كتاب عربي 21

فُرص ضاعت وفُرص لم تضع

1300x600
لا تكل الدعاية الإسرائيلية والغربية عن الإعلان للعالم أجمع عن سعي إسرائيل الأزلي من أجل السلام، وكم هي تواقة لأن تحظى بقبول الفلسطينيين وباقي الشعب العربي بها كدولة يهودية وكواحة من الحضارة الأوروبية في قلب الصحراء العربية.

وفي مقابلة له على شاشة "سي إن إن"، بخصوص "صفقة القرن"، حذر جارد كوشنير، صهر الرئيس دونالد ترامب ومستشاره، الفلسطينيين بأن رفضهم للصفقة سيقوّض "فرصة أخرى، كما كانوا قد فرّطوا من قبل بكل فرصة سنحت لهم في حياتهم"، مكررا الحِكمة العنصرية المنسوبة لوزير الخارجية الإسرائيلي الراحل أبا إيبان (المولود في جنوب أفريقيا باسم أوبري سولومون ماير) بأن العرب والفلسطينيين "لا يفوتون فرصة لتفويت الفرص" من أجل تحقيق "السلام". ولا نملك هنا إلا أن نتسامح مع كوشنير، وهو مصمم رئيس لخطة ترامب، لافتقاره لقدرات الابتكار واضطراره لمحاكاة آبا إيبان، حيث أن الصهاينة قد استهلكوا واستنفدوا القاموس الاستعماري وكليشيهاته العنصرية بأكملها، ولم يعد بمقدورهم سوى تكرارها دون كلل أو ملل.

ما يعنيانه إيبان وكوشنير عندما يتحدثان عن الفرص هي فرصة الفلسطينيين للتخلي عن جميع حقوقهم لصالح الاستعمار اليهودي الصهيوني لوطنهم وفرصتهم للتخلي عن مقاومتهم لهذا الاستعمار دون رجعة، وكذلك فرصتهم لمنح الشرعية للسرقة الصهيونية لوطنهم. وخطة ترامب الأخيرة متسقة تماما مع هذا الفهم ولا تحيد عنه قيد أنملة، حيث يطالب "القادة الفلسطينيين بأن يتبنوا السلام من خلال الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية، وأن يرفضوا الإرهاب بجميع أشكاله".

وفي المقابل، يقال لنا بأن الصهاينة المحبين للسلام لم يفوّتوا فرصة واحدة للسلام، وهو ما يعنيه بأنهم قد قبلوا كل فرصة تمنحهم الشرعية للسرقة المستمرة لأراضي الفلسطينيين. ففي واقع الأمر، لم يقم الصهاينة فقط بعدم تفويت هذه الفرص، بل لقد قاموا بالتحريض عليها، وباقتراحها، والتخطيط لها، ناهيك عن تنفيذها.

لقد اقتنص الاستعمار الصهيوني لفلسطين منذ نشأته كل الفرص للإعلان للشعب الفلسطيني بأن اليهود متفوقون عليهم، وبأن الحقوق الاستعمارية اليهودية في الأراضي الفلسطينية تفوق أية حقوق يعتقد الفلسطينيون الأصليون أنهم يملكونها، وأن الخيار الوحيد المتاح للفلسطينيين والذي يقبل به الصهاينة هو الاستسلام الكامل للاستعمار اليهودي.

ستتم إدانة أي خيار دون هذا من قبل إسرائيل وحلفائها في أوروبا وأمريكا الشمالية، إدانة تصحبها حملة عالمية لنزع الشرعية عن أي رفض لسرقة إسرائيل الاستعمارية لأراضي الفلسطينيين، باعتبار هذا الرفض "معاداة السامية" بعينها.

لقد ساهم الصهاينة في كتابة وعد بلفور في عام 1917 ومن ثم قاموا بالموافقة عليه! وقد همّش وزير الخارجية البريطاني بلفور في وعده هذا الشعب الفلسطيني الأصلي باعتباره غير ذي صلة بخطة إقامة "وطن قومي" لليهود في بلده. كما أيّد الصهاينة أيضا الانتداب البريطاني الاستعماري على فلسطين، الذي رعى مشروع إنشاء مستعمرة استيطانية يهودية على الأراضي الفلسطينية.

في الواقع، قبلت القيادة الصهيونية كل الإجراءات التي طبقها البريطانيون، والتي حرمت عشرات الآلاف من الفلسطينيين من الجنسية الفلسطينية (من خلال قانون الجنسية الفلسطينية لعام 1925 الذي وضعه البريطانيون) ونقلت أراضي "الدولة" في فلسطين إلى المستعمرين اليهود.

عندما اقترحت لجنة بيل البريطانية في عام 1936 الاستيلاء على أكثر من ثلث فلسطين ومنحها للصهاينة ودعت إلى طرد مئات الآلاف من الفلسطينيين من الجزء "اليهودي" المقترح من فلسطين، رحب الزعيم الصهيوني ديفيد بن غوريون بالمقترح واحتفى به.

وعندما أصدرت الأمم المتحدة، تحت الضغط والتلاعب الأمريكيين، قرار التقسيم في عام 1947، والذي منح 55 في المئة من أراضي الفلسطينيين للمستعمرين اليهود، قَبِلَ به الصهاينة على الفور وشرعوا في طرد السكان الفلسطينيين منها.

وقد استمرت هذه الجاهزية الصهيونية للتحريض والاقتراح والقبول وخلق الفرص لسرقة المزيد من الأراضي، وإضفاء الشرعية على هذه السرقة وطرد المزيد من الفلسطينيين بلا هوادة بعد عام 1948. فبعد احتلال ما تبقى من فلسطين في عام 1967 وطرد المزيد من الفلسطينيين، سعت إسرائيل إلى إيجاد المزيد من الفرص للحفاظ على الأراضي التي سرقتها وإلى نفي الفلسطينيين منها.

وفي الواقع، عندما تنازل الرئيس المصري السابق أنور السادات عن حق الفلسطينيين في الاستقلال وحقهم في دولة في معاهدة كامب ديفيد، فإن الإسرائيليين هم مَن فرض هذه الشروط وقبلوا بالصفقة التي فرضوها على الفور. وعندما عرضت منظمة التحرير الفلسطينية، المهزومة، استسلامها في أوسلو في عام 1993، متخلية عن حقوق الفلسطينيين في أرضهم ووطنهم، فإن الإسرائيليين أيضا هم الذين صاغوا الاتفاق ومن ثم قبلوا به دون تردد!

أما بالنسبة إلى صفقة ترامب (التي شارك الإسرائيليون أيضا في صياغتها، والتي تأمل بأن تكون خاتمة جميع الصفقات السابقة، وتدعو إلى المزيد من التطهير العرقي للمواطنين الفلسطينيين في إسرائيل الذين يعيشون في منطقة "المثلث" داخل إسرائيل)، فقد قفز الإسرائيليون على الفور لاقتناص هذه الفرصة لتخليص أنفسهم من المزيد من الفلسطينيين.

ما لم يقبله الإسرائيليون أبدا، ولا يمكن أن يقبلوا به، هو حق الفلسطينيين في أراضيهم وفي دولتهم وفي الاستقلال، ناهيك عن حقوق أولئك الذين طردتهم إسرائيل في العودة واستعادة الأراضي والممتلكات التي صادرتها إسرائيل، أو حق الفلسطينيين في المساواة التي تحرمهم منها عشرات القوانين الإسرائيلية التي تمنح اليهود امتيازات استعمارية وعرقية.

أما أن إسرائيل لم تفوت أي فرصة لحرمان الشعب الفلسطيني من حقوقه، وقبلت بكل فرصة لسرقة أراضيه، فهي حقيقة لا ينكرها الإسرائيليون أبدا. بل إن مطالبة إسرائيل الفلسطينيين بالاعتراف بحقها باضطهاد الشعب الفلسطيني من خلال منحهم إسرائيل الشرعية التي تطالب بها، هي أيضا حقيقة يفهمها الفلسطينيون جيدا، وإن رفضوها دائما.

ففي حين أن "الفلسطينيين قد ضيعوا كل فرصة" للاعتراف بحق مضطهديهم في قمعهم، فإن إسرائيل، للحق، لم تفوّت أي فرصة لمطالبتهم بذلك. أما "رؤية" ترامب الأخيرة "لتحسين حياة الشعب الفلسطيني والإسرائيلي"، وهو العنوان الذي اختاره لخطته، فهي ليست سوى نسخة محدثة من هذا المطلب الاستعماري والعنصري.