كتاب عربي 21

ماذا قدّمت حماس للعمل الوطني الفلسطيني؟!

1300x600
كَتَبَ أسعد أبو خليل، على صفحته في الفيسبوك: "لا نستطيع أن ننكر إسهامات "حماس" في العمل الوطني الفلسطيني: هي أوّل من أدخل الكراهية الدينيّة ضدّ المسيحيين، والتحريض المذهبي ضدّ الشيعة، والاستشهاد بالبرتوكولات المزيّفة ضدّ اليهود". إذن، فإنّ الأكاديمي الأمريكي/ اللبناني، اليساريّ المؤيّد للمقاومة، والذي يُعرّف نفسه بـ"العربي الغاضب"، ويَعْرِفْه البعض من دراساته وكتاباته، ويَعْرِفْه الأكثرون من قناة الجزيرة في مرحلة سابقة؛ قبل أن يكتشف فجأة "اتجاهات القناة ومموليها"! وبعد أن بحَث عن إسهامات حماس في العمل الوطني الفلسطيني؛ بحْث المثابر عن إبرة في كومة قشّ، لم يجد لها من إسهامات سوى ما ذكره، على سبيل السخرية!

ولو سلّمنا جدلا أنّ حماس قد أدخلت إلى الثقافة الفلسطينية ما زعمه "الثوري الباكونيني"، فعلينا أن نفكّر في ماهية ذلك الآدميّ الذي لم يستطع أن يرى في حركة قدّمت آلاف الشهداء والأسرى والجرحى.. سوى ما ذكر، وكانت العنصر الفاعل الأهمّ إلى جانب حركة فتح في الانتفاضة الأولى، والفاعل الأهمّ والأكثر إثخانا في الاحتلال في الانتفاضة الثانية، من بين جملة الفاعلين في تلك الانتفاضة، والذي حوّل قطاع غزّة إلى قاعدة للمقاومة يعمل فيها الجميع بما في ذلك أشدّ مخالفي الحركة فكريّا من الفصائل الفلسطينية، وحتّى مجموعات محسوبة على حركة فتح، ثم خاضت بعد ذلك العديد من المعارك الضخمة، والمواجهات المفتوحة. وهي التنظيم الفلسطيني الأكثر محاولة على الإطلاق لاختراق الواقع في الضفّة الغربية، وللدفع نحو استئناف العمل المقاوم فيها. وعلينا أن نتخيل بعد ذلك المشهد الفلسطيني لو لم توجد هذه الحركة، وتَفَرَّد بالمشهد مشروع التسوية بوقائعه وخطاباته، في مقابل عجز بقية فصائل الحركة الوطنية عن منافسته أو مواجهته أو فرض توازن معه!

بالرغم من ذلك كلّه، فإنّ أبو خليل، وكعادته بين فترة وأخرى، لا يرى فيما قدّمته حماس سوى ما تخيّله من تحريض على المسيحيين والشيعة واليهود، وهو ما يدعو للتفكير في هذا العطن المركب في رؤيته ومخيّلته. فمن جهة؛ تخيّل ما لا وجود له في الواقع، ومن جهة أخرى؛ افترض أنّ هذا المتخيّل هو الوحيد الذي قدّمته حماس للعمل الوطني الفلسطيني، مع أنّها، وباعتبارها عنصرا في مقاومة الفلسطينيين، قدّمت ما لم يقدّمه أحد في الإقليم، بالنظر إلى ظروفها وممكناتها، التي هي ظروف الفلسطينيين وممكناتهم.

يحاول أبو خليل أن يُظهر دائما أنّ ما يجمعه بالآخرين هو فلسطين، فهي نافذته التي يرى منها العالم، ومعياره الذي يحاكم الآخرين إليه، وبالتالي فيفترض أنّ موقفه النقدي من الأيديولوجيات التي يخالفها، وما يتّصل بذلك من سياسات، لن يطغى على القاسم الذي يجمعه بالآخرين، وهو فلسطين، وبهذا يمكن تفسير انحيازه لحزب الله، ولكن هذا المعيار يتعطّل، وهذه النفاذة تُغلق، والقاسم ينمحي تماما، ما دام الأمر متعلّقا بحماس، حتى لا تُرى إلا حركة تدعو للكراهية، وليس من تفسير لهذا التجنّي المكشوف، أو الجهل بالحركة والمؤسَّس على الكراهية، سوى مركّب من الحقد الطائفي والأيديولوجي، الذي يتّجه عادة للبيئة الفكرية والدينية التي نبتت فيها حماس لا أكثر، هذا فضلا عن التذاكي السمج الذي يتوهّم خفّة الدّم، وإذا به خفّة عقل خالصة.

هذا التجنّي يقود لمقارنات لا نرغبها، بيد أنّه لا بدّ منها، فليس في قيادات حماس من لقبه آية الله، وحجة الإسلام والمسلمين، وثقة الإسلام، وليست لديها أيّ مناسبات دينية زائدة على ما لدى الفلسطينيين وعموم المسلمين، ولا معالم هويّة مفارقة لعموم المسلمين، سواء في الشعائر الدينية أو المظاهر الفردية والجماعية، وباستثناء المناسبات المتعلّقة بشخص النبي، صلى الله عليه وسلم، والذي هو نبيّ المسلمين كلّهم، كمولده وهجرته وذكرى الإسراء والمعراج، وهي مناسبات يحييها الفلسطينيون كلّهم، ولا يوجد في فعاليّاتها أو خطاباتها احتفاء خاصّ بشخصيّات تاريخية دون النبيّ مما يمكن أن ينبني عليه هويّة خاصّة، تفارق بها أكثر المسلمين، أو عموم الفلسطينيين. وحماس كما هو معلوم لا تنادي بالثأر إلا من الاحتلال، وليست هذه فضيلة حمساوية، بقدر ما هي نبت طبيعي منبثق عن البيئة التي وُجدت فيها هذه الحركة، وهي بيئة غير طائفية أصالة.

هذه الحركة هي حركة شعبيّة كبيرة، لا تتبنى في مناهجها التثقيفية المركزية ثقافة طائفيّة أو فِرَقيّة أو مذهبية، باعتبار أنّ منبتها وبيئتها لا يتسمان بالوعي الطائفي، وانتمائها إلى تيار تجميعي في أصل خطابه ومشروعه. وطابعها الشعبي يُضعِف من صلابتها الأيديولوجية لصالح فكرة المقاومة والمشروع السياسي، ولكنه من جهة أخرى، يُسهّل مرور أفكار من اتّجاهات إسلامية شتّى، لا سيما في زمن الانفجار الفضائي وثورة التكنولوجيا، وصعود الخطاب الطائفي بعد احتلال العراق، والثورة السورية. ولا شكّ في أنّ حركة شعبية كهذه، تتعدّد فيها المواقف إزاء شتّى الموضوعات، ولا يمكن والحال هذه القول إنّ موقفا لأستاذ جامعي، أو خطيب جمعة، أو ناشط إعلامي محسوب عليها.. يُعبّر عنها بالضرورة، وإلا فغيرها ممن يتسم بالبنية الطائفية أصالة أولى بذلك، والأمثلة لا تُحصي!

وأمّا أسطورة إدخال الكراهية ضدّ المسيحيين، فكذبة مكشوفة، كان ينبغي أن يخجل من تردادها صاحبها وهو يكرّرها. وضرب الأمثلة لتفنيد ذلك معيب، إذ الأصل أن الفلسطينيين شعب واحد في مواجهة الاحتلال. وعلى أيّ حال، فلا خطاب حماس، ولا أدبيّاتها الداخلية، ولا ممارستها السياسية، تتضمن أي بثّ للكراهية ضدّ المسيحيين، وعلى العكس من ذلك؛ ترتبط الحركة بعلاقات وثيقة بالعديد من الرموز المسيحية، وتحظى بأصوات مسيحية وافرة في الانتخابات الطلابية، وكذا الأمر في ما خاضته من انتخابات تشريعية ومحلية. وفي مقابل ذلك، فإنّ الذي يفتعل اتهاما من هذا القبيل لا مصداق له في الواقع.. يثير فتنة طائفية في بلد لا يعرف هذه الفتن أصلا، وباستثناء حجاب المواقف المسبقة، لا يبدو أن لأسعد أبو خليل ما يستند إليه في إثارة هذه الأكاذيب!

تبقى حكاية بروتوكولات حكماء صهيون، فلا يمكن لأحد أن يزعم أن ميثاق حماس التأسيسي كان متقدّما في خطابه، أو مستفيدا بشكل واضح من إرث الحركة الوطنية الفلسطينية، بل تضمّن ميثاقها أخطاء فادحة، سبق لي الحديث عنها في مقالات وبرامج تلفزيونية، بيد أنّ دراسة تاريخ الحركة، ومعرفة الظروف والملابسات التي كُتب فيها الميثاق، والخطاب الشعبي الفلسطيني الذي وسم لغة الميثاق، يُخفّف من تحميل الحركة تبعات بعض مضامينه ومفرداته، لا سيما وأنّها تجاوزته في ممارستها وخطابها وأدبيّاتها سريعا، بعد فترة وجيزة على انطلاقتها، وقبل إطلاق وثيقتها الأخيرة بعقود. وقد تناول ذلك الميثاق العديد من قياداتها بالنقد والمراجعة، ولا نحسب أن عالما في السياسة والاجتماع يغفل عن مثل هذه الحيثيات، ليختصر حركة كبيرة، مضى من عمرها 32 عاما، في جزئية عالقة في تاريخها القديم، تجاوزتها بعد شهور لا بعد سنوات!

ولا أظنّ أن أسعد أبو خليل مثلا يختصر تاريخ حزب الله في خطاب قديم لأمينه العام الحالي يقول فيه: "ومشروعنا الذي لا خيار لنا أن نتبنى غيره؛ كوننا مؤمنين عقائديين.. هو مشروع الدولة الإسلامية وحكم الإسلام، وأن يكون لبنان ليس جمهورية إسلامية واحدة، وإنما جزء من الجمهورية الإسلامية الكبرى التي يحكمها صاحب الزمان ونائبه بالحق الولي الفقيه الإمام الخميني".

ورغم اعتقادي أنّ الحزب لم يتغيّر من جهة إيمانه بهذه الفكرة التأسيسية، إلا أنّ اختزاله فيها ضرب من التجنّي الذي يمارسه أبو خليل على حماس، كما أنّه من التجنّي مثلا وسم علاقة الحزب باليسار بالاغتيالات التي طالت مثقفين يساريين فيما مضى، وهكذا!

لا شكّ في أنّ حماس ليست حركة تقاوم الاحتلال فحسب، وإنّما لديها مضامين فكرية وخيارات سياسية وطرائق إدارية تستحقّ الاختلاف والنقد. بيد أنّ هذا ليس شأنها وحدها، ومن التجنّي الشديد تلخيصها فيما نخالفها فيه فقط، ومن التناقض معاملتها كذلك بخلاف غيرها ممن يُطمس أيّ جانب محلّ إشكال فيه لصالح صورته المقاوِمة، فكيف إذا كان هذا التجنّي مؤسّس على الكذب الأصلع، ثم يتكرر مرّات دون حياء؟!

سبق لي الردّ على أبو خليل في مقالة طويلة قبل سنوات على الاتهامات ذاتها، وإذا كان الرجل جاهلا فيما يتكلّم عنه، فإنّه يأبى التعلّم، والسبب على الأرجح؛ ذلك العمى الأيديولوجي الذي لا ينمّ أبدا عن كون فلسطين هي النافذة والمعيار، وينبغي أن تكون فلسطين، والحال هذه، هي الباعث على الردّ، إذ لا يهمّنا من حماس إلا القدر الجيّد الذي فيها ويمكن المراكمة عليه، أمّا نفيه وطمسه بالأكاذيب، وفضلا عن كونه فعلا ذميما، فإنّه لا يفيد إلا أعداء فلسطين.