قضايا وآراء

اجعلني عجوزا !

1300x600


قبل ثورة يناير بشهور قليلة، كنت رئيسا لتحرير موقع إخباري يتبع حركة سياسية شهيرة، أنشئ ليكون محاولة لصناعة إعلام مختلف عن منظومتها السائدة المتهة عادة بالقصور. مَنَّ الله علينا بنجاحات مهمة قياسا على تمويلنا الضئيل. لكن فجأة خرج القيادي بالحركة الذي كان مشرفا على المشروع من منظومة قيادتها فتوقف تمويلنا و أغلق الموقع. حزنت وغضبت لأن حلما تعثر. في خضم المشاعر السلبية المتولدة عن هذه الطعنة أتممت عامي الثلاثين في هذا العالم، فابتلعتني نوبة اكتئاب عاصفة لشعوري أن العمر يجري ولم أحقق حلمي بعد.

ومرة خلال تلك الفترة كنت أهاتف أستاذي الكاتب الكبير محمد القدوسي، فلاحظ ما بي فقال لي: "هوّن عليك. هذا نوع من الاكتئاب يصيب المرء حين يتم عقدا من عمره في حالة البعض ".

 

بعدها بأيام أتم صديق لي عامة الأربعين، لأسابيع كنت أتصل به لا يرد، خلا مقعده على المقهى لشهر تقريبا، بعدها اتصل بي وأخبرني أنه كان مكتئبا بشدة لأنه أتم عقده الرابع، وشعر بأن العمر يجري وأن عقدا ولى والشيخوخة تقترب والنهاية تدنو!

ومنذ يومين، على مقهى باسطنبول، يلتئم فيه لقاء أسبوعي للفيف من مطاريد الثورات العربية الذين أخرجتهم الثورة المضادة من أرضهم وأهليهم، تذاكرنا كالعجائز ما جرى لنا نحن العباد وحاق بالبلاد على أيدي الأوغاد، هنا وهناك، وما نرسف فيه من عدم بارد صلد مصمت مطبق جلف فظ غليظ القلب، وكيف أن كثيرا صاروا شيوخا قبل الأوان.

 

لماذا تصالحنا مع ملامحنا الشائخة في الصور التي أملاها علينا تطبيق الفيس بوك الذي يراقبنا ويعد علينا أنفاسنا


بعدها قرأت حزمة أخبار مترادفة متآزرة، أحدها تحدث عن اعتقال السيسي في مصر لدفعة فتيات جديدة، آخر كان يقول أن 35 دولة بينها دول مسلمة كتبت رسالة تأييد لسياسات الصين تجاه مسلمي الأويغور، التي منها احتجاز مليون إنسان تقريبا في ظروف وحشية، وخطف أطفالهم وحشرهم في معسكرات، مهمتها خلعهم من هويتهم ودينهم وثقافتهم. شعرت بعد قراءة هذه الأخبار أني عجوز.. عاجز.. أحتاج لمعجزة كي أحس بطعم الحياة من جديد.

صباح اليوم التالي، فوجئت بتحول الفيس بوك إلى دار مسنين! تحت رعاية تطبيق faceapp.. إذ ارتدى الفضاء الأزرق باروكة بيضاء وتغضنت ملامح رواده وتجعدت جلودهم وانسحبت نظراتهم وانسخطت أعينهم، وسافروا اختياريا للمستقبل، ليس لتحقيق الأحلام بل لاستعجال الشيخوخة واستدعاء النهاية!! فعلت مثلهم من باب الطرافة و"الترند".. طالعت نسخة وجهي الافتراضية في سن الستين، فراق لي أن أكون شيخا حسن الصورة حسبما أخبرني faceapp.

 

أنعمت النظر فيَّ عجوزا فتبينت أني نسخة من أبي لولا أنه أصلع، قلت لنفسي: لا تغرنك خدعة الفيس، فشعرك يهاجر من رأسك باطراد وتلاحقك الوراثة. كان الأمر في البداية تجربة/ لعبة مبهجة، لكني سرعان ما ارتعبت، فأغلقت الفيس بوك وانسحبت. لماذا أستعجل مع الآخرين الآن ما كان قبل سنوات قليلة هاجسا مفزعا وكفيلا بالزج بنا في نوبات اكتئاب محرقة؟ ولماذا اكتسحتنا هذه الحمى نحن الذين ثرنا ضد دولة "العواجيز" حتى لا يسرقوا شبابنا؟ ولماذا تصالحنا مع ملامحنا الشائخة في الصور التي أملاها علينا تطبيق الفيس بوك، الذي يراقبنا ويعد علينا أنفاسنا، بل أحيانا تتسرب منه معلوماتنا للحكومات التي تحارب شبابنا، لتظل بلادنا مكفنة في شعرها الأبيض وبشرتها الجعداء؟ أهو اعتراف بالفشل و أفول الأحلام و خواء الأيام؟ أهو يقين بأن ليس بالإمكان سوى الذي كان؟ هل هو تطبيع مع النهاية بعد احتراق البداية؟ ألم تكفنا أسراب الشيخوخة التي التهمت أرواحنا على يد الثورة المضادة وأيدي كثير من منتسبي الثورة؟

أهو؟... هل هو؟....

وما زال جراد الأسئلة يلتهم الشباب ليهبط المشيب حقيقة لا مجازا!