قضايا وآراء

"حكومة الرئيس": حل للأزمة أم مأزق سياسي جديد بتونس؟

1300x600
بعد أن فشل رئيس الوزراء المكلف السيد الحبيب الجملي في الحصول على الأصوات اللازمة لمرور حكومته أمام البرلمان التونسي (حصلت الحكومة المقترحة على 72 صوتا ورفضها 134 نائبا وامتنع عن التصويت لها ثلاثة نواب، بينما كانت تحتاج إلى 109 صوتا للمرور)، اتجهت أنظار التونسيين إلى قصر قرطاج.

فالفقرة الثالثة من الفصل 89 من الدستور التونسي تلزم الكتل النيابية والأحزاب (بما فيها الحزب الأغلبي في البرلمان، والذي كان له حق اختيار رئيس الوزراء) بالاحتكام إلى رئيس الجمهورية "عند تجاوز الأجل المحدد دون تكوين الحكومة، أو في حالة عدم الحصول على ثقة مجلس نواب الشعب"، وعندها " يقوم رئيس الجمهورية في أجل عشرة أيام بإجراء مشاورات مع الأحزاب والائتلافات والكتل النيابية لتكليف الشخصية الأقدر من أجل تكوين حكومة في أجل أقصاه شهر".

ونحن لم نضع "حكومة الرئيس" بين معقّوفين إلا لأنها صياغة موفقة جزئيا لهذا التمشي الدستوري. فالدستور لا يعطي للرئيس الحق المطلق في اختيار الشخصية الأقدر لرئاسة الحكومة (أو في فرض أي وزير عليه)، بل يلزمه بالتشاور مع الفاعلين السياسيين من كتل وأحزاب وإئتلافات. ولكنّ ذلك كله لا ينفي أنّ دور الرئيس سيكون أساسيا في الخروج من الأزمة أو في ترسيخها، كما سيجعله (مهما كان اختياره) يدخل في صراع مفتوح مع الأحزاب السياسية التي لم يُخف يوما موقفه السلبي منها ومن المنظومة السياسية التي تحتل مركز القرار فيها.

وقد وجّه الرئيس التونسي قيس سعيد إلى مختلف الكتل النيابية كتابا؛ يدعوها فيه إلى تقديم مقترحاتها "مكتوبة" حول الشخصية أو الشخصيات التي ترى أنها "الأقدر" من أجل تكوين حكومة، "مع بيان دواعي هذا الاختيار والمعايير التي تم اعتمادها في ذلك". وقد جاء كتاب الرئيس إلى الفاعلين السياسيين مطابقا لنص الدستور من جهة الالتزام بالآجال وعدم الانفتاح على "الشركاء الاجتماعيين" (وهو بذلك يرفض "وثيقة قرطاج" جديدة كما دعا إليها محسن مرزوق مثلا، أو "حوارا وطنيا" يتجاوز الأحزاب كما لمح إليه سامي الطاهري، الأمين العام المساعد للاتحاد التونسي للشغل)، ولكن كتاب الرئيس جسّد فهما معينا لروح الدستور أو لفقهه. فالدستور التونسي لم يفرض على رئيس الدولة أن يتلقى مقترحات الكتل النيابية في شكل مكتوب، ولم يوجب على الكتل النيابية أيضا حصر "المشاورات" في إجابات مكتوبة أو تقديم تعليلات مكتوبة للاختيار والمعايير المعتمدة فيه. ولكنّنا لم نر أي كتلة نيابية هاجمت الرئيس أو طالبت بالبدء في مفاوضات مباشرة معه، وقد يعود هذا الصمت (من جهة أولى) إلى ما يتمتع به الرئيس التونسي من شعبية ومصداقية لدى الرأي العام، كما قد يعود (من جهة ثانية) إلى ضيق المدة المخصصة للمشاورات مع الأحزاب حسب الدستور (عشرة أيام)، وهو ما يعني أن الرئيس لا يملك تلك الفسحة الزمنية الطويلة نسبيا التي كان يتمتع بها رئيس الحكومة المكلف الحبيب الجملي.

رغم أن "حكومة الرئيس" تعطي لرئيس الجمهورية سلطة تحكيمية تجاه الأحزاب والكتل النيابية، فإننا لا نتصور أنّ الوصول إليها كان مما يرغب فيه السيد قيس سعيد. فتلك السلطة التحكيمية ستجعله في حرج سياسي كبير أمام شركائه في المنظومة السلطوية وأمام ناخبيه، فهو ملزم أخلاقيا وسياسيا بل دستوريا بأن يختار الشخصية"الأقدر" على رئاسة الحكومة من بين الأسماء المقترحة عليه.

ولا شك في أن معايير الاختيار التي ستعتمدها الكتل النيابية والأحزاب لن تكون متطابقة مع معايير رئيس الجمهورية، ولكنه سيجد نفسه ملزما بالأخذ بها وتزكيتها. وبحكم التناقض الجذري بين المنطق الثوري للرئيس وبين المنطق الإصلاحي أو حتى المهادن للمنظومة الحاكمة عند أغلب الكتل النيابية والأحزاب والإئتلافات، فإن رئيس الجمهورية سيجد نفسه أمام خيارات صعبة ومكلفة. فإذا ما اختار شخصية "ثورية" فإنه لا يضمن حصول توافق حولها، وهو ما يعني أنه سيكون مسؤولا أمام الرأي العام على استمرار الأزمة السياسية الحالية. أما إذا ما اختار شخصية "توافقية" يسهل تمريرها أمام المجلس النيابي، فإنه سيكون قد ساهم في حل أزمة النخب السياسية وأحزابها، ولكنه سيكون أيضا قد "شرعن" استمرار أزمة البلاد، وذلك لغياب أي مشروع حقيقي يهدف إلى تجاوز الأزمة البنيوية التي تعرفها تونس في كل القطاعات. وهو يعني أن رئيس الحكومة القادم (إذا ما كان توافقيا ولا علاقة له بالثورة واستحقاقاتها، ومقبولا عند أغلب مكونات المشهد الحزبي) لن يكون دوره إلا تأجيل الانفجار لا منع حدوثه.

قد يكون من الصعب التنبؤ بمآل المشاورات التي تهدف إلى تشكيل حكومة قبل مضي أربعة أشهر من التكليف الأول (أي قبل أن يكون للرئيس الحق دستوريا في حل البرلمان والدعوة لانتخابات تشريعية مبكّرة)، ولكننا لا نستبعد أن يمارس الرئيس ذلك الحق الدستوري في حال فشلت الأحزاب في حل أزمتها وتشكيل حكومة.

ولعل في امتناع رئيس الجمهورية عن إمضاء القانون الانتخابي المعدّل ما يؤيد جزمنا بأن فشل "حكومة الرئيس" سيكون مناسبة لحل البرلمان والدعوة إلى انتخابات مبكرة؛ قد تفرز أغلبية جديدة تكون ظهيرا للسيد قيس سعيد في ما يعتزمه من "تنقيحات دستورية". ففي ظل الأزمة السياسية الحالية التي أفقدت أغلب الأحزاب الكثير من مصداقيتها، سيسمح القانون الانتخابي الحالي بنجاح القوائم المستقلة أو الائتلاف الانتخابي الذي سيعلن دعمه لـ"مشروع" رئيس الجمهورية.

إننا أمام فرضيات لا نظنها تخفى على الأحزاب والكتل النيابية، وهو ما يعني بأن "حكومة الرئيس" هي في الحقيقة سيف مسلّط على أعناق كل الفاعلين السياسيين (بحكم انخفاض سقف المناورة لديهم في مواجهة الرئيس، وبحكم الكلفة السياسية الكبيرة في حال فشلهم في التوافق على الشخصية التي سيقترحها كائنة من كانت)، وليست فقط سيفا مسلّطا على عنق حركة النهضة كما أراد الكثيرون.