أفكَار

كورونا.. قصة صراع العلم والسياسة في أمريكا وأوروبا

جائحة كورونا تربك قادة العالم وعلماءه وتعيد رسم العلاقات بين السياسة والعلم- (الأناضول)

لم تفلح جهود العلماء بمختلف اختصاصاتهم ولا القادة السياسيين في مختلف أصقاع العالم من الوصول إلى الوصفة المناسبة لوضع حد لانتشار جائحة كورونا التي أقضت مضحع العالم، وملأت حياة سكانه بالرعب.. ومثلما أثارت جائحة كورونا جدلا فكريا لازال محتدما حول حدود العلاقة بين الدين والعلم، لا سيما مع فشل العلماء في تقديم التفسيرات العلمية واللقاح المناسب لهذا الوباء، فقد أثارت مواقف عدد من قادة العالم الذين وجدوا أنفسهم مجبرين في كثير من الأحيان على المقايضة بين القيم الإنسانية والمصالح الاقتصادية، جدلا حول طبيعة العلاقة بين العلم والسياسة.

وقد كانت مقولة رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين عالم المقاصد المغربي الدكتور أحمد الريسوني، الذي رأى أن العالم يقوده الأطباء والعلماء، في توصيف لحالة الموات التي اجتاحت ولا تزال شوارع أهم العواصم العالمية التي لم يكن أحد يتوقع بهدوئها الصادم..

الكاتب والباحث المغربي، بلال التليدي، يقدم في هذه الورقة الخاصة بـ "عربي21"، مسار التعاطي الدولي مع جائحة كورونا، انطلاقا من الصين حيث انطلقت وصولا إلى الولايات المتحدة الأمريكية مرورا بأوروبا الغربية، محاولا تسليط الضوء في كل ذلك عن الخيط الرابط للعلاقة بين العلم والسياسة، والعلم والاقتصاد.  

العلم والسياسة.. توتر قديم

أبانت جائحة كورونا عن مشكلة كبيرة في العلاقة بين العلم والسياسة، علاقة طبعها أحيانا التوتر، واتسمت في أحسن الأحوال بعدم التلاؤم، وطرحت أسئلة جديدة على قوانين الحداثة التي تحكم العلم، وتجعل كلمته نافذة لاسيما في مثل هذه النوازل ذات الطبيعة الفيرولوجية (ٍVirologie).

والحقيقة أن هذا التوتر أو عدم التلاؤم بين العلم والسياسية، لم يصل حد استدعاء لحظة القرون الوسطى، وما ارتبط بها من ملابسات دينية ومصلحية، لكنه، في المقابل، عاد بها إلى لحظة ما قبل الحداثة، بالمعنى الذي يفيد التشكيك في بعض قوانينها، المرتبطة، بسلطة العلم في البت في عدد من المشكلات، بل وقدرته على التوقع والاستشراف، وعمله بمبدأ تدبير المخاطر المحتمل حصولها.

لا يهمنا هنا تناول البعد الآخر في المسألة، والمرتبط بعجز العلم إلى اليوم عن الإجابة عن هذا التحدي، واكتشاف اللقاحات التي تجنب العالم هذه المأساة، ولا يهمنا حتى الضغط الذي تمارسه السلطة على المختبرات العلمية من أجل الإسراع في إيجاد لقاح لهذا الفيروس القاتل، فهذا كله لا يخرج عن قوانين الحداثة، بل هو من إكراهاتها وضروراتها، فالزمن جزء أساسي في تكوين الحداثة، كما أن ارتهان السلطة للعلم، حتى بالشكل الذي تبدو فيه تمارس الضغط على العلماء، فذلك، هو جوهر الحداثة، لكن ما يهمنا هنا بشكل رئيس، هو الصراع الذي تبدو فيه كلمة العلم غير مرغوبة، أو تبدو فيه كلمة السلطة هي الغالبة، ولكمة العلم ثانوية، أو أحيانا مرتبطة بمتطلبات الأمن والاستقرار.

في بدء الجائحة بالصين، كانت الكلمة للسلطة

بدأت القصة في الصين، وذلك عند ظهور أول حالة في شهر تشرين ثاني (نوفمبر) 2019، ولجأ الدكتور الصيني لي وينليانغ إلى بعث تحذير إلى السلطات في الصين، من مخاطر هذا الفيروس على الصحة العمومية بالصين، فكان للسلطة رأي آخر، إذ تدخلت بكل قوة، وألزمته بكتمان الأمر، وبالتعهد بعدم نشر أي معلومات بشأن مخاطر هذا الفيروس على صحة الناس وسلامتهم.

لكن بعد انتشار الجائحة في مدينة ووهان، وانطلاق دراسات علمية لتحديد طبيعة الفيروس، وجينومه الوراثي وتسلسل حمضه النووي، انطلقت أولى الآراء العلمية في الصين، توصي بالعزل الصحي والتباعد الاجتماعي، وتعليق الدراسة وإغلاق الأماكن التي يتجمع فيها الناس مثل المقاهي والمطاعم والملاعب والمسارح وغيرها، والاكتفاء بالحد الأدنى من النشاط الاجتماعي.

وقد بني هذا الرأي العلمي على فكرة تقليص معدل انتشار هذا الفيروس والحد من توسعه، ما دام النظام الصحي يواجه تحديين أساسيين: الأول، عدم امتلاكه للقاحات لهذا الفيروس، والثاني، محدودية إمكاناته بالنظر إلى توسع دائرة المصابين ووصولها إلى مستويات خارج السيطرة.

المعلومات الأولية التي وردت عن طبيعة الفيروس، قللت من خطورته، وقصرتها على المسنّين أو ذوي الأمراض المزمنة، ممن تقل عندهم المناعة، مما فتح المجال لنقاش واسع لدى صناع القرار السياسي في الغرب، حول منهجية التعامل مع هذه الجائحة، وأعطتهم بابا للتنافس فيه مع علماء الفيروسات، بل وتوجيه آرائهم بحسب مصالح الاقتصاد ومراكز النفوذ.

لكن الدراسات التي انطلقت بعد ذلك، بناء على حالات الإصابة المؤكدة في الصين، ونسبة الوفيات، والمعطيات المتعلقة بالعمر والجنس والحالة الصحية للمصابين والمخالطين، غيرت كثيرا من المعطيات التي وردت في الدراسات الأولية، بما زاد من تأكيد الحاجة إلى الحجر الصحي واتخاذ إجراءات قاسية سيكون لها تأثير كبير ومضاعفات جد سلبية على النشاط الاقتصادي.

ترامب وجونسون.. الاستهتار بالوباء والاستنكاف عن رأي العلماء

في التاسع من آذار (مارس) الماضي، خرج ترامب بتصريح مثير، قارن فيه ضحاياي الكورونا بضحايا الأنفلونزا العادية في الولايات المتحدة الأمريكية، وتحدث عن وفاة 37 ألف أمريكي من الإنفلونزا العادية، وأشار إلى أن هذه النسبة العالية من الوفيات لم تؤد إلى إغلاق أي شيء أو توقيف الحياة وحركية الاقتصاد، وبدل أن يخاطب الشعب الأمريكي بالاستشارات المفترض قيامه بها لعماء الفيروسات، دعا الشعب بشكل مباشر للتفكير في تلك المقارنة التي أجراها، والتي يلخص مضمونها، تفضيل الاقتصاد على حياة الناس، والاستعداد بالتضحية بـ 37 ألف أمريكي من أجل ضمان استمرار الأنشطة الاقتصادية.

 



أما رئيس الوزراء البريطاني، جونسون، فقد استمالته في البدء أحد الآراء العلمية التي تتبنى مفهوم "مناعة القطيع"، وذكرت صحيفة "الإندبندنت" توجه الحكومة البريطانية إلى الحدّ من تأثير الفيروس من خلال السماح له "بالمرور عبر السكّان جميعهم وذلك حتى يكتسب الجميع "مناعة القطيع" Herd Immunit.

ويقوم هذا الرأي العلمي، كما وضحه البروفيسور مارك وولهاوس، أستاذ علم الأوبئة والأمراض المعدية في "جامعة إدنبرة" لصحيفة "إندبندنت"، على قياس حالة التطعيم الجماعي، بحالة المناعة الطبيعية في الجسم، أي أنه في حالة ما إصابة الوباء لعدد كبير من السكان، فإنهم بفعل مناعتهم الطبيعية، سيكتسبون مناعة قطيع تجعل الفيروس غير قادر على التسبب في وباء يعصف بالسكان.

 



وبحسب المجلة الأمريكية الـ"فورين بوليسي"، فقد شكك العديد من كبار الأطباء البريطانيين في الأساس العلمي المعتمد لتبني سياسة مناعة القطيع التي أعلنها جونسون، وطالبوا الحكومة البريطانية بنشر أدلة تكشف سبب عدم مسايرتها لنفس السياسة التي اتبعتها عدد من دول أوربا في الإغلاق الفوري، بل إن منظمة الصحة العالمية في بيان صادر عنها، عن الفارق بين المناعة المطورة ضد سلالات الانفلونزا وبين فيروس كورونا، وأكدت في هذا السياق، أن فيروس كوفيد 19، هو فيروس جديد لا يملك أحد مناعة ضده، بما يعني أن مزيدا من الناس سيكونون عرضة للإصابة وبعضهم قد يعاني من مرض شديد بسببه.

في الولايات المتحدة الأمريكية، كما في بريطانيا، لم ير العالم تقليد اجتماع اللجان العلمية لتوحيد الرأي العلمي حول طريقة مواجهة هذا الفيروس، ولا نشرت الدراسات التي اعتمدتها الإدارة ألأمريكية والحكومية البريطانية لتقرير الاستراتيجية الأولى التي تم تبنيها، وعمت الشكوك في أن يكون الدافع الأساس للانعطاف لبعض الآراء العلمية، هو مصالح لوبيات مراكز الأعمال، والخوف من حدوث انتكاسة للاقتصاد، وهو ما تم التعبير عنه بوضوح كبير في لغة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي دعا الأمريكيين للتفكير والمقارنة بين استمرار الحياة والاقتصاد وبين تحمل موت 37 ألف أمريكي، وهو العدد الذي مات أو يموت أكثر منه في حالات أنفلونزا عادية !

فرنسا.. شكوك حول المستندات العلمية لاستراتيجية ماكرون لمواجهة كورونا

فرنسا التي تأخرت كثيرا في اعتماد استراتيجية صارمة لمواجهة كورونا، هي الأخرى عرفت هذا الصراع الخفي بين السياسة والعلم، بل في هذا البلد، أخذ هذا الصراع جبهتين اثنتين: تتمثل الأولى في المستندات العلمية لتبني سياسة العزل الصحي، وتتعلق الثانية بتوجه فرنسا لاعتماد دواء الكلوروكين لمعالجة المصابين بداء كورونا.

 



البرفيسور ديدييه راوول، الذي يعتبر أحد المراجع الدولية في مجال علم الفيروسات والأمراض المعدية، انتقد بشدة سياسة الحكومة في مواجهة الوباء، واعتبر أن سياسة الحجر الصحي المعتمدة تنتمي إلى العصور الوسطى، وطالب بضرورة تبني التجربة الكورية الجنوبية بإجراء فحوصات مكثفة على الأراضي الفرنسية لاكتشاف الحالة المرضية لعزلها ومعالجتها، بل ذهب به الموقف إلى حد الامتناع عن المشاركة في المجلس العلمي الذي يقدم المشورة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لمكافحة الفيروس، تشكيكا منه في فاعلية هذا المجلس وسلطته أمام سلطة الرئيس وحكومته.

من جانب آخر، برز الصراع مرة أخرى على خلفية اعتماد دواء الكلوروكين الذي اعتبره البروفيسور راوول فعالا، بينما تحفظت الحكومة الفرنسية على ذلك، في بادئ الأمر، بعد أن تقرر في الأخير اعتماده في علاج الحالات الحرجة، بعد أن انتشر المرض وضاقت قدرة النظام الصحي عن استيعاب حالات الإصابة، وتم التخوف من ارتفاع نسبة الوفيات في فرنسا.

الفيلسوف الفرنسي مارسيل غوشيه في الحوار الذي أجراه معه مارتن لوغرو في مجلة: "Philosophie Magazine" انتقد بشدة عدم شفافية السلطات الفرنسية في إدارة الأزمة، وقال: "كان المفروض إذا ما بنت السلطات الفرنسية قرارها واستراتيجيتها على رأي علمي أنتجته لجنة علمية مختصة (من علماء الفيروسات والأوبئة) أن تعرف هذه اللجنة من هي؟ وأن تنشر بحوثها وتوصياتها، وتوضح المعلومة وتكون في ملك الجمهور بنشرها في موقع رسمي لهذه اللجنة، ففرنسا بكل جمهورها تثق في العلم، لكن العلم حسب مارسيل غوشيه ينبغي أن يكون علنيا، ولا ينبغي في عصر العلم والحداثة أن يتم الحديث عن لجنة سرية بتوصيات سرية، فإذا كان العلم يوفر أرضية متينة لاتخاذ القرار، فإن القرار السياسي هو الذي يحسم في هذا الاتجاه أو ذاك بالاختباء والتخفي وراء العلم والعلماء.

ألمانيا تحترم نتائج العلم.. حالة فريدة في أوروبا

المثير للانتباه في قرارات عدد من صناع القرار السياسي الذين انتصروا للسياسة بدلا عن العلم، وحاولوا توظيف بعض الآراء على حساب بعض، أن كل هؤلاء لم يثبتوا على سياسة واحدة، فبريطانيا التي تبنت سياسة مناعة القطيع، راجعت سياستها بشكل سريع بعد أن فاجأها انتشار الوباء، والولايات المتحدة الأمريكية التي استهتر رئيسها بهذا الوباء، سرعان ما ارتدت إلى لغة الواقع بعد أن صار وباء كورونا سلاحا قويا في يد منتقدي الرئيس ترامب من الديمقراطيين، وفرنسا نفسها سرعان ما انتهت سياستها إلى استخدام دواء الكلوروكين بعد أن كانت تنظر إلى دراسات البروفيسور راوول بكثير من التنقيص والسخرية.
 
حالة فريدة في أوروبا اتسمت بقدر من التلاؤم مع العلم والثبات في السياسة، هي حالة ألمانيا، فقد كان قرارها السياسي منذ البدء منسجما، فتبنت التجربة الكورية الجنوبية، بزيادة عدد الفحوصات وتكثيفها (حوالي 300 ألف إلى 500 ألف فحص أسبوعيا)، ووضع المرضى في الحجر الصحي، وذلك لمنع استنفاد طاقات نظامها الصحي، وتتجه ألمانيا إلى زيادة الفحص إلى 200 ألف فحص يوميا.

 



لم تعتمد ألمانيا سياسة الحجر الصحي، ولكنها في المقابل لم تعتمد سياسة مناعة القطيع، وإنما لجأت إلى خيار وسط، من خلال منع كل الأماكن التي لا يتحقق فيها التباعد المنصوح به طبيا (متر أو متر ونصف)، ومنعت اجتماع أكثر من شخصين في الشارع، مع تخيير الموظفين والمستخدمين بين الذهاب لمقرات العمل وبين العمل عن بعد.

دونالد ترامب.. من تبخيس العلم إلى اتهامه

على أن نقاط التوتر والصراع لم تقف عند حد إهمال نتائج العلم، أو ممارسة الانتقاء ضمنها بما يخدم مصالح السلطة ومراكز النفوذ المالية والاقتصادية، وإنما انتقل في حالة ترامب إلى اتهام منظمة الصحة العالمية بالتواطؤ مع الصين، وتبني دراسات ضللت العالم، وضللت الولايات المتحدة الأمريكية، وتهديدها بوقف الإعانات الأمريكية لها، وهي الخطوة التي وصفت بكونها هروبا إلى الأمام ومحاولة للتنصل من مسؤولية السياسات البهلوانية التي قام بها لمواجهة وباء كورونا، إذ لم يجد ترامب بعد أن تبوأت الولايات المتحدة الأمريكية صدارة الإصابات المؤكدة بداء كورونا واحتلت المرتبة الثانية عالميا من حيث الوفيات، مخرجا له من هذا الركن الضيق سوى اتهام منظمة الصحة العالمية، ومحاولة تسييس الوباء.

كما استمر ترامب في إهمال رأي علماء الفيروسات في تصريحه بفعالية استخدام هيدروكسي كلوروكين، وأفيجان المستخدمين في علاج الملاريا، في علاج المصابين بكورونا، وذلك خلال مؤتمراته الصحفية اليومية داخل البيت الأبيض، ومارس ترامب ضغوطا رهيبة على إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (أف دي أي) للقبول باستخدام سريع لهذين العقارين، على الرغم من مخاوف عدد من الخبراء وكبار الأطباء الأمريكيين من مخاطرهما، وآثارهما الجانبية المؤكدة.

ويثير عدد من الأطباء شكوكا حول ميل ترامب لاستعمال هذه الأدوية دون استشارة المختصين، ولا يخفي البعض في تدوينات وتغريدات على التويتر إمكاينة وجود تواطؤات مع مختبرات أدوية تنتج هذه الأدوية، من أجل تحقيق أرباح مالية ضخمة عبر استغلال حاجة المرضى لهذه العقاقير للعلاج من داء كورونا.

وهكذا فإن علاقة العلم بالسياسة، وقبل ذلك العلم بالاقتصاد، لا يكتنفها الغموض فحسب، بل هي أكثر تعقيدا مما أثير حول العلاقة الملتبسة بين الدين والعلم في تفسير مثل هذه الجوائح.. ومما لا شك فيه أن التفاعلات التي عرضنا لنماذج منها في الولايات المتحدة الأمريكية وأروبا الغربية وبعض دول آسيا، تشر إلى جملة من التحولات السياسية والعلمية العميقة، وهي تحولات تتباين آراء علماء الطبيعة والاجتماع والسياسة في قراءة اتجاهاتها وطبيعة مآلاتها.