أخبار ثقافية

فيلم "المخدوعون".. رواية غسان كنفاني خارج سؤال الخزّان

أحد مشاهد فيلم "المخدوعون" إنتاج المؤسسة العامة للسينما بدمشق 1972- أرشيفية

من يقرأ رواية "رجال في الشمس" سيعلق في رأسه السؤال الجوهري الذي يطرحه غسّان كنفاني بخصوص أبطال الرواية قبل أن يختنقوا داخل الخزّان: لماذا لم يدقوا جدران الخزّان؟!

 

غير أنّ هذا السؤال لن يحضر في ذهن المشاهد بعد أن ينتهي من مشاهدة فيلم "المخدوعون" –إنتاج المؤسسة العامة للسينما بدمشق 1972- والمأخوذ عن الرواية ذاتها لأنّ الأبطال الثلاثة سيدقون الخزّان دون جدوى في نهاية الفيلم.

 

بل إنّ السؤال الذي يحضر في ذهن من قرأ الرواية هو سؤال البحث عن السؤال الذي يشكّل العمود الفقري في "رجال في الشمس"، وسيسأل المشاهد عن الهدف من التغيير؛ هل هو متعلّق باختلاف رؤية مخرج الفيلم (المصري توفيق صالح) عن رؤية كنفاني؟ وما علاقة هذا التعديل على النهاية بتغيير العنوان؟


غير أنّ من يقرأ روايات كنفاني اللاحقة (أم سعد وعائد إلى حيفا وما تبقّى لكم) سيجد أنّ رؤية الفيلم تتفق مع تطورات الرؤية العامة عند الكاتب؛ فهو حينما كتب روايته "رجال في الشمس" عام 1963 كان يحاول فهم طبيعة الكارثة/النكبة التي حلّت بالفلسطينيين وكان قاسيا عليهم في سؤاله، إذ إن فعل دق جدران الخزّان يعادل فعل المقاومة وكأنه يسأل سؤالا جمعيًا: لماذا سلمتم أمركم للجيوش العربية ولم تفعلوا شيئًا؟

 

اقرا أيضا : رواية "النباتية".. سرد غني بروح المجتمع الكوري

 

غير أنّ الكاتب سيخرج من حالة التأمل وقراءة الهزيمة إلى طرح سؤال الفعل/ المقاومة وهو السؤال الذي احتوته الروايات اللاحقة.

 

كما أن الحقائق التي تكشفت لاحقا حول تورّط عدد من الزعامات العربية ودورهم المحوري في الهزيمة والتنازل عن مساحات واسعة من فلسطين، جعل تحميل المسؤولية لشعب أعزل فيه قسوة عالية –كما سيصرّح المخرج لاحقا.

 

لذلك سيدق أبطال الفيلم الثلاثة جدران الخزّان دون أن يسمعهم أحد وسيتحوّل العنوان إلى "المخدوعون".


عدا ذلك، فإن الفيلم التزام يكاد يكون أمينًا بحرفية الرواية؛ إذ سيحضر أبطال الفيلم كما صوّرهم كنفاني وكأنهم خرجوا من الورق لنراهم شخصيات من لحم ودم. إذ سنقابلهم وهم يحاولون الهجرة تهريبا من الحدود العراقية إلى الكويت بحثًا عن لقمة العيش.

 

أبوقيس العجوز الذي يسمع نبض الأرض ويحلم بأن يشتري أرضا ويزرعها زيتونا ويبني عليها غرفة يعيش فيها هو وزوجته وأطفاله، وأسعد الشاب السياسي المطارد من قبل السلطات، ومروان الفتى الذي ترك المدرسة وقرر الذهاب إلى الكويت ليعيل عائلته بعد أن تخلى عنها الأخ والأب.

 

إنهم (الكهل والشاب والفتى) يمثلون كل الأجيال الفلسطينية التي تعرضت للخداع وسيمثل الخادعين أبو الخيزران الرجل الذي فقد رجولته في الحرب وصار أنانيًا همه جني المال، وهو ربما يرمز للقيادات الفلسطينية الإقطاعية التي تركت القضية وانشغلت بمصالحها الشخصية على حساب أي شيء آخر.


ما يلفت الانتباه في الفيلم/ الرواية أنه سلّط الأضواء على التغيّرات التي أصابت المجتمع الفلسطيني بعد النكبة؛ إذ سيتجه إلى البحث عن لقمة العيش في ظل أصعب الظروف الأمر الذي سيعزّز من الأنانية وفكرة التخلّي، وهي أحيانا أنانية مبررة كما في حالة والد مروان العجوز الذي تخلّى عن عائلته ليتزوج امرأة فقدت ساقها في الحرب لكنها تمتلك بيتا باسمها، وذلك بعد أن تخلّى عنهم ابنه الآخر زكريا الذي يعمل في الكويت إذ توقّف عن إعالة العائلة.

 

وهناك أبو العبد صديق والد أسعد الذي استغل ظرف ابن صديقه كونه مطاردًا من السلطات وأخذ منه مبلغًا كبيرًا ثم خدعه وتركه يكمل طريقه في الصحراء. إن الفيلم يعبّر عن تغيّرات جوهرية حصلت في بنية المجتمع خلقتها قسوة الحياة والظروف الصعبة. 


لقد جاء أداء الممثلين مقنعا ومعبرًا عن روح الرواية، ولا يزال الفيلم يترك انطباعا مؤثرًا –قريب من الانطباع الذي تتركه الرواية- في ذاكرة المشاهد على الرغم من مرور أكثر من ما يقارب سبعة وأربعين عامًا على إنتاجه وعلى الرغم من تواضع الإمكانيات، الأمر الذي يؤكّد على أنّ السينما الملتزمة قادرة على التعبير عن ضمير المجتمعات ومشاكلها وأمراضها والدفاع عنها بصرف النظر عن الإمكانيات.

 

غير أنّ اللهجة السورية كانت طاغية على الحوار في الفيلم وكان واضحًا عدم اتقان الفنانين للّهجة الفلسطينية، كما أنّ الافتعال كان ظاهرًا على الشخصيات التي قدمت اللهجتين العراقية والكويتية. 


في أحد المشاهد التي يستعيد فيها أبو قيس ذكرياته في في فلسطين يتذكر الأستاذ سليم الذي رفض أن يصلي بالناس يوم الجمعة وأخبرهم أنه لا يعرف أن يصلي، وحينما سأله أحدهم ساخرًا عما يعرف إذا كان لا يعرف الصلاة سيجيب أنه يجيد إطلاق النار إذا حضر الصهاينة.

 

وفي مشهد آخر يستعيده أبو قيس يحضر الأستاذ وهو يقاتل العصابات اليهودية ويسقط شهيدًا؛ في هذا المشهد سيفك أبو قيس البندقية بصعوبة من يد الأستاذ وستبقى اليد وكأنها في وضع القبض على السلاح.

 

مشهد اليد هذا سيتكرر في نهاية الفيلم ولكن بطريقة مغايرة؛ إذ بعد أن يموتوا داخل الخزّان سيقوم أبو الخيزران برمي الجثث عند مكب نفايات وستكون يد أبي قيس اليمنى متخذة وضعية اليد القابضة على السلاح، وكأن المخرج يريد أن يوجه لنا رسالة عن مصير اليد المقاومة التي يجب ألا تفقد بوصلتها وألا تنشغل بلقمة العيش على حساب قضية الأرض.