قضايا وآراء

أوروبا تطلق رصاصة الرحمة على الاتفاق النووي

1300x600

في عزّ التوترات بين طهران وواشنطن، على خلفية الأحداث الميدانية الأخيرة، الاغتيالات والهجمات الصاروخية المضادة، والتي كادت أن تشعل مواجهة عسكرية حقيقية، لو لا الإرادة غير المتوفرة لدى الطرفين للدخول في هذه المواجهة، اتخذت الدول الأوروبية الثلاث، فرنسا وبريطانيا وألمانيا، قرارا تصعيديا ضد إيران من خلال تفعيل آلية فض النزاع.

 

وهي خطوة، يُرجح من جهة، أن تكون ضمن صفقة أمريكية أوروبية لتشديد "الضغوط القصوى" ضدها في مرحلة ما بعد اغتيال قائد فيلق القدس الجنرال قاسم سليماني، ومن جهة ثانية، هي بمثابة رصاصة رحمة، أطلقتها أوروبا على الاتفاق النووي، الذي كان يلفظ أنفاسه الأخيرة، بعدما انهار العمودان اللذان بني الاتفاق عليهما، أي رفع العقوبات على إيران، والتي أعادتها واشنطن كلها وبشكل أكثر شدة من قبل، والعمود الثاني هو التعهدات النووية الإيرانية، التي واصلت طهران تقليص تعهداتها، لتنهي العمل بكافة القيود "العملياتية" المنصوص عليها بالاتفاق، بعدما اتخذت الخطوة الخامسة لخفض تعهداها، في الخامس من الشهر الجاري، وهي الخطوة الأخيرة والنهائية، وذلك كردة فعل على الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي وما تبعه من فرض العقوبات مجددا، وانهيار عمود رفع العقوبات، وخصوصا ما حثّ إيران على اتباع هذه السياسة هو التقاعس الأوروبي عن اتخاذ أي خطوة عملية تعيد لها، بعض مكاسب فقدتها بسبب العقوبات الأمريكية.
 
شكّل هذا الوضع، حالة "شبه انهيار" للاتفاق النووي، خلال الشهور الماضية، ولم يظل منه إلا الإسم والعنوان، لكن رغم ذلك، ظلت الأطراف الأوروبية تؤكد على أهمية الحفاظ عليه، معتبرة أنه أهم ما يمكن التوصل إليه لمعالجة الملف النووي الإيراني. 

وهذا التأكيد، رغم أنه مدفوع بخشية تراود أطراف الاتفاق النووي كافة، من مرحلة ما بعد الاتفاق النووي لمخاطرها الجمة، وعدم وجود استعداد لمواجهة متطلبات هذه المرحلة، إلا أنه ظل تأكيدا كلاميا ولأسباب متعددة، لم تشفعه أوروبا بخطوات عملية، تعيد للاتفاق توازنا، انهار بسبب الانسحاب الأمريكي منه، حيث تحول إلى اتفاق من جانب واحد، لتنفذ طهران كافة التزاماتها النووية من دون أي مقابل، والأخيرة أيضا رفضت هذه المعادلة وفي خمس خطوات، أوقفت العمل بالقيود "العملياتية" كافة.

 

أوروبا العاجزة


أما أوروبا العاجزة عن اتخاذ موقف عملي تجاه العقوبات الأمريكية، يمكّن طهران من مواصلة تنفيذ الاتفاق النووي، أو غير الراغبة لتنبي مثل هذا الموقف لأسباب تاريخية وموضوعية، سواء لتشابك مصالحها الأمنية والاقتصادية مع واشنطن، أو لأن ما تطرحه واشنطن من مطالب وشروط فيما يتعلق بالملفات المثارة مع إيران، هي أيضا أوروبية، مما يدفع الأوروبيين لاستغلال الظروف الراهنة لحل هذه الملفات تحت ضغط استراتيجية "الضغط الأقصى" الأمريكية، قد أعلنت الإثنين الماضي، تفعيل آلية فض النزاع لزيادة مفاعيل هذه الضغوط. وهي آلية قد وضعت بالاتفاق النووي لحل الخلافات المحتملة بين أطراف الاتفاق، ورسمت مسارا زمنيا يستغرق أكثر من شهرين تقريبا، إن لم يتم تمديد المهل بإجماع أعضاء الاتفاق النووي، لمناقشة هذه الخلافات في الجنة المشتركة المكونة من الدول الأعضاء (مجموعة 1+4) واجتماع وزراء خارجية هذه الدول أو الهيئة الاستشارية التي ستتشكل من ثلاثة أعضاء. 

 

من الصعب بمكان إن لم يكن من المستحيل أن تعود طهران إلى تنفيذ الاتفاق من جانب واحد، أو تتجه نحو التفاوض مع إدارة ترامب، من دون تخفيف العقوبات، على الأقل، رغم أنها تؤكد على إلغائها


ويشير الاتفاق النووي إلى هذه الآلية في البندين الـ 36 والـ 37، حيث بإمكان إيران أو أحد أعضاء مجموعة 1+5، التي تحولت إلى مجموعة 1+4 بعد انسحاب واشنطن، أن يرفع شكوى للجنة المشتركة بحال رأى أن الطرف الآخر لا يمتثل لالتزاماته المنصوص عليها بالاتفاق النووي. واذا كان الطرف المشتكى عليه، هو إيران، ورفع أحد الأطراف الأخرى شكوى ضدها، ولم تُحل القضية عبر القنوات التي حددها الاتفاق النووي بين الأعضاء، يمكن للطرف المتشاكي أن يحيل الخلاف إلى مجلس الأمن الدولي، ويمكنه أن يطرح أيضا قرارا للتصويت بعنوان "استمرار رفع العقوبات". 

وهنا بمقدور أيٍّ من الدول الأوروبية الثلاثة استخدام حق النقض ضد هذا القرار، ليعاد فورا فرض كافة العقوبات الأممية على إيران، ومعها تعود القرارات الأممية التي صدرت بشأن الملف النووي الإيراني، وعطلها القرار رقم 2231 المكمل للاتفاق النووي، منها القرار الذي أدرج إيران تحت الفصل السابع. واللافت هنا أنه خلال مفاوضات الاتفاق النووي، تم صياغة عنوان القرار الذي سيُطرح في مجلس الأمن لإنهاء الخلافات، بطريقة لا يمكن لروسيا والصين استخدام حق النقض، لأن القرار نفسه، سيكون ساري مفعول من خلال استخدام الفيتو.

 

تفعيل آلية "فض النزاع"
 
وبهذا الشرح الذي سبق ذكره، يتضح أن تفعيل آلية "فض النزاع" يحمل في طياته، تهديد أوروبي واضح بإحالة الملف النووي الإيراني إلى أروقة مجلس الأمن الدولي، التي يترتب عليها، تعطيل القرار 2231 ليتم تدويل الملف مجددا وإضفاء طابع أممي على السياسات الأمريكية والعقوبات ضد إيران، وخلق إجماع عالمي مسنود بالقرار الأممي في هذه المواجهة.
 
لكن أوروبا لا يبدو أنها مستعجلة للذهاب إلى مجلس الأمن، أقله خلال الشهرين المقبلين، لأسباب فنية ترتبط بالوقت الذي يجب أن تستوفيه المناقشات لحل الخلافات داخل القنوات التي رسمها الاتفقا النووي قبل التوجه نحو الأمم المتحدة، أو لأسباب سياسية. ولذلك أكدت هي أيضا، أن قيامها بتفعيل آلية "فض النزاع"، لا يعني أنها تعتزم نحو إعادة فرض العقوبات الأممية على إيران. وبالإجمال تشي الخطوة التي أقدمت عليها الدول الأوروبية الثلاث، بأنها تسعى من خلالها إلى تحقيق ثلاثة أهداف في المرحلة الراهنة، تحت طائلة هذا التهديد، الأول، هو دفع طهران للعودة إلى تنفيذ تعهداتها النووية، بغية إحياء الاتفاق النووي من جانب واحد، وإعادة الوضع إلى ما قبل الثامن من أيار الماضي، قبل أن تدشن السلطات الإيرانية سياسة تقليص التعهدات النووية، وذلك لإبقاء هذا الاتفاق على قيد الحياة، كما قال وزير الخارجية البريطاني.

والهدف الثاني هو إرغام إيران على القبول بمفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة للتوصل إلى اتفاق جديد ينشده ترامب، كما تحدث رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون بصراحة حول ذلك. والهدف الثالث، هو التحضير لإيجاد إجماع عالمي ضد طهران ، في حال رفضها، العمل بمقتضى الهدفين الأول والثاني، أي رفضت العودة إلى تنفيذ كامل للاتفاق النووي، والدخول في مفاوضات مع الأمريكان. 

 

موقف إيراني صلب


ومن جهتها، إيران التي اتخذت سياسة خفض تعهداتها النووية، بغية دفعهم إلى الوقوف بمواجهة العقوبات الأمريكية، من الصعب بمكان إن لم يكن من المستحيل أن تعود إلى تنفيذ الاتفاق من جانب واحد، أو تتجه نحو التفاوض مع إدارة ترامب، من دون تخفيف العقوبات، على الأقل، رغم أنها تؤكد على إلغائها، وهو ما لم يحصل خلال الأشهر الماضية، ويستبعد أن يحدث خلال الفترة المقبلة خلال المباحثات التي ستجري بين إيران والدول الأوروبية الثلاث، إلا اذا هذه الأطراف كافة اتجهت تحت ضغط المخاوف من مخاطر مرحلة منا بعد الاتفاق النووي نحو حل وسط يعيد الحياة إلى هذا الاتفاق. 

 

الغاية من وراء تفعيل آلية فض النزاع قد تكون إدراج اسم إيران مجددا، تحت الفصل السابع الأممي لإضفاء الشرعية على أي إجراء عسكري في أي مواجهة محتملة.


مع ذلك، فالمرجح والمتوقع أن تفشل هذه المباحثات، كما أخفقت سابقاتها في الوصول إلى مثل هذا الحل، ليعود الملف النووي الإيراني مجددا إلى مجلس الأمن ويعاد فرض العقوبات الأممية على إيران ويتم تفعيل قرارات أممية ضدها. وعليه، ستُصدر شهادة الوفاة لاتفاق كان أهم ثمار للدبلوماسية الدولية خلال العقود الأخيرة، قضى عليه الرئيس الأمريكي. يتوقع أيضا أن ترد إيران من جهتها، بجملة خطوات، تبدأ بإعلان الإنسحاب من الاتفاق النووي رسميا، وربما وقف تنفيذ البروتوكل الإضافي، قبلت به طواعية في إطار الاتفاق النووي. 

وعلى الأغلب أيضا تكشف عن جملة خطوات نووية "تصعيدية"، مثل رفع تخصيب اليورانيوم إلى أكثر من 5 في المائة لتصل إلى 20 % أو أكثر وكذلك زيادة عدد أجهزة الطرد المركزي بالآلاف وإجراءات أخرى، وهي خطوات تجنبتها إيران خلال الفترة الأخيرة رغم إنهاء القيود حولها.

في المحصلة، هذه التطورات، ستعيد الوضع إلى ما قبل التوقيع على الاتفاق النووي عام 2015 وربما إلى ما هو الأسوء، ليُفتح الباب أمام احتمالات تصعيد كبير في المنطقة، أخطر مما شهدتها خلال العامين الأخيرين، لا يمكن التكهن بمآلاته، وخاصة اذا ما أخذنا بعين الاعتبار بأن الغاية من وراء تفعيل آلية فض النزاع قد تكون إدراج اسم إيران مجددا، تحت الفصل السابع الأممي لإضفاء الشرعية على أي إجراء عسكري في أي مواجهة محتملة.