قضايا وآراء

تركيا إذ تولّي قِبَل المشرق

1300x600
بدا لافتاً للانتباه هذه المرة تقارب الرئيس أردوغان مع نظيره الصيني إثر الزيارة التي قام بها إلى بكين عقب مؤتمر العشرين في اليابان، والتي شهدت علاقات أنقرة معها هبوطاً وصعوداً يعكس خيارات تركيا الصعبة خارجياً وداخليّاً.

تاريخياً، حسمت تركيا أمرها منذ الحرب العالمية الثانية بالانحياز إلى المعسكر الغربي والانضمام إلى حلف الناتو، في مواجهة الشيوعية التي كانت الصين أحد قطبيها في العالم، إلى درجة دفعت تركيا إلى مواجهة الصين عسكرياً في شبه الجزيرة الكورية (1951-1953م)، واتسمت العلاقة بين الطرفين بكثير من التوتر على خلفية دعم تركيا لأقلية الإيغور ذات الجذور التركيّة، في إقليم شينغ يانغ/ تركستان الشرقية، التي تسعى إلى الاستقلال عن الصين.

هذان العاملان كانا سبباً دائماً لتوتر العلاقة بين الجانبين، وإن كان كل طرف مدركا لأهمية تحسين علاقته مع الطرف الآخر. فالصين ترى في تركيا عنصراً هاماً في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، ويهمها جداً أن تحيّد تركيا وأنّ تقربها منها كي تضعف هذا الحلف الذي بات موجهاً ضدها بالمقام الأول، بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، كما أنّ تركيا على الصعيد الاقتصادي تُعد قوة واعدة قد تنضم قريباً إلى أكبر عشر قوى اقتصادية، وهي تقع على مفترق قارات يجعلها بالغة الأهمية في مشاريع الصين كمبادرة الحزام والطريق.

رغم مرور العديد من السنوات على انهيار الدولة العثمانية، فإنّ الصين تدرك كذلك تأثير تركيا في العالم الإسلامي، وهو دور قيادي يمكن أن يسهم في تحسين علاقة الصين بالعديد من الدول والمجتمعات الإسلامية؛ إن هي أحسنت استغلال العلاقة مع تركيا. كما أنّه من المهم إدراك أنّ جسر تواصل الصين البري مع بقية العالم يمر بشكل رئيس بدول العالم الإسلامي، وهو جسر يمر بكل من باكستان وإيران ثم تركيا قبل أن يصل البحر الأبيض المتوسط وباقي أوروبا. وعلاقة الصين مع باكستان متميزة للغاية وكذلك علاقتها مع إيران، ولذا بات من المنطقي أن تقيم علاقة على نفس المستوى من المتانة مع تركيا.

أمّا تركيا فإنّها بالمقابل، قد خبِرت أمريكا وأوروبا زمناً طويلاً، وأدركت أنّ الغرب لا يمكن أن ينظر إلى تركيا أو أن يتعامل معها بعيداً عن الموروثات التاريخية والدينية، وهو أمر صدّقته مفاوضاتها شبه العقيمة مع الأوروبيين، والتي استمرت لعقود من أجل الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، ومحاولات الولايات المتحدة الأمريكية الهيمنة على القرار التركي وتقويض أمن البلاد؛ من خلال دعم الحركات الانفصاليّة ووضع العراقيل أمام تطور تركيا الاقتصادي والعسكري.

في هذه الظروف، تأتي العلاقة مع الصين كخيار واعد، خصوصاً أنّ الصين تعتبر اليوم قوة صاعدة، ويمكن أن تفتح لتركيا آفاقا اقتصادية رحبة تدفع اقصاد البلاد خطوات عديدة إلى الأمام، على غرار ما فعلت بدول منظمة آسيان، وهي مصدر موثوق أيضاً لتكنولوجيا السلاح الذي يأتي دون شروط مرهقة على غرار السلاح الغربي، وهي علاقة ستشجعها روسيا (على الأرجح) للحد من النفوذ الأمريكي في القارة الأورو-آسيوية، ويمكن أن تشكل مخرجاً من الضغوط الاقتصادية الغربية عند اللزوم. فقد رأينا كيف توجه وزير المالية التركي إلى بكين للحصول على قرض بمليارات الدولارات عقب الأزمة التي طالت الليرة التركية؛ نتيجة للإجراءات العقابية التي فرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على تركيا.

تضع الصين أمامها العام 2049م، وهو الذكرى المئوية لإنشاء الجمهورية الشيوعية، للوصول إلى ما تصبو إليّه من استعادة لدورها العالمي وتحقيق النماء والرخاء لشعبها، ومن المبادئ التي وضعتها من أجل تحقيق ذلك؛ استمرار نسبة النمو الاقتصادي قريباً من 10 في المئة سنويّاً، والحفاظ على علاقة طيبة مع باقي دول العالم، وعدم استنزاف نفسها في الحروب الصراعات، وأخيراً الحفاظ على وحدة تراب الصين، وتمكين الشعب الصيني وتوظيفه طاقاته في عملية النهضة. ولذا، فإنّها تنظر بكثير من الحساسيّة إلى محاولة الإيغور تعزيز هويتهم القومية ودعوتهم إلى الاستقلال، وهو أمر تضعه في سياق سياسي وليس في سياق ديني، إذ تؤكد أنّ الصين تؤمّن الحرية الدينية لباقي الأقليات المسلمة، وتصنّف المواقف الدوليّة الناقدة لأدائها بذريعة انتهاكها حقوق الإنسان، كمؤامرة تستهدف استنزاف طاقة الصين في الصراعات الداخلية، وقطع طريق التواصل البري للصين مع باقي القارة الآسيوية بالسيطرة على هذا الممر الجغرافي الحيوي الذي يصلها بباكستان، ومن ثم بقية آسيا. من هنا، فإنّ تركيا يمكن أن تلعب دوراً حاسماً بإقناع الإيغور بالقبول بحكم ذاتي موسع تحت حكم بكين، مقابل مكتسبات على مستويات متعددة، وبذلك تريح الصين من كابوس مؤرق، وتحافظ على ما تبقى من وجود لهذه الأقليّة التركويّة.

أمّا على صعيد العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية، فيبدو أنّ تركيا قد عبرت خطاً جديداً إثر شرائها منظومة إس400 الروسيّة للدفاع الجوية، والتي كانت تحاول قبل سنوات قليلة شراء نظيرتها الصينية، ولكن تراجعت بعد مفاوضات طويلة نتيجة للضغط الأمريكي، ما يجعلها أكثر بعداً عن النفوذ الأمريكي وتأثيراته، وهو ما من شأنه أن يطمئن الصين بأن تركيا اليوم يمكن التعويل على مواقفها أكثر من أي وقت مضى، ولذا فإنّه من المرجح أنّ تتطور العلاقات التركية الصينية بشكل إيجابي وسريع خلال الشهور القادمة.