أفكَار

السودان.. صراع الأفكار يشتعل في معرض الخرطوم للكتاب

وزير الإعلام السوداني يفتتح معرض الخرطوم للكتاب ويتجول في أروقته (عربي21)

بعد أن كانت الأطروحات الفلسفية المتخاصمة طي الكتمان ردحا من الزمن، عاد صراع الأفكار للاشتعال من جديد في السودان على أرض معرض الخرطوم الدولي للكتاب الذي يشهد هذه الأيام مطبوعات تظهر لأول مرة إلى العلن، وفعاليات فكرية تطرح قضايا تصنف في اليمين وأخرى تعبر عن تيار اليسار، فضلا عن المشاركات النوعية لأطروحات ما بعد الحداثة.

وتُعد فعاليات الدورة الخامسة عشرة من "معرض الخرطوم الدولي للكتاب"، انعكاسا واضحا للمشهد السياسي السوداني العام الذي شهد ثورة شبابية غيرت نظام حكم الرئيس عمر البشير، ولا يحتاج الزائر كثير عناء للانتباه إلى تأثيرات هذا الحدث السياسي الكبير على معرض الكتاب، فشعار الدورة الجديدة (حنبنيهو) هو إحدى الشعارات الرئيسية التي رفعها الشباب الثائر في وجه النظام منذ التاسع عشر من كانون أول (ديسمبر) العام الماضي.

وكان المعرض مناسبة أيضا لعرض الكتب الصادرة حديثا التي تتضمن توثيقا وتمجيدا لثورة كانون أول (ديسمبر)، أو تحليلات لدوافعها وسيناريوهات المستقبل، مثل كتاب الصحافي الدكتور مرتضى الغالي عن عملية فض الاعتصام أمام قيادة الجيش في العاصمة الخرطوم، إذ لا تزال التحقيقات جارية حول هذه الحادثة المأساوية التي كانت نقطة تحول مفصلية في ثورة السودانيين، كما برز كتاب للمفكر الإسلامي المعروف حسن مكي ضمن الكتب المعروضة هذا العام، وكشف فيه الكاتب الغطاء عما ورد في مدونته من وفاة رئيس الوزراء الأثيوبي ملس زيناوي وحتى الإطاحة بالرئيس السوداني عمر البشير.

ولأول مرة خلال ثلاثين عاما ترفع السلطات الرسمية لائحة الحظر عن العديد من العناوين والأسماء بما فيها إصدارات لكتاب سودانيين عانوا من قائمة الحظر مثل كتب محمود محمد طه مؤسس الفكر الجمهوري، والروائي عبد العزيز بركة ساكن وغيرهم.

ولوحظ الظهور الطاغي لاصدارات مؤسس حركة الجمهوريين في السودان محمود محمد طه الذي أعدم في أواخر حكم الرئيس الأسبق جعفر نميري عام 1985م، بعد إدانته بحكم الردة، لكن الفكر الجمهوري الذي أسسه ما يزال يؤمن به كثير من الإخوان الجمهوريين داخل وخارج السودان.

 


 
وكأنما كان معرض الكتاب امتدادا لمعركة سياسية وفكرية انطلقت شرارتها قبل أسابيع بين وزيرة الشباب والرياضة ولاء البوشي التي يعتبرها المعارضون للحكومة الانتقالية من اللائي يعتنقن الفكر الجمهوري، وبين الداعية الإسلامي المعروف الدكتور عبد الحي يوسف على خلفية توجيه الأخير لانتقادات حادة للوزيرة بسبب تأييدها ومساندتها لانطلاق أول مسابقة لكرة القدم للنساء، ما اعتبرته الوزيرة اتهاما بالكفر، ودفعت بعريضة إلى المحكمة بهذا الشأن، فيما رد الداعية عبد الحي الذي يعد من المدرسة الإسلامية السلفية السرورية، ببلاغ ضد الوزير بتشويه سمعته مستندا على هجوم تضمنته بعض العبارات دونتها الوزيرة على صفحتها بفيسبوك قبيل تعيينها في المنصب الوزاري.

وتزامن ذلك مع قرار للحكومة الانتقالية أثار جدلا واسعا، بتعيين الدكتور عمر القراي مديرا للمركز القومي للمناهج والبحث التربوي، وهو أكاديمي متخصص في علم المناهج وحاز على إجازة هذا التخصص في الولايات المتحدة الأمريكية، واشتهر بمعارضته القوية لنظام البشير وانتقاداته الشديدة لفكر الإسلام السياسي، كما عرف بانتمائه للفكر الذي أسسه محمود محمد طه.

وقوبل تعيين الدكتور القراي بتأييد ومعارضة في آن، فالأنصار يعتقدون بأنه الأنسب لهذه الوظيفة، بحكم تخصصه، ويرون أن انتماءه الأيدولوجي لم يدخل في معايير الاختيار للوظيفة التي تحتاج إلى شخصية ذات خبرة في المجال مثل الدكتور القراي تستطيع أن تعيد النظر في بعض المناهج بالتعليم العام والتي يرى هؤلاء بأنها تتضمن تحريضا بين المذاهب الإسلامية وتحمل تشددا دينيا لا يراعي تعدد وتنوع البيئة الثقافية السودانية، بينما كتب منتقدو الخطوة بأن اختيار الدكتور عمر القراي فتح لباب الاستقطاب الحاد والانقسام العميق وتوفير مادة خام لفتنة دينية لن يسلم منها الوطن العليل، خصوصا وأن القراي ينتمي لفكر ديني يقع في منطقة جدلية شديدة التعقيد وبالغة الحساسية، ورأى رئيس تحرير صحيفة السوداني ضياء الدين بلال بأن الأوفق لقوى الحرية والتغيير التي تعد حاضنة سياسية لحكومة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك النأي عن اختيار الشخصيات ذات التوجهات الفكرية الحادة ووضعها في الأماكن ذات الحساسية العالية المرتبطة بالدين والتربية وثقافة المجتمع، وأن الفترة الانتقالية تحتاج إلى ارضية وفاقية ولا تحتمل الانقسام المجتمعي والتجاذب العقدي.

 



وتحولت هذه القضية إلى صراع من نوع آخر أطلق عليه "صراع الإسلاميين والعلمانيين"، وانتقل الصراع إلى صالات معرض الكتاب، حيث لوحظ التنافس المحموم بين الطرفين على عرض أفكارهما عبر الإصدارات المكتوبة أو الأنشطة الثقافية المصاحبة.

وقال المحرر الثقافي محمد إسماعيل لـ "عربي21": "إن معرض الكتاب لهذا العام، شهد تطورا ملحوظا على صعيد تنوع وتعدد المطبوعات التي تضمن رؤى لمدارس فكرية وثقافية لم تجد حظها من الظهور في السابق"، موضحا أن المجال صار مفتوحا للجميع من أجل تقديم أطروحاتهم دون حجر أو تمييز لصالح جهة دون الأخرى كما كان يحدث في نظام البشير، وقال إن ما يميز هذه الفعالية "الحوار بالأفكار بدلا عن الصراع بالسلاح". 

وبرز في هذا الخصوص حضور كبير لكتب الماركسية والاشتراكية وأطروحات ما بعد الحداثة، وإصدارات نقاد الفكر الإسلامي، بينما حازت كتب الفقه والتجديد الإسلامي، وكتب مؤسس الحركة الإسلامية السودانية الدكتور حسن الترابي وسيد قطب على مساحة واسعة من العروض، إضافة إلى كتب السلفية والوهابية والصوفية غيرها من كتب فقهية عديدة.

 



كما انتقل صراع الأفكار إلى الندوات المصاحبة لمعرض الكتاب، فقد شهدت إحدى الأمسيات ندوة نظمتها لجنة برنامج النشاط الفكري والثقافي بعنوان: "قراءات في الفكر الحداثي" قام بتنظيمه منتدى أثمار للحوار الفكري وقدم الدكتور راشد أبو القاسم فذلكة تاريخية عن الفكر الحداثي منذ عهد الرسول عليه الصلاة والسلام مسترشدا بحديث منقول للرسول الكريم عن تأويل القرآن (منكم من يحارب على التأويل كما حوربت على التنزيل) مشيرا إلى أن أول معركة فكرية بدأت مع الخوارج ذاكرا بطل العصر الحديث محمد شحرور في الحداثة، موضحا الفرق بين التطرف والوسطية مؤكدا أن الفكر الحداثي خلط ما بين الثابت والمتحرك مستدلا بكثير من الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة، معتبرا أن الملامح العامة للفكر الحداثي دائما الخروج على النص والذي بدوره يخرج رواده من المنظومة الإسلامية، مضيفا أن الخلاصة هي معركة بين العبودية والأنسنة.

وفي سياق متصل تناول الدكتور محمد زكريا مآلات الفكر الحداثي على الإسلام والمسلمين مشيرا إلى أن الحداثيين نصبوا أنفسهم حامين ومدافعين عن الإسلام مؤكدا أن ما فشل فيه المستشرقون تبنته مدرسة الحداثة، ذاكرا بعض الكتب التي تدعو للعلمانية مثل كتاب صناعة النبوءة، معتبرا بأن الفكر الحداثي يروج لمساواة تامة للرجل بالمرأة، ويشجع على توقيع اتفاقيات المرأة الأممية، فضلا عمن يتدثرون بالاسلام مثل "الصوفية" إيهاما للناس لإخفاء أفكارهم، مضيفا أن الحداثيين يمتلكون الجرأة في أحكامهم خاصة الذين يطبقون منهم الشريعة الإسلامية أو من يدعون إلى تطبيقها بالإضافة إلى ميول الحداثويين للفكر الاشتراكي وإيجاد المسوغات الفكرية لأنظمتهم مثل البعثيين في سوريا أو في العراق.

وعلى النقيض من تيار الانكفاء على القديم أو نقد الحداثة، شهد معرض الكتاب لأول مرة عناوين جديدة حول التنظير المسرحي لما بعد الحداثة، وقالت الناقدة الأدبية ميسون عبد الحميد لـ "عربي21": "إن الكتاب والمثقفين السودانيين استفادوا من مناخ التحول والثورة التي غيرت النظام السياسي، وبات المجال مفتوحا لتيارات ما بعد الحداثة التي كانت تواجه أساليب القمع عند محاولتها التعبير عن أفكارها وتوجهاتها".

ورأت الناقدة ميسون الفائزة بجائزة الدكتور يوسف عيدابي للبحث المسرحي بدراسة عنوانها "تجارب ما بعد الحداثة في المسرح السوداني"، أن معرض الكتاب يتيح ميدانا سليما للحوار الفكري وتحويل الصراع حول الهوية إلى تعايش سلمي عبر هدم المركزيات المهيمنة وتوظيف الثقافات المتعددة من خلال طرح الأسئلة الجديدة التي تولد إجابات جديدة. 

 



وفي ذات السياق، استضاف المقهى الثقافي المصاحب لمعرض الكتاب، كل من عبد الرحمن بوب وعادل سعد للحديث في ندوة النقد الثقافي في سياقات محلية وعالمية متجددة.

وأكد بوب في ورقته، أن السودان كان على الدوام محل اهتمام في الأدب والفنون العالمية، مشيرا إلى أن ما بين الاعوام 1910 ـ 1920م قد صدرت مجموعة روايات وأفلام عالمية عن السودان، أشهرها (في الصحراء والوحشية) للهولندي هنريك سينكيفيتش وهى رواية حولت إلى فيلم، وتحكي عن فترة الثورة المهدية التي رفعت شعارات إسلامية وأطاحت بالاستعمار التركي المصري.

كما تحدث بوب عن النظرة السالبة والتمييز لكل الأعراق التي حملها الأدب الأوروبي، وتمايز كتاباتهم لصالح الغرب، وقال ان مبدأ التمييز ثابت لدي الاوربيين.

وأشار في حديثه حول ماركس، وأدبه الذي حمل نقاطا مهمة ضد هذا التمييز، كما ورد في أدبه حول استغلال الشعوب، ونهب الثروات التي كانت أساسا للنهضة الأوروبية.

وتحدث عادل سعد في ورقته التي يوثق فيها عن الشعر في ثورة كانون أول (ديسمبر) متناولا ميدان الاعتصام أمام قيادة الجيش بوصفه فضاء جماليا وإبداعيا، وخاصة في مجال الشعر، وأوضح أن الميدان تضمن عدة فضاءات شكل السياسي العام فيه الفضاء الكلي، وداخله الشعري والموسيقى والمسرح والفضاء التشكيلي، مؤكدا أن كل هذه الفضاءات أنتجت مجموعة من الجماليات في السادس من نيسان/ أبريل لحظة إعلان سقوط نظام الرئيس البشير.

وقال إن كل من يدخل الميدان يرى مجموعة من المبدعين لإنتاج خطابات جماعية، سواء كانت على مستوى الشعر أو المسرح أو المقطوعات الموسيقية، وكل ذلك أنتج أدبا جديدا.

ومن المقرر أن تستمر فعاليات الدورة الخامسة عشرة من "معرض الخرطوم الدولي للكتاب"، حتى التاسع والعشرين من تشرين الأول/ أكتوبر الجاري، بمشاركة قرابة ثلاثمئة دار نشرٍ من السودان وخارجه.

وتحدث وزير الإعلام والثقافة فيصل محمد صالح عند افتتاحه للتظاهرة متعهدا بتحول حقيقي وعهد جديد، وانفتاح على بيوت الفكر والثقافة، مجددا قوله بأن لا قيود على الكتب "إلا إذا كان مسيئاً للأديان أو مثيراً للنعرات القبلية"، وامتدح الوزير البرنامج المصاحب للمعرض الذي يحتفى بالثورة وشعرائها وفنانيها بجانب النقاشات الفكرية.

وذكر أن الدورة تشهد غياب بعض المشاركات للكتاب والشعراء من خارج السودان بسبب ظروف عدم الاستقرار السابقة مرحبا بالضيوف الحاضرين.