إلى أن يُورِدَه موارِد التهلُكة.

ويعنينا هنا أن نشير إلى تأويلٍ منتشِرٍ لهذه الحكاية، يجعل إرنديرا رمزًا لأرض أمريكا اللاتينية المغتصَبَة المنهوبة ثرواتُها، وهو تأويلٌ واردٌ جدًّا، يمكن أن يفتح بابًا لتأويلاتٍ أخرى متّصِلة بشخصيات الحكاية، فالجَدَّةُ التي تعيش في عالَم ذكرياتِ مجدها القديمِ وتحرص على رفاتِ زوجها وابنِها المهرِّبَين الراحِلَين تمثّل الأسلافَ الأوربيِّين لشعوب أمريكا اللاتينية المعاصِرة، وهي تُطالِب حفيدتَها بِرَدَّ دَينٍ غير معقولٍ كما طالبَ المستعمرون الأوربيون اللاتينيين ضمنيًّا برَدِّ دَينِهم الحضاريِّ لأوربّا فأثقلوا كواهِلَهم بهذا الدَّين إلى أن وصلَ الأمرُ إلى حالة الفساد التام الذي تنضح به حكايات ماركيز. ويوليسس هو الوجهُ الآخَر لهذا الماضي الأورُبّي وإن كان يلبس لُبس الحداثة، يمزِّقُه ماركيز هنا ويُوصِلُه إلى نقطة اللاعودة، ليبقى المجالُ مفتوحًا لإرنديرا وحدَها، تستمتع بأقلّ حقوقِها متمثلاً في الصدار المحشُوِّ ذَهَبا. إنها تنفلِت من بين أيدي جدّتها الدنيئة وعاشقِها الغرير أخيرًا إلى مستقبلٍ مجهولٍ ربما يكون موضوعًا لحكاياتٍ أخرى تكتبُها أجيالٌ لم تُولَد بعد!   

ولعلَّ الإشارة المتكررة إلى اعتياد الجدّة النومَ اليقِظ – أي الحديث نصف الواعي أثناء نومها – ووراثة إرنديرا لهذه العادة، لعلَّها رمزٌ هي الأخرى إلى أوهام (أوربا القديمة) التي مازالت تعيش ماضيَها وتطالبُ الجميعَ بالعيش فيه، في مقابلِ حالة الخَدَر المسيطِرة على لاتينِ الأمريكتَين فكأنّ حياةَ هذه الشعوب كحياة السائرِين نِياما!


الواقعية السِّحرية

ادَّخَر ماركيز لمسات واقعيتِه السحرية ليوليسس وعائلتِه الهجينة. فالبرتُقال الذي يُثمر وفي داخلِه الألماس في مزارع أبيه، وهو يهرِّبُه عبر الحدود ليربح من ورائه أموالاً طائلةً، وثلاث برتقالاتٍ تكفي ليحلم الفتى بأن يصطحب حبيبتَه في رحلةٍ عبر العالَم. هذا فضلاً عن اللحظة التي تطلُبُ فيها أُمُّه أن يناولَها الدواء وكوبَ الماء، فلا يلبث الماء أن يتحول إلى اللون الأزرق بمجرّد أن يلمسَه، فتستشِفُّ الأُمُّ أنَّ ابنَها واقعٌ في الحُبِّ لأنّ هذا لا يحدث إلا مع العاشِقِين!  

ربما أراد لنا ماركيز أن نرى في عالَم مُوَلَّدِي أمريكا اللاتينية Mestizaje/ Casta عالَمًا لامعقولاً، حيث تختلط قِيَم الأوربي الأبيض بالهنديّ الأحمر ويتحول الأمر إلى سِحرٍ مستعصٍ على التعقُّل! هذا في مقابل عالَم إرِنديرا المُجدِب، حيث الفتاة مشدودةٌ بجسدِها ورُوحِها إلى خدمة الجدَّةِ، في القصر أوّلاً، ثُمّ في ساقية البِغاء التي تدورُ بها في شقاءٍ لا ينقطع، فليس ثَمَّ مكانٌ لتلك الوقائع الحُلُمِيّة، وليس لها نجاةٌ إلا بالانفلات من عالمِها بالكُلّيّة.

الشخصيات وحياتها المستقلّة

جديرٌ بالذّكر أنّ إرنديرا وجدّتها تظهران ظهورًا خاطفًا في رواية ماركيز الأشهر (مائة عامٍ من العُزلة)، حيث تقابلُ إرنديرا (أورليانو) في مَبغَىً ويَعِدُها بالزواج ليفاجأ في اليوم التالي باختفائها هي وجَدَّتِها. كذلك حين تسأل الجَدَّةُ يوليسس هنا "ماذا حدثَ لجناحَيك؟" يجيبها: "جدّي هو مَن كان له جناحان، لكن لا أحد صدَّقَ هذا"، فكأنه يشير إلى شخصية "الرجُل العجوز ذي الجناحَين العظيمَين" من القصة التي تحمل نفس الاسم لماركيز! أما السناتور (أونيسيمو سانشيز) الوارد هنا عرَضًا فهو بطل قصة (الموت ثابتٌ وراء الحُبّ Death Constant Beyond Love) التي ترجم (محمود مسعود) عنوانها في هذه المختارات إلى (امرأة حياتِه).

والشاهد أنّ شخصيات ماركيز لا تنتهي بنهاية العمل المحدَّد الذي نصطدم بها في متنِه أولَ مرّة، وإنما تكرر الظهور في أعمالٍ أخرى، فتأخذ دور البطولة أو أحد الأدوار الثانوية. ولعلَّ هذا يلفتُنا إلى لامركزية الشخصيات في عالَم ماركيز السرديِّ، فكلُّ شخصٍ هو بطلٌ في قصةٍ ما، وهو ما لا يَبعُدُ أن يكون انعكاسًا لموقِف ماركيز المحتفي بالهامش والمُهمَّشِين، وتجلّيًا لأدب ما بعد الاستعمار الذي يرفُضُ إقصاء أيِّ شخصٍ استنادًا إلى أوهامِ تفوُّقٍ مِن أي نوع. 

وحِين يذكُر يوليسس جناحَي جَدِّه فإنّ ما يفعله بالضبط هو أن يكسر ما اصطُلح على تسميته بالجدار الخامس، وهو ذلك الحاجز الوهميّ بين عملٍ سرديٍّ ما (قصةً كان أو مسرحيةً أو غير ذلك) والأعمال السرديّة الأخرى التي ظهرت فيها نفس الشخصية. إنه أمرٌ يقوم به الممثلون المشهورون حين يذكّرون جمهورَهم في المسرح أو السينما بأعمالٍ قديمةٍ ظهروا فيها. وهنا يبدو حرص ماركيز على أن تكون لشخصياته حيواتُهم المستقلّة التي نعرف عنها بعض الأمور ممّا يسرده، لكنَّ لها أسرارَها التي ربما لا تظهر في أي نصٍّ لمُبدِعِها! هي سِمَةٌ من سمات أدب ما بعد الحداثةِ إجمالاً، تُعَدُّ ملمحًا من ملامح الميتا- سَرد، حيث تلفِت المتلقّي إلى خياليّة ونصّيّة ما يقرَأُه، وبالتالي إلى هشاشة عالَم الخَلق الفني كُلِّه، وهي هشاشةٌ يمكنّها أن تمتدَّ ببعض التأمُّل إلى حياتِنا ذاتِها، فرُبَّما كُنّا نحن أيضًا مجرَّدَ خلقٍ فنّيٍّ على ورقٍ، لا أكثر!