أخبار ثقافية

الجامعات العربيّة بين التوجّه للماضي والتوجّه للمستقبل

CC0

لا يخفى على المتابع لحال البحث العلميّ والدراسات الأكاديميّة ما تعانيه الجامعات العربية من ضعفٍ وتراجعٍ في التأثير على سياق الإنتاج المعرفيّ في العالم، وعلى البنى الاقتصاديّة والثقافيّة في الفضاء العامّ على المستوى المحلّيّ. ويمكن القولُ، وبجرأةٍ كبيرةٍ، إنّ ما تواجهه الجامعات والمراكز البحثيّة من عقبات لا يختلف عمّا يواجهه غيرُها من المؤسسات الإنتاجيّة والخدميّة في الدول العربيّة من ضعفٍ وترهّل، وأصبحت الجامعاتُ العربيّة أكثرَ تأثّرا بما يحيط بها من فساد وعشوائيّة من تأثيرها فيه، في الوقت الذي يُفترض فيه أن تقود الجامعاتُ المعرفة والثقافة، وأن تعمل على تصحيح القيم وتحريك المياه الراكدة على المستويات المختلفة سياسيّا وثقافيّا واجتماعيّا، كما هو الحال المشهود والمعروف في تاريخ النهضة الحديثة في كافّة أنحاء العالم.

الأمر الأكثر إيلاما هو أنّ الجامعات ومؤسسات التعليم العالي العربيّة لا تبني أسسا لتقدّم عملها ولحلّ المشكلات التي تعيق تقدّمها، بل العكس هو الذي يحدث، مع استثناءات قليلة جدا، فقد كانت الجامعات في العقود الماضية في حالٍ أفضلَ مما آلت إليه مؤخّرا، ووصل التقهقر الواضح حدّا خطيرا؛ بعد أن كانت الجامعات العربيّة في نشأتها الأولى تعمل بناءً على تصوّرات تنمويّة، تخدم بالأساس مشروع الدولة، وأخذت انطلاقا من تلك التصوّرات بالبناء والتطوير على مستوى البنية التحتيّة والقوى البشريّة، وأمّنت جزئيّا المجتمعات بالمهارات المهمّة، وكانت على اتصالٍ نامٍ بالمعارف الحديثة المُنجزة في مراكز البحث والتعليم في العالم من خلال البعثات العلميّة والعمليّة والتبادل الأكاديميّ، وخلق فرصٍ للمتميّزين.

بدلا من البناء على ذلك والاستمرار فيه، أصبحت الجامعات بيئةً طاردةً للمتميّزين من للباحثين والمشتغلين في التعليم الذين يفضّلون الهجرة إلى أماكنَ أفضلَ ليس على المستوى الاقتصاديّ فحسب، وإنّما أيضا على المستوى البحثيّ والعلميّ. ذلك أنّ تغوّل قوى الفساد المسيطر في الدول العربيّة على مفاصل الحياة كلّها وصل إلى الجامعات وغيّر من طبيعتها وجعلها مُعطِّلة للبحث المتميّز أكثر منها مشجّعة عليه، على الرغم من الشعارات الجوفاء عن التقدّم وتحفيز البحث والتطوّر، فكلّ تلك الشعارات لم تجعلها تقدّم اكتشافاتٍ ولا جعلت منتسبيها منافسين فعليّا في المشهد المعرفيّ العالميّ.

 

اقرأ أيضا: الفلم الكوري "المتطفّلون": الضحك المؤلم والطبقيّة الحارقة

 ليس غريبا في العديد من الجامعات العربيّة غياب الأعراف الأكاديميّة الراسخة في دول العالم، مثل أنظمة ضبط العمل فعليّا لا نظريّا فحسب، ومراقبة نظام العلامات، ومقدار التدريس المطلوب من الأكاديميّ ليتوازى مع البحث العلميّ ونوعيّته، وتضارب مصالح الأكاديميين مع أنظمة العلامات، وأسس القبول في البرامج الأكاديميّة. وللتمثيل على النقطة الأخيرة، سنصاب بدهشة كبيرة عندما نعرف أنّ عدد المقبولين في أيّ كليّةٍ من كليّات الطبّ في الجامعات العربيّة أكبر من المقبولين في مثيلتها في جامعة هارفارد الأمريكيّة التي يعمل في مستشفياتها العديدة أكثر من عشرة آلاف اختصاصيّ بناء على المعلومات المذكورة في موقع الكليّة. هذا يكشف عن فارق كبير ليس فقط في نوعيّة المخرجات التي تقدّمها الكليّة للمجتمع والدولة، وإنّما أيضا يكشف عن فارق في فلسفة الكليّة بين تحقيق ربحٍ مباشرٍ بالاعتماد على أعداد الخريجين بغض النظر عن مهاراتهم، أو تحقيق أرباحٍ من خلال اكتشافات وأبحاث ومهارات عليا يمتلكها خريجوها!   

ومما لا شكّ فيه أنّ هذه الفلسفة في التعليم التي تسعى إلى تحقيق الأرباح من أعداد الخريجين وليس من نوعيّة المهارات التي يمتلكونها تجعل الجامعات لا تختلف في الجوهر عن نمط التعليم الشعبيّ غير الرسميّ الذي كان يلعب دورا في نشر المهارات الأساسيّة مثل القراءة والكتابة والحساب وربما بعض أسس التطبيب والإسعاف، لكنّه لا يقدّم اكتشافات ولا يطوّر فلسفة ومقاربات جديدة للحياة والوجود. وهذا بالضرورة ما ستؤول إليه الجامعات إن استمرّت في ابتعادها عن توفير ظروف البحث والتعليم النوعيّ؛ ستؤول في النهاية إلى مراكز لتدريس تاريخ العلوم وليس لتدريس العلوم التي تُطبّق في واقع الأمر.

ويمكن هنا التفكير في طبيعة العلاقات التي تملكها الجامعات مع المصانع والشركات الكبرى، هل توجّه الجامعات أبحاث منتسبيها طلبةً وأساتذةً لخدمة مشاريع تلك المصانع والشركات وتحصل بعد إقناعها على تمويلها وتنفيذ أبحاثٍ لها؟ وبناء على ذلك، يمكن الحديث عن توفّر بيئة تدريبيّة وتعليميّة في الجامعة تجعل خرّيجيها ينافسون بمهاراتهم في سوق العمل؛ فخريجو الصيدلة أو الكيمياء على سبيل المثال يعملون في شركات الأدويّة برواتب لا تتجاوز كثيرا الحدّ الأدنى للأجور بناء على الخبرة والمهارات التي يملكونها، وبعد الحصول على بعض تلك المهارات والخبرة تُضاعف أجورهم؛ وهذا يعني أنّ مهاراتهم الجامعيّة عبارة عن كليّات عامة ربّما يملكها معظم خريجي كليّات العلوم الطبيّة والطبيعيّة أو يستطيعون الحصول عليها بوقت وجيز للغاية.  

ومن المهمّ في هذا السياق الإشارة  إلى تراجع نسبة الابتعاث والإيفاد إلى الجامعات الكبرى في العالم للحصول على الشهادات والتدريب وللطلاع على مناهج البحث المستخدمة فيها وطرق التفكير ليس فقط في البحث العلميّ، وإنّما أيضا في الحياة والسياسة والثقافة. حافظ الإيفاد تاريخيّا على شيء من الاتصال مع جامعات العالم عبر عقود من الزمن، ووفّر قدرا من المهارات والمعارف المهمّة للغاية. إنّ تراجع نسبة الإيفاد وانتقال العاملين في البحث العلميّ بين الجامعات ومراكز البحث يؤدّي إلى عزلة عن السياق العالميّ ويجعل هذه الجامعات تتجه إلى الوراء. وبالطبع، الإيفاد لا يساهم في حلّ مشكلة الجامعات إن لم تتوفّر الفرصة لخلق فلسفة جديدة في التعليم، وكفّ يد الفساد والتدخّلات فيها التي تفقدها الاستقلاليّة والقدرة على البناء والاتجاه نحو المستقبل.