كتاب عربي 21

الثورات تتعثَّر وتتعسَّر.. السودان نموذجا

1300x600
يعلمنا التاريخ أنه ما من ثورة تمشي في خط مستقيم، فمهما تمنى وجاهد من هم وقودها وقادتها كي تبقى على المسار المنشود لتحقيق غاياتها، فإن للثورات ديناميتها الخاصة المتسمة بالفجائية؛ لأنها لا تتحرك إلى الأمام أو تتراجع فقط برغبات وجهود القوى الفاعلة فيها والمحركة لها، بل أيضا تنحني بل وتنتكس بسبب جهود قوى الثورة المضادة.

ثورات الشعوب، التي تستحق مسمى "ثورة"، تهدف لكنس القديم وبناء الجديد، وقد يستغرق الكنس والهدم زمنا قصيرا، ولكن بناء الجديد قد يستغرق عقودا. ولنا في عراق ما بعد صدام حسين الدليل والشهادة على ذلك، فقد تعجل الغزاة الأمريكان وحلفاؤهم المحليين تفكيك نظام صدام وإلغاء كافة مؤسساته، بما عناه ذلك من تفريغ أجهزة الدولة المدنية والعسكرية من كوادرها القيادية، فكان أن أدى ذلك إلى جعل عراق ما بعد عام 2003 دولة هشة؛ ما زالت إلى يوم الناس هذا تعاني من اضطرابات هيكلية.

حرصت الثورة السودانية المشتعلة منذ نحو ثمانية أشهر، والتي ما زالت تحبو نحو غاياتها، على تفادي النموذج العراقي آنف الذكر، كما حرصت على تجنيب البلاد مصائر الثورات في سوريا واليمن وليبيا ومصر؛ من تحول إلى احتراب أهلي أو التعرض للاختطاف من قبل قوى محلية معادية لها، ولكنها (أي الثورة السودانية) تقف منذ أسابيع عند محطات رمادية بسبب قصور في رؤى قياداتها، أو بسبب طموحات بعض من سايروا شعاراتها طمعا في المغانم.

فبعض القوى التي حملت السلاح ضد نظام عمر البشير، تريد الآن مكافأة نهاية الخدمة بأن ترهن وضع السلاح بفوز مرشحيها بمناصب سيادية وتنفيذية، تأسِّيا ببعض الأحزاب الممثلة في إعلان قوى الحرية والتغيير (قحت)، وهو الجسم الذي اضطلع بقيادة الثورة قبل وبعد سقوط عمر البشير، والتي تسعى لتسريب بعض قياداته إلى المناصب السيادية والتنفيذية والتشريعية.

وأكثر المحطات رمادية وضبابية التي توقفت عندها عجلات الثورة هي اختيار رئيس للقضاء ونائب عام (محامي الدولة). ففي بهجة التوافق بين المجلس العسكري، الذي نصب نفسه قيادة سياسية وتنفيذية للبلاد منذ 11 نيسان/ أبريل الماضي، و"قحت"؛ بشأن الإعلان الدستوري الذي يحدد هياكل الحكم وصلاحياتها في 4 آب/ أغسطس الجاري، فات على الطرفين تضمين الإعلان الكيفية التي يتم بها اختيار شاغليِّ المنصبين، مع إيراد كلام معمم عن أن يكون الاختيار لرئيس القضاء من قبل المجلس الأعلى للقضاة (وهو كيان لا وجود له حاليا) وللنائب العام من قبل هيئة النيابة العامة، التي لا وضع دستوريا وقانونيا يؤهلها لتلك المهمة.

وبإزاء ذلك، حدث توافق بين العسكر والمدنيين على تعديل الوثيقة الدستورية، بحيث يصبح ملء المنصبين من صلاحيات مجلس السيادة، مما يعني أن شغل المنصب سيكون "موقوتا" إلى حين تشكيل المجلس الأعلى للقضاء الذي سيختار "رئيسا" يتمتع بقدر من الديمومة. وما يقلق أنصار الثورة، هو أنه حدثت ترقيات مفاجئة خلال الأيام القليلة الماضية لستة وأربعين قاضيا إلى المحكمة العليا، والعجلة في هذا الأمر تثير الشكوك بأن أنصار حكم البشير في السلك القضائي، سيشغلون معظم مقاعد المجلس الأعلى للقضاء، ويتسنى لهم بذلك اختيار رئيس لهم منهم وفيهم.

وبموازاة ذلك، أدى رئيس الوزراء السوداني الجديد، د. عبد الله حمدوك، القسم الدستوري، وألقى خطابا قصيرا لخص فيه المهام الجسيمة الملقاة على عاتق الحكومة الجديدة، وأعلن أنه رئيس لحكومة عموم أهل السودان، وليس فقط الكيانات المكونة لـ"قحت" التي اختارته للمنصب، وقال كلاما عقلانيا كثيرا لاقى الاستحسان والتفاؤل؛ بأن الحكومة المدنية المرتقبة ستكون عند حسن ظن الجماهير التي مهرت وثائق الثورة بالدم.

ولكن البقع الرمادية في جسم الثورة الشعبية السودانية قليلة وتسهل إزالتها، وهي على كل حال ظاهرة ترافق مراحل التسنين في جميع النقلات الكبيرة من دكتاتورية عسكرية عضوض إلى حكم مدني يمهد لتحول ديمقراطي حقيقي. فقد كانت الديمقراطية غائبة عن السودان تماما في ظل حكم عمر البشير الذي كان يتدخل حتى في تعيين مجالس إدارات أندية كرة القدم، ولا بد أن نجد العذر لقيادات نشأ معظمها خلال ثلاثين عام من القهر والكبت إذا كَبَت، وكما يقول المثل السوداني الفصيح البليغ: العثرة تصلح المشْيَة.