ملفات وتقارير

لماذا يخشى بريطانيون من "بريكست على طريقة جونسون"؟

مخاوف من تأثيرات "خروج خشن" على وحدة البلاد ومكانتها الدولية- جيتي

شهدت بريطانيا خلال اليومين الماضيين سجالا ساخنا في البرلمان، لمواجهة مساعي رئيس الوزراء، بوريس جونسون، للمضي بالبلاد إلى خارج الاتحاد الأوروبي، سواء عبر اتفاق أو بدونه.

وتمكن مجلس العموم من منع "جونسون" تعطيل عمل البرلمان، كما أنه مرر قانونا يجبر الحكومة على التوصل إلى اتفاق مع الاتحاد الأوروبي بحلول 19 تشرين الأول/ أكتوبر المقبل، أو طلب تأجيل موعد الخروج، المحدد حاليا بنهاية الشهر نفسه، إلى 31 كانون الثاني/ يناير 2020.

وفي ضربة ثالثة، رفض المجلس طلب رئيس الحكومة إجراء انتخابات مبكرة، بهدف الحصول على أغلبية برلمانية أكثر تماسكا تمهد له تنفيذ خطته، في تحد واضح للمعارضة، لا سيما حزب العمال بقيادة جيرمي كوربين.

إلا أن "هزائم" جونسون لا تعني بالمقابل انتهاء شبح "بريكست بدون اتفاق"، إذ إن التأجيل المحتمل سيكون الثاني، حيث كان من المقرر أن يتم الخروج في نهاية آذار/ مارس الماضي، بعد عامين من المفاوضات، عقب استفتاء 2016، في ظل إصرار لندن وبروكسل على مواقفهما.

ومن جهتها، لا تريد بريطانيا البقاء تحت رحمة الاتحاد، خاصة بشأن الحدود بين إيرلندا الشمالية وجمهورية إيرلندا، فيما يصر الأوروبيون على مواقفهم للحد من تأثيرات "بريكست" السلبية، لا سيما الاقتصادية منها، وخشية تأثير خروج "ناعم" للمملكة المتحدة على مستقبل الاتحاد، عبر تعزيز حظوظ اليمين الشعبوي في مختلف دوله، بحسب خبراء في معهد "كارنيغي".

بريطانيا "صغرى"؟

يخشى بريطانيون من تسبب بريكست، وخاصة "بدون اتفاق"، بقلاقل في إيرلندا الشمالية، إذ يعزلها عن شطر الجزيرة الجنوبي، جمهورية إيرلندا، العضو في الاتحاد، لتعود بذلك ظلال الحرب الأهلية التي استمرت عقودا، وانتهت باتفاق "الجمعة العظيمة"، عام 1998.

والثلاثاء، نقل تقرير لـ"بي بي سي" عن عضوة البرلمان والسياسية الإيرلندية الشمالية المخضرمة، ليدي هيرمون، اتهامها رئيس الوزراء بخرق اتفاق "الجمعة العظيمة"، وتحذيرها من عواقب ذلك، رغم كونها من الداعمين للوحدة مع المملكة المتحدة.

 

اقرأ أيضا: الغارديان: جونسون يريد انتخابات للبقاء في منصبه

ويشدد ذلك الاتفاق على ضرورة إشراك الإيرلنديين الشماليين في أي قرار يؤثر على مصيرهم، خاصة حين يتعلق بالعلاقة مع جمهورية إيرلندا، ويتيح للأخيرة حق المشاركة في بحث تلك القضايا.

أما في أسكتلندا، فإن الدعوات تتزايد لإجراء استفتاء جديد على الانفصال عن لندن (أجري الأول عام 2014) والبقاء بالاتحاد الأوروبي، وهو ما توقع الكاتب البريطاني، بيل بتروورث، أن تدعمه بروكسل بشكل كبير في المرحلة المقبلة، مشيرا إلى تحذير وزير الخزانة السابق فيليب هاموند، من تحول بريطانيا العظمى إلى "صغرى".

من جانب آخر، فإن الخروج بدون اتفاق يلقى معارضة أغلبية الناخبين (44% مقابل 38%، 11% يدعمون خيارات أخرى، و10% ليست لديهم فكرة)، بحسب رصد حديث، ما يعكس تغيرا في المزاج العام، لا سيما في أوساط من صوتوا بـ"نعم" في استفتاء عام 2016 (52% مقابل 48%)، وأغلبهم في إنجلترا وويلز، ما يعني حدوث انعكاسات اجتماعية وسياسية داخلية حادة في حال تمكن "جونسون" من تنفيذ خطته.

وعلى المستوى الاقتصادي، فإن "بريكست بدون اتفاق" سيكلف بريطانيا 16 مليار دولار سنويا، على الأقل، في قطاع التجارة، بحسب تقرير للأمم المتحدة، حيث إن نصف تبادل البلاد التجاري هو مع دول الاتحاد، و16% أخرى منه مع دول تجمعها ببروكسل اتفاقيات تجارة حرة.

وفي قطاع الأعمال، حذرت تحالفات شركات عالمية، تضم أكثر من أربعة ملايين شركة تنتمي لثماني دول، من عواقب وخيمة على ثقة المستثمرين بالمملكة المتحدة في حال مضى جونسون بالبلاد إلى خارج الاتحاد دون اتفاق، مشيرة إلى احتمال خروج استثمارات بعشرات المليارات.

ترقب لحظة السقوط

بالتزامن مع كشف رئيس الوزراء البريطاني، بوريس جونسون، مؤخرا، عن عزمه تعطيل عمل البرلمان للمضي بالبلاد إلى خارج الاتحاد الأوروبي، سواء عبر اتفاق أو بدونه، تحدث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، عن تحضيره لصفقة "كبيرة" مع لندن بعد إتمام "طلاقها".

إلا أن "تبشير" ترامب بما بعد خروج لندن من الاتحاد دفع زعيم المعارضة البريطانية، جيرمي كوربين، إلى التحذير من سقوط البلاد في فخ الارتهان للولايات المتحدة وشركاتها العملاقة.


وفي السياق ذاته، تحدثت ماليزيا عن "فرصة تاريخية" أمام بريطانيا لعقد اتفاقيات تجارية مع الدول الصاعدة، لا سيما في جنوب شرق آسيا، بعد التحلل من القيود الأوروبية، التي وصفتها بالحمائية.

 

اقرأ أيضا: ترامب يتضامن مع جونسون: صديقي يعرف كيف ينتصر

وعلى غرار "كوربين"، حذرت صحيفة "الغارديان" أيضا من مسارعة البلاد لعقد اتفاقيات تجارية وصفقات، قد تكون مجحفة بحقها من جهة، وتؤثر من جهة ثانية على المعايير الصحية والبيئية والإنسانية.

ورغم أن الصين قد تحصل على جزء من تلك الكعكة، ولن يكون صغيرا بالتأكيد، بحسب تقرير للمعهد الأوروبي للعلاقات الدولية، إلا أن بكين تتحدث في المقابل عن رغبتها بشراكة تجارية استراتيجية مع كتلة أوروبية موحدة، لتخفيف اعتماديتها الكبيرة على السوق الأمريكية، ما يعني محاولتها الموازنة بين دعم بروكسل من جهة ومحاولة استثمار "بريكست" من جهة ثانية.

وبالتأكيد، هنالك روسيا، التي تتهم بلعب دور في التأثير على نتائج استفتاء عام 2016، وتترقب حدوث انشقاق في أوروبا لتتمكن من المناورة بحرية أكبر، بحسب تقرير لمجلة "فوربس".

 

ويوضح التقرير أن موسكو واجهت عقوبات وعزلة منذ أزمة أوكرانيا عام 2014، وتم إقصاؤها من مجموعة الثماني، إلا أن استعداد ترامب لإعادتها، كما كشف عن ذلك في قمة السبع الأخيرة بفرنسا، وإمكانية تحرر لندن من الدبلوماسية الأوروبية الموحدة، وربما حاجتها لشراكة مع روسيا، قد يهيئ للأخيرة العودة إلى العديد من الميادين الدولية، وبقوة أكبر.

ويعني ذلك في المقابل أن دولا أوروبية في شمال وشرق أوروبا ستتضرر جراء أي تفكك في الموقف الأوروبي تجاه الجار العملاق.