صحافة دولية

NYT: كيف تحول احتفال شيعي بالعراق لاختبار لنفوذ إيران؟

نيويورك تايمز: إيران فقدت نفوذها على احتفال شيعي في العراق- أسوشيتد برس

نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" تقريرا للصحافيتين أليسا روبين وفارناز فصيحي، تقولان فيه إن الاحتفال السنوي في ذكرى الشخصية الأساسية في الإسلام الشيعي يعد أهم الاحتفالات الدينية في العالم الشيعي، حيث يذهب ملايين الحجاج إلى مدينة كربلاء في العراق.

 

ويشير التقرير، الذي ترجمته "عربي21"، إلى أن ذكرى الأربعين شكلت هذا العام أيضا مناوشة سياسية، كانت بمثابة آخر اختبار يمر به النفوذ الإيراني في العراق، والرغبة العراقية في الانعتاق من جارته القوية، لافتا إلى أن إيران، وهي أكبر دولة شيعية في العالم، وقوة رئيسية في الشرق الأوسط، رأت فرصة في هذه المناسبة التي انتهت يوم السبت لفرض دورها في العراق، وإرسال رسالة حول نفوذها الإقليمي.

 

وتنقل الكاتبتان عن رئيس تحرير صحيفة "مشرق" المرتبطة بالحرس الثوري، حسين سليماني، قوله: "ذكرى الأربعين هي استعراض لقوة إيران ومثال على الوحدة بين الشيعة في المنطقة".

 

وتذكر الصحيفة أن إيران قدمت الخيام والحمامات والمستشفيات على طريق الحجاج، لتكميل تلك التي أقامتها في العراق لمساعدة ما يقدر بأنهم 15 مليون حاج، الذين يشكل الإيرانيون منهم واحدا من كل أربعة تقريبا، وأطلقت الفيديوهات الدعائية، التي زعمت بأنها حمت المقدسات الشيعية من الهدم من تنظيم الدولة.

 

ويستدرك التقرير بأنه عندما قالت إيران إنها سترسل عشرات آلاف الشرطة للعراق لتوفير الأمن لهذه المناسبة رفض العراق، مشيرا إلى أن السلطات العراقية رحبت بالمساعدة للحجاج، لكنها رفضت قوة الشرطة، التي كانت ستكون استعراضا مهينا للنفوذ الإيراني.

 

وتورد الكاتبتان نقلا عن المتحدث باسم وزارة الداخلية البريطانية الفريق سعد معن، قوله في الأسبوع الماضي: "قواتنا التي هزمت تنظيم الدولة بإمكانها أن تؤمن الحجاج، ولا نحتاج لقوات أجنبية لدخول العراق لحمايته"، مشيرتين إلى أن رفض الأمن الإيراني كان جهدا صغيرا، لكنه كان واضحا للحد من نفوذ إيران في العراق.

 

وتلفت الصحيفة إلى أنه منذ أطاحت القوات التي قادتها أمريكا بالديكتاتور العراقي صدام حسين عام 2003، وتمكين الأكثرية الشيعية في العراق، فإن السؤال المهم بالنسبة للعراق والمنطقة كان هو المدى الذي ستقع فيه العراق تحت الضغط الإيراني والدولة الدينية الشيعية إلى الشرق.

 

وينوه التقرير إلى أن إيران قامت بالتدريج بمد نفوذها من خلال شبكة من الأحزاب والمرجعيات الشيعية والمليشيات، بالإضافة إلى أنها استثمرت الكثير في المدن الدينية الشيعية، مثل النجف وكربلاء وسامراء، مشيرا إلى أنه عندما استولى تنظيم الدولة على ثلث البلد عام 2014، سارعت إيران لمساعدة العراق، بدعم المليشيات التي قامت وبمساعدة من الأكراد والأمريكيين بطرد تنظيم الدولة.

 

وتقول الكاتبتان إن إيران ترى في العراق بوابة للنفوذ، وأول محطة على الجسر البري الذي تريد إقامته مع وكلائها في سوريا ولبنان، لافتتين إلى أن العراق أصبح مؤخرا ضروريا لنجاة إيران من العقوبات الاقتصادية القاسية؛ وذلك لوجود استثناء أمريكي يسمح للعراق بشراء النفط والغاز الإيرانيين، بالإضافة إلى أن العراق زبون كبير للبضائع الإيرانية التي لا تفرض عليها عقوبات، بما في ذلك المواد الغذائية ومواد البناء.

 

وتستدرك الصحيفة بأنه مع ازدياد النفوذ الإيراني، وانحسار النفوذ الأمريكي، فإن العراق بدأ ينزعج من الوجود الإيراني وجهود إيران لإدخال سياسيين موالين لها في الحكومة العراقية.

 

ويشير التقرير إلى أن حزب مقتدى الصدر، رجل الدين القومي الذي يعارض التدخل الأمريكي والإيراني في العراق، برز بصفته أكبر فائز في الانتخابات الأخيرة، لكن الحزب صانع الملوك كان يمثل كتلة تمثل المليشيات العراقية التي لها علاقة بإيران، لافتا إلى أن قائد قوات القدس التابعة للحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني، هو من توسط في الاتفاق الذي أوصل رئيس الوزراء العراقي الحالي والرئيس ورئيس البرلمان للسلطة.

 

وتفيد الكاتبتان بأنه بعد أربع سنوات من الحرب ضد تنظيم الدولة بقيت المليشيات التي تدعمها إيران في مواقعها، مشيرتين إلى أنه مع وجود أكثر من 125 ألف مسلح فإنهم من ناحية فنية جزء من قوات أمن الحكومة، لكنهم في الواقع أصبحوا قوة بذاتهم.

 

وتلفت الصحيفة إلى أنه عندما اندلعت المظاهرات في أنحاء العراق هذا الشهر ضد الفساد والبطالة، فإن المسؤولين الإيرانيين فوجئوا، فيما ألقى بعض المتظاهرين اللوم على إيران ونفوذها الكبير في العراق بالتسبب بمشكلات العراق الاقتصادية، وحرق المتظاهرون في المعاقل الشيعية، الذين هم في العادة موالون لإيران، الأعلام الإيرانية، وهتفوا منادين بتوقف إيران عن التلاعب في شؤون البلد.

 

وتنوه الكاتبتان إلى أن العديد من الدبلوماسيين تساءلوا في اجتماع لوزارة الخارجية في طهران هذا الشهر، إن كانت إيران أخطأت قراءة العراق خلال هذه السنوات كلها، فكانت رؤيتها خاطئة بأن تحالفها مع السياسيين يعادل تأييد الشعب، بحسب شخص حضر الاجتماع.

 

وتقول الصحيفة إن المسؤولين الإيرانيين رأوا في مناسبة الأربعين فرصة لتلميع صورة إيران، مشيرة إلى أن الزائرين يحتفلون بالأربعين، التي هي مناسبة مرور أربيعين يوما على ذكرى وفاة الحسين، حفيد رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، الذي قتل في نزاع على الخلافة، الذي (يعتقد الشيعة) أن نسله أصبحوا مسلمين شيعة، أما القوى التي قتلته فأصبحوا سنة، وهما الطائفتان الرئيسيتان في الإسلام اليوم.

 

ويشير التقرير إلى أن التقليد الشيعي بالمشي إلى كربلاء، يتطلب إعادة لرحلة عائلة الإمام الحسين، حيث جاءوا برأسه إلى المدينة لدفنه، ويمشي البعض لأسابيع من أماكن بعيدة مثل البصرة، على بعد حوالي 300 ميل.

 

وتلفت الكاتبتان إلى أن هذا الحفل شهد عودة بعد الإطاحة بصدام حسين، وهو سني، وكان قد منعه خشية أن يحتشد الشيعة، ولسنوات بعد الإطاحة به قام تنظيم القاعدة وبعدها تنظيم الدولة باستهداف المسيرات وقتل الآلاف، مشيرتين إلى أنه منذ ذلك الحين تحول ذلك الحج من عدة آلاف إلى ما يقدر بـ15 مليون حاج، ما يجعله أكبر حج في العالم الإسلامي.

 

وتذكر الصحيفة أن هذا الإنجاز كان مبعث فخر للعراقيين الذين كانوا يأملون أن يحتفلوا هذا العام بمقدرتهم تنظيم وحماية الاحتفالات، لكن إيران أيضا، التي قامت ببناء محطات على الطريق، وأنفقت الملايين على مدى السنوات الخمس الماضية في ترميم المزارات الشيعية في مدينتي كربلاء والنجف، افتخرت بإنجازاتها. 

 

وينوه التقرير إلى أن الحجاج السائرين إلى كربلاء في عطلة نهاية الأسبوع الماضية، واجهوا سرديتين، حيث حملت لوحات إعلانات ضخمة صورا للمليشيات المدعومة من إيران على أنهم رفاق للحسين، فيظهر مقاتل من المليشيات في صورة بجانب صورة الحسين، ويواجه مقاتل المليشيا محاربين من هذا الزمن يحملون رايات إسلامية، في الوقت الذي يواجه فيه الحسين مقاتلين بزي قديم.

 

وتشير الكاتبتان إلى أن قائد الحرس الثوري، الجنرال سليماني، أصدر يوم الجمعة شريط فيديو يظهره يسير في ساحة المعركة في الموصل، وينظر في المنظار في الوقت الذي تقع فيه الانفجارات، الذي يعد تذكيرا بالدور الإيراني في الحرب ضد تنظيم الدولة هناك، ثم ينتقل الفيديو إلى صور جوية للقبة الذهبية في كربلاء، ويعلق قائلا: "لو وصلوا إلى مقدساتنا لقاموا بتدميرها تماما"، وينتهي الفيديو بصور الجماهير تسير نحو كربلاء.

 

وتذكر الصحيفة أنه بعد لوحات الإعلانات التي حملت صور المليشيات كانت هناك لوحات كبيرة تحمل صور المتظاهرين العراقيين الذين قتلوا لأنهم تظاهروا سلميا على مدى الأسبوعين الماضيين ضد الفساد في الحكومة العراقية، وهو ما يعد توبيخا ضمنيا لإيران، مشيرة إلى أن هذه الصور كانت خارج خيم أتباع الصدر، الذي بالرغم من حملته ضد النفوذ الإيراني، فإن خيمه استقبلت الحجاج الإيرانيين الذين وصل عددهم هذا العام إلى 3.5 مليون.

 

وينقل التقرير عن أبي كرار (50 عاما) وهو متقاعد قام بتعليق تلك الصور، قوله: "ما دام الإيرانيون هنا ضيوفا نرحب بهم.. إنهم ضيوف الإمام الحسين، فحتى لو أتى العدو لزيارة الإمام الحسين سنرحب به".

 

وتقول الكاتبتان إن الأمر كذلك بالنسبة للحجاج العراقيين، الذين استفادوا من 22 بيت ضيافة، و250 حماما، وأربع مستشفيات ميدانية، و14 مركز طوارئ، بنتها إيران على الطريق إلى كربلاء في العراق، بحسب المتحدث باسم الحرس الثوري الإيراني الجنرال رمضان شريف. 

 

وبحسب الصحيفة، فإن العراقيين قدموا الطعام المجاني والسكن لملايين الحجاج، حيث كانوا يطبخون كميات ضخمة من الأرز والعدس والحمص والفول، ويقدمون ملايين الكاسات من الشاي بالسكر وأكواب اللبن.

 

ويورد التقرير نقلا عن الجنرال شريف، قوله للإعلام الايراني بإن جهاز البناء التابع للحرس الثوري، قام برصف وإصلاح الطرق المؤدية إلى مزارات كربلاء.

 

وتجد الكاتبتان أنه مع أن الشرطة الإيرانية بزيها لم يسمح لها بدخول العراق، فإنه كانت هناك عناصر مخابرات وقوات سرية، وبسبب المظاهرات فإن الإيرانيين دفعوا بمشاركة أعداد أكبر للمليشيات العراقية في تأمين الاحتفالات.

 

وتنقل الصحيفة عن المنسق الأمني للاحتفالات الفريق قيس خلف المحمداوي، قوله إنه من بين 60 ألف فرد من الأمن، مخصصين لتأمين الاحتفالات، كان هناك 15 ألفا من عناصر المليشيات، ولم يحدد كم منهم ينتمون لمليشيات مرتبطة بإيران.

 

ويجد التقرير أنه بغض النظر عن حالة التنافر، فإن الجهد كان تكافليا، فتم تنسيق الأمن في مركز تنسيق عراقي إيراني، وتم التعاون من خلاله لصالح الحجاج من البلدان جميعها، مشيرا إلى أنه بالنسبة لكثير من الحجاج فإن السياسة كانت بعيدة عن تفكيرهم.

 

وتختم "نيويورك تايمز" تقريرها بالإشارة إلى قول روح الله حدادي، البالغ من العمر 38 عاما، وهو حاج إيراني يعمل في العلاقات العامة في طهران: "الجميع هنا مرحب ولطيف جدا.. بعض الناس قالوا إن بغداد ليست آمنة، لكننا نمشي في كل مكان، ورجال الأمن لطفاء جدا"، وأضاف قائلا: "الأربعون جنة.. الأربعون للجميع".

 

لقراءة النص الأصلي اضغط (هنا)