كتاب عربي 21

دعاية المستبد الزائفة.. أحداث كاشفة (37)

1300x600

إن من أهم العُقَد التي يعاني منها السيسي هي عُقدته مع شباب مصر، ومن ثم فإنه ونظامه سيظلا مهمومين بأن يقوما بفاعليات مزيفة ومزورة؛ غالبا ما تأتي فيها صفة الشباب تسولا وتزييفا، فيعقد السيسي وزبانية منظومته سلسلة من المؤتمرات التي تشكل طقسا من طقوس نظام ذلك المستبد.

فمنذ أسابيع قليلة عقد مؤتمرا للشباب وتحدث فيه عما أسماها المناعة؛ وكتبت أرد على مناعته الزائفة التي يريدها ويروج لها زورا حتى لا تتكرر وفق كلماته "أحداث يناير" مرة أخرى، ومن قبل ذلك كنت قد أشرت في مقال سابق متسائلا حول من يصنع إحباط الشباب ويأسه حتى صار الانتحار بين هذه الفئة طقسا يوميا متكررا؛ يُعد مؤشرا متواترا يؤكد على تلك الحال التي وصل إليها شباب مصر تحت مطرقة استبداد السيسي ومنظومته الأمنية القميئة. وها هو يواصل مسرحيات إفكه ليتمسح بالشباب مرة أخرى بما أسمي "منتدى شباب العالم" الذي لم يكن في حقيقته إلا نوعا من الدعاية السياسية الزائفة، وجزءا من محاولاته لأن يظهر نفسه بأنه يرعى الشباب، وهي دعاية زائفة بالرعاية، ورعاية مزورة بالدعاية.

يجلب السيسي ضمن خطته آلاف الشباب، تتم دعوتهم من مختلف بلاد الدنيا، ويذهب بهم إلى شرم الشيخ يملأون فنادقها، ثم يفتح الستار عما يسميه بمؤتمرات الشباب لتعقد أكثر من مرة في السنة.

 

وفي حقيقة الأمر فإن تلك المؤتمرات هي مجرد سوق يحاول المستبد أن يروج فيه بضاعته الفاسدة الكاسدة؛ يقال فيها الكثير من فائض الكلام ويستعرض طبيب الفلاسفة مواهبه النادرة وكلامه التافه الذي يشكل في حقيقة الأمر منظومة أكاذيب، من دون أي أثر يذكر على شباب مصر أو على ذلك الشعب الذي يتأوه من الإفقار. ورغم أنه يذكرنا في كل وقت بـ"إحنا فقرا أوي"؛ إلا أنه يرد على نفسه بتلك المؤتمرات الفارغة والباذخة؛ التي تشكل أهم مظاهر إهدار المال العام بمئات الملايين على مؤتمرات الزينة التي احترفها السيسي ومنظومته عديمة الجدوى، وهي لا تمثل إلا علامات (كما وصفها البعض وبصدق) إسراف وترف وسفه. وهو بذلك يحاول أن يقوم بحملة علاقات عالمية عامة لتبييض وجه استبداده الأسود القبيح.

وفي إطار فاشيته التي صارت عنوانا لنظامه، فإنه حتى هؤلاء الذين يفضلونه يصفونه بـ"دكتاتورهم المفضل".

وصدق أو لا تصدق، فإن هذا المنتدى لشباب العالم في آخر طبعة له وصل عدد الحضور فيه لسبعة آلاف شخص، سيشاركون في 24 جلسة و14 ورشة عمل خلال أربعة أيام، وربما تصل إلى الخمسة.. هذا العدد الكبير بتكاليفه المظهرية يعد أكبر أعداد لذلك المنتدى. فالمنتدى في العام 2017 كان فيه 3200 مشارك، وفي العام 2018 شارك حوالي خمسة آلاف شخص.

وفي هذا السياق الزائف والدعاية الكاذبة، فإنه خلال ثلاث سنوات مضت قام السيسي بعقد هذا المنتدى ثلاث مرات (منتدى شباب العالم)، وعقد ثمانية مؤتمرات أيضا للشباب كان آخرها في العاصمة الإدارية الجديدة، في شهر أيلول/ سبتمبر، وحضره 1500 شخص.

تستمر هذه الطقوس الزائفة، وحملة مباخره يروجون لهذا الزيف في رعاية الشباب، وهو في واقع الأمر يقتلهم ويعتقلهم ويطاردهم. هذه هي المفارقة الكبرى التي جعل السيسي على واقع أرض الوطن من الشباب عدوه الأول ضمن سياساته الباطشة الطاغية؛ يقوم بعمل كل ما من شأنه يعطيه مناعته الزائفة، وهي في حقيقة الأمر ليست إلا خلاياه الفاشية السرطانية التي يحاول بشكل أو بآخر ومن كل طريق أن ينشرها لتقضى على الوطن وفاعلياته وخلاياه الحية؛ ولكنه في كل مرة سيرى هذا النوع من الشباب الذي يطارده ذاته، والذي لا يريده، وليس العشرون من أيلول/ سبتمبر ببعيد.

ومن جملة الزيف الذي يتعلق بهذا المؤتمر؛ ما يتعلق بأجندته وجدول أعماله الذي يأتي بقضايا من الشرق ومن الغرب معتبرا إياها بالجوهرية، ويترك تلك القضايا الأساسية التي تتعلق بمنظومته التي قتلت وطاردت الشباب واعتقلته، فيقوم بوضع عناوين كبرى ليست في حقيقة الأمر إلا "عناوين زينة" فخيمة من "زخرف القول غرورا". فتدرج إدارة هذا المنتدى من زبانية السيسي؛ مواضيع مختلفة، مثل الذكاء الاصطناعي، والبيئة، والمناخ، والأمن الغذائي، والاتحاد من أجل المتوسط، وتمكين المرأة، والفن، والسينما، والثقافة والتاريخ.. وضمن سياق الزينة، فلا بأس من استخدام كلمات شكلية يغازل بها دول الغرب ويقدم أوراق اعتماده لفترات أخرى، فيَصدر من فائض الكلام وبلغة زاعقة عن "الهجرة" وعن"الإرهاب".

هذه هي أجندة السيسي المصطنعة المزيفة، فما بال الأجندة الحقيقية التي يقوم بها على أرض مصر ليشكل مصر المحبوسة والمخروسة ويٌحول الوطن إلى سجن كبير!

فماذا عن اختطافه القسري للشباب؟ وماذا عن طقس التصفية الجسدية التي تمارسه قواه الأمنية؟ وماذا عن الإعدامات؟ وماذا عن كم هذه الاعتقالات بلا جريمة أو تهمة سوى تهم زائفة مختلقة؟ كل ذلك يمثل وجه النظام الأسود وملفاته السوداء في فُجره وفاشيته وفساده وفشله، فهذا النظام المستبد الظالم في أوج ظلمه وطغيانه.

وماذا عن إفقار شعب مصر حتى وصلت نسبة الفقر في مصر وفقا لإحصائيات متفاوتة إلى عتبة الستين في المئة؟ وماذا عن مصادرة المستقبل لجيل بعدما صارت حرفة هذا النظام اقتراض دين داخلي وخارجي يقدر بتريليونات الجنيهات ومليارات الدولارات؟ وماذا عن تكميم الأفواه الذي يمارسه ولا يقبل معه أي معقب عليه أو احتجاج على سياساته الظالمة الباطشة؟ وماذا عن حرية التعبير التي تُقتل وتُغتصب كل يوم؛ فلا حرية إلا لزبانيته يزيفون ما شاؤوا ويواصلون منظومة إفكهم؟ وماذا عن أزمة النظام السياسي البنيوية واغتصاب السياسة وقتلها بحيث لا حديث عن حقوق الإنسان ولا حديث عن أحزاب سياسية ولا أي ممارسات تتعلق بالمجتمع المدني؟ واسألوه لماذا قتل الشاب الباحث الإيطالي "ريجيني". إنها طبعته المجففة أرادها هذا المستبد، فجعل هذه القضايا من جملة ما وأده في هذا البلد وفرّط فيه وباعه وتنازل عنه.

ومع هذا الإسراف وإهدار المال العام ضمن دعاية رخيصة لمنظومة الحكم الفاشي ومحاولات تبييض وجهه القبيح وغسيل سمعته المتدنية فيما يتعلق بالحقوق والحريات، ستجد من في جوقة النظام المستبد من دكاترة السلطان من يُذّكر بشماعتهم الأثيرة باتهام "الإخوان" وشيطنتهم. فهذا للأسف أستاذ للعلوم السياسية يزاحم في هذا المولد الإعلاني المُسيس ويعقب على المؤتمر بعد امتداحه، بعدما ما طاله من انتقاد فادح على وسائل التواصل الاجتماعي؛ لتذكير السيسي بأن من الواضح أنه نسي أو تناسى "أننا فقرا أوي".. يقول هذا الأستاذ المأسوف عليه: "كل يوم تشرق فيه الشمس على مصر والمصريون بخير، يعيش الإخوان في أزمة، لأنهم يتمنون الكوارث والأزمات لمصر دائماً، يريدون دائماً أخباراً سلبية عن مصر في كل دول العالم، ويصنعون دائماً الأكاذيب والشائعات من أجل تحقيق هذه الأخبار السلبية، ويساهمون في نشرها إن لم يكن من خلال قنواتهم فمن خلال الترويج لها في كل مكان من خلال عناصر الجماعة ولجانها الالكترونية".. واأسفاه الكاذب أنت والمنافق أنت؟!

أيها المستبد الفاشي والفرعون الطاغي، سيظل الشباب عقدتك الكبرى والعقبة الكؤود في استقرار كرسي طغيانك واستبدادك، ولن تجدي معها ألاعيبك بعقد مؤتمرات الشباب الزائفة، ولا هؤلاء السحرة في المدائن حاشرين. ستعرف يوما من الشباب الحقيقي الذي يلعنك ويلعن سياساتك، وسيخرج من بينهم من يلقنك درس الحرية والكرامة وإرادة التغيير.