قضايا وآراء

السلطة (كائن لئيم)

1300x600

كان ميشيل فوكو(1926 ـ 1984) دقيقا وعميقا حين قال: إن السلطة كائن لئيم، كائن يستعمل كل الوسائل للحفاظ على ذاته.. من الوهم والأيديولوجيا إلى العنف المفتعل والقوة المباشرة وذلك كله ضمن عملية خداع محسوب بعناية بالغة، كل ذلك من أجل إخضاع الإرادات المعارضة لغاياتها. 

فالسلطة وطبقا لاستراتيجيات قمعية معقدة، تشتغل في المجتمعات الحديثة بكيفية تسمح بإخضاع القوى المعارضة.. فلا مجال للتوافق أو للاعتراف المتبادل بالقيم المشتركة للقوى المتصارعة. هذه السلطة تحمل طاقة سلبية تنفي كل ما يعاديها ويعارضها ولا تجيز فعل سوى ما تسمح هي به".

 

الوطن كان ولازال يحتاج إلى رجال فكر وتربية وأخلاق ودعاة ينقذوه.

 
فوكو يتحدث أيضا في هذا النطاق عن المعرفة والمراقبة والعقاب والأيديولوجيا والجسد.. وتلك الأمور التى اشتهر بالبحث فيها وعنها، وهو يرى أن السلطة ليست (جوهرا مستقلا)، يعنى ليست شيئا قائما بذاته منفصلا عن باقي المجتمع والدولة.. فالسلطة كما يقول: "استراتيجيات وعلاقات متشابكة ولها أبعاد متنوعة وكثيفة تتداخل بعضها فى بعض".

 

السلطة في مصر لم تكن حسني مبارك

السلطة في مصر قبل ثورة يناير لم تكن (حسنى مبارك) فقط.. إذ من الصعب الافتراض أن مبارك حكم مصر ثلاثين عاما بالقبضة الحديدية وحدها، وأنه وحده المسؤول عن الفساد العارم الذي يمتد طولا وعرضا ورأسا وأفقا في كل مكان.. أين حسني مبارك هنا من كل هذه التغلغلات والتشعبات للفساد؟

حسنى مبارك لم يكن وحده فاسدا وأن الثورة التي قامت عليه لم تحقق أحد أهم أهدافها، وإن عزل حسني مبارك.. ومن ساير حسنى مبارك فى الفساد طيلة ثلاثين عاما لم يكن غافلا أو خائفا، كان فاسدا طافحا بالفساد. أيضا كان النظام كله نسقا معقدا متعدد الحلقات مارس فيه الكثير من السياسيين ورجال المال والبنوك والإعلاميين والفنانين ورجال الأجهزة المعلنة وغير المعلنة أدوارا أساسية، بما فيهم السياسيين الذين كانوا يقومون بدور المعارضة التي كانت تمنح النظام وجها ديمقراطيا من خلال الخطاب النقدي الذي لم يكن له أي تأثير عملي في المجال السياسي والميداني (راجع دور المعارضة في البرلمان طوال فترة حكمه.. راجع الجرائد المعارضة الدستور والأسبوع وصوت الأمة  العربي...الخ).

حسني مبارك كان رأسا فقط لنظام مليء بـ (ميكروفيزياء الفساد) الذي تحميه (ميكرو فيزياء السلطة). كان مبارك قد تم اختياره من قبل الرئيس السادات وفق معايير وشروط واضحة ومحددة تتعلق فى الأساس بمفهوم (الصفوة الحاكمة) التي تكونت بعد يوليو 1952 م.. كذلك تم اختيار السادات من الزعيم الخالد الذى كان يدرك تمامًا حقيقة اختياره للسادات ليكون خليفته (وليس لأنه اضطر لذلك قبل سفره إلى مؤتمر الرباط).. وحتى اختيار الزعيم  لزكريا محيى الدين ليخلفه بعد التنحي الموهوم 1967 كان ضمن مفهوم الدائرة المغلقة لقصة الصفوة الحاكمة..

 

الزعيم والصفوة الخالدة


كان الضباط الأحرار وعلى رأسهم الزعيم الخالد ومن معه وحوله من الرجال الأقوياء قد كونوا تلك (الصفوة الجديدة) التي حلت محل السراي والباشوات والرأسمالية الوطنية.. هذه الصفوة لم تغب أمريكا أبدًا عن تكونها وتشكلها.. وزراء وأعضاء برلمانات وأعضاء المراتب العليا في الحزب الحاكم (الاتحاد الاشتراكي وقتها) وكبار قادة القوات المسلحة والصفوف العليا من البيروقراطية (الصفوة التحتية).. 

 

كانت اللهفة على السلطة والقوة والنفوذ تفوق أي مسعى أخر من المساعي التي يفترض أولويتها في سياق المفاهيم الثابتة والكبرى عند التيار الاصلاحي


وحين جاء الرئيس السادات اضطر هو ومن حوله من الرجال الأقوياء لترتيب نسق الصفوة في البناء القيادي الجديد، وسرعان ما تكونت الصفوة الجديدة ضمن الإطار الصلب (للقالب الداخلي) التي تدير وتحرك عملية الاتصال الداخلي في شبكة التبعية (ميكرو فيزياء السلطة) والتي استعصت تمامًا على الكسر والاقتحام.. 

فلم يكن الرئيس المنتخب بعد ثورة يناير ومن معه على وعي كافٍ بحقيقة (السلطة العليا) وطبيعة هذه (الصفوة) التي تقبض عليها.. 

 

صفوة يوليو تستحوذ على الثورة


وظنوا كما ظن كثيرون أن 25 يناير قد طوت التاريخ واعدة بمصير مجيد بلمسة من عصاها السحرية فى غمضة عين.. لكن حقيقة ما جرى أن (صفوة يوليو) في طور جديد استحوذت علينا بدلاً من أن نستحوذ عليها، لم يدركوا أن تغيير هذه الصفوة التي تقبض بثقل بالغ على (القوة المركزية) لا يكون باقتحامها والاستيلاء عليها وإن حتى بانتخابات.. بل بمحاصرتها (بقوة الإنسان وقوة المجتمع المدني الذي يحتويه).. 

 

كانت اللهفة على السلطة والقوة والنفوذ تفوق أي مسعى أخر من المساعي التي يفترض أولويتها في سياق المفاهيم الثابتة والكبرى عند التيار الاصلاحي.. والموضوع لا يتصل بالفكرة بقدر ما يتصل بالأشخاص ورغباتهم الجامحة وقد تصوروا أن هذه الساعة هي أكثر الساعات ملاءمة (أتمنى أن يكون قرار النهضة التونسية بالترشح للرئاسة مر بمراحل من التصفية والتنقية بما يجعله مناسبا للظرف الداخلي والاقليمي في التونس والمنطقة).

 

بين الشعارات التي ترفعها الثورات وبين ما يحصل على الأرض هوة كبيرة جدا، لم يثبت لا التاريخ ولا العلم أن ثورة ما استطاعت أن تتغلب على هذه الهوة،


الوطن كان ولازال يحتاج إلى رجال فكر وتربية وأخلاق ودعاة ينقذوه.. يكفي ما تعرض له الإنسان المصري من عمليات هدم مروعة طوال ستين عاما بانتظام وعلى نحو مستمر.. بلغت ذروتها بالهزيمة الفاضحة في حزيران (يوينو) 1967 هدم لعقله وأفكاره وأخلاقه وثقافته وعاداته وعلاقاته لم يدرك هؤلاء الطيبين البسطاء (فكرا ووعيا) أن (ميكروفيزياء الفساد) تملأ الجسد الوطني كله..

وأن المسألة ليست رئيسا ينتخب في ظروف محلية وإقليمية شديدة التعقيد.. سينهي التاريخ كل ذلك في يوم ما وعلى نهاية ما، وستبقى منه عبرة واحدة وهو أن التغيير لا يكون إلا ببناء الإنسان وذلك ضمن عملية إصلاح واسعة.. 

يقولون إنه منذ ثورة سبارتاكوس (73 ق.م) لم يثبت أن ثورة ما نجحت فعلا فبين الشعارات التي ترفعها الثورات وبين ما يحصل على الأرض هوة كبيرة جدا، لم يثبت لا التاريخ ولا العلم أن ثورة ما استطاعت أن تتغلب على هذه الهوة، تقول الدراسات أن الفيلسوف الألماني كانط (1724 ـ 1804) بقي صامتا عشر سنوات قبل أن يعلق على الثورة الفرنسية.. 

الذي يحدث في كل ثورة بالتأكيد هو حدث حصولها!! وما يترتب عن هذا الحدوث من تغيير في الأشياء والأوضاع مع ما يرافق ذلك من مشاعر الحماس والاستعداد والتفاعل مع الثورة.. أما الثورة كحدث متميز فلم يثبت تاريخيا أنها كانت الأفيد والأصلح في مسارات الإنسان نحو تحقيق سعادته واطمئنانه وإصلاح شأنه كله.

بقي أن نقول إن مصطلح (ميكروفيزياء السلطة) عنوان كتاب مهم لميشيل فوكو صدر عام 1977 يتناول فيه أسوأ موضوعات البشرية عبر تاريخها كله وهو موضوع التركيب العضوي للسلطة وقدرتها على الفساد والإفساد والمراقبة والإخضاع.