قضايا وآراء

أمريكا بعيون زائر من غزة (8)

1300x600
حين يقدر للمرء أن يعيش في مكان صغير مغلق مثل قطاع غزة، يعظم شوقه إلى الحرية، وتصير القيمة الأهم في السفر ليس الإقامة في مكان آخر، بل الانطلاق في الأرض دون أن يوقفه حد أو معبر.

غزة هي جزء واحد من مئة جزء من فلسطين، وأمريكا أكبر من فلسطين بثلاثمائة وستين ضعفاً، أو يزيد. هذه المساحة الشاسعة تشعر الإنسان بعظمة الحرية التي فطر الله الناس عليها، وقد كنت أود، لولا ضيق الوقت، لو استبدلت السيارة بالطائرة في قطع المسافات الشاسعة بين الولايات؛ لا أبالي بمشقة السفر، إذ تمزجها بهجة الروح بحرية الانطلاق بين الغابات والأشجار والجبال والأنهار، دون أن يجبرني أحد على التوقف.

كنت أستمع إلى قصص المظلومين في أمريكا مثل الأفارقة وذوي الأصول المكسيكية والسكان الأصليين، فأقول في نفسي: نتشارك معاً في وقوعنا تحت الظلم، ولكنهم محظوظون لأنهم يعيشون في مكان فسيح فيقدرون على السفر والحركة. إن كل المآسي تهون إذا كان الإنسان قادراً على السفر بحرية.

هذا الاتساع المكاني يلهم سعة الخيال، وخطر ببالي أن الصراعات التي مزقت الأمم كثيراً ما ترجع إلى أوهام ثقافية. فكم من ملايين النفوس أزهقت أرواحهم بسبب التنازع على سيادة الأرض، بينما هناك فائض من الأرض يكفي لكل سكانها! ماذا لو اتفق الناس أن تكون كل الأرض لكل الناس، يسكن كل واحد حيث يشاء دون حدود مانعة؟

قال لي رجل فرنسي شاركته هذه الخواطر: أنت شخص حالم، أجبته: نحن نحتاج إلى الأحلام، لقد كان الطيران حلماً بعيد المنال.. إن الواقعية قيد ثقيل يحكم على الإنسان أن يظل أسير مشكلاته، بينما الخيال يبصرنا بممكنات جديدة.

من مواطن القوة في أمريكا تعددها الثقافي. أثبتت فكرة الأنظمة الشمولية التي تريد أن تصبغ حياة كل مواطنيها بلون واحد؛ فشلها وإضرارها بقيمة الإنسان. إن قوة النظام هي في قدرته على قبول الناس بكل أطيافهم، وإشعارهم بأنهم قادرون على تحقيق ذواتهم وفردياتهم. في أمريكا إن كنت مسلماً أو يهودياً أو بوذياً أو صينياً أو ملحداً؛ يمكن أن تجد مجتمعك الخاص، وأن تنسج مع الذين يشبهونك الملامح العامة لهذا المجتمع تحت مظلة القانون.

زرت مع أصدقائي بعض الأحياء في شيكاغو وديترويت، فشعرنا كما لو أننا في بلد عربي؛ أسماء المحلات والمطاعم باللغة العربية، والمساجد. دخلت محلاً لصيانة أجهزة الهاتف، فكان صاحبه الفلسطيني الأردني يستمع إلى صوت عبد الباسط عبد الصمد. هنا تكتسب الأشياء العادية معان ومدلولات خاصةً، ربما لا يلفت صوت عبد الباسط انتباهي كثيراً في وطني، لكن الاستماع إلى هذا الصوت في الغربة يشحن بدلالة نفسية وثقافية مكثفة.

وما يعنيه صوت عبد الباسط تعنيه صورة أم كلثوم واللغة العربية والمسجد والحجاب، في شوارع غزة لا أبالي أن تمر بجواري ألف محجبة، لكن محجبةً واحدةً مرت بجواري في أحد شوارع أمريكا أشعرتني بحنين خاص، ووددت محادثتها كما لو أنها شقيقتي. إن الابتعاد ضروري لنكون قادرين على رؤية أنفسنا، فالذي يعيش حياته مستغرقاً في ذاته بين المتشابهين لن يكون قادراً على معرفة ذاته، بينما التعرف على ألوان جديدة من الثقافات الإنسانية تمكن الإنسان من المقارنة ومن اكتشاف ذاته.

الطعام هو أحد أشكال التعارف بين الشعوب: "وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا". إن الشعوب تعلن عن نفسها بمشاركة ذوقها وخبرتها في صناعة الطعام، ويتعرف الناس على الثقافات الجديدة بتعرفهم على طعامهم.

والطعام الفلسطيني خاصةً والعربي عامةً أثبت قدرته على المنافسة، ربما يكون في هذا الحكم شيء من الذاتية، لكني سمعت ذكراً حسناً من الأصدقاء الأجانب. كان تناول الطعام في مطعم عربي أحد أسباب المتعة، فبالإضافة إلى أنه يشبع الحاجة الفسيولوجية، فهو أيضاً يشبع حاجةً نفسيةً بمنح المغترب بيئةً مشابهةً لبيئة وطنه. في المطاعم تتغير قيمة الأشياء، فطبق العدس الذي يزهد به الناس في بلادهم ويعدونه طعام الفقراء، يقدم بأنه طبق شوربة فاخرة في مقدمة الوجبة. ولا عجب، فقيمة الأشياء كثيراً ما تكون مكتسبةً أكثر من كونها قيمةً موضوعيةً.

صناعة الطعام تمثل تعبيراً عن تجربة شعب من الشعوب في التفاعل مع أرضه، لذلك لا يمكن التهوين من أهمية هذه الأداة في إعلان الهوية الثقافية، والذي يتذوق طعام شعب من الشعوب يشعر بألفة نفسية تجاهه.. لقد شعرت بقرب أكثر من المكسيكيين واليمنيين والعراقيين حين دخلت مطاعمهم، لذلك كنت أشعر بفرحةً داخلي حين أرى أجانب يرتدون المطاعم العربية.

إن الطعام والمسارح والموسيقى والأعلام المشهورين والتقدم العلمي والرياضة؛ هي بعض أدوات القوة الناعمة التي تتيح للبشر التواصل والتأثير المتبادل دون حروب ودماء.

قيمة المجتمعات المتعددة ثقافياً وعرقياً هو أنها تثري تجربة الفرد الذي يعيش فيها وتكسبه مرونةً وتسامحاً أكبر. كان من المواقف التي طبعت أثراً حسناً في نفسي هو اهتمام الفريق الذي استضافني بعاداتي الخاصة ومراعاتهم لها، ومن بينها موعد صلاة الجمعة. لقد شعرت بامتنان عميق حين كانت جينيفر، منسقة الرحلة، توصلني إلى المسجد وقت صلاة الجمعة ثم تنتظرني حتى تنتهي الصلاة، وأنا أؤدي عبادةً على غير دينها. أنا وجينيفر لسنا متشابهين في الدين أو الثقافة، ولكن جمعنا الاحترام المتبادل والإيمان المشترك بقيم العدالة الاجتماعية وحقوق الشعوب.

أثناء تجولي بين المدن، رأيت بيوتاً علقت على أبوابها يافطات كتب فيها: "لا يهم أين ولدتم ولكننا سعداء أنكم جيراننا".. هذه الجملة كتبت بلغات ثلاث هي الإنجليزية والعربية والإسبانية، وسبب تخصيص العربية والإسبانية هو سياسات ترامب ضد المسلمين وضد المهاجرين من المكسيك، فجاءت هذه الحملة تعبيراً من أصحابها عن تحديهم لسياسات ترامب العنصرية وترحيبهم بالمهاجرين جيراناً لهم، في موقف أخلاقي يذكرنا بالمهاجرين والأنصار.

كنت أتخذ من هذا التعدد الثقافي الرائع دليلاً يقوي حجتي في مناظرة اليهود الأمريكيين، وإقناعهم بالفصل بين اليهودية والاحتلال، إذ كان كثير منهم يبدون خوفهم من العيش مع الفلسطينيين، ويظنون أن بناء الجدران وعدم السماح بعودة اللاجئين هو الطريق إلى تحقيق أمنهم، فكنت أقول لهم: إن من السهل أن نعيش في سلام على قاعدة المساواة الإنسانية، حين يسقط الاحتلال والتمييز العنصري، مثلما يتعايش المختلفون ثقافياً في أمريكا، ومنهم فلسطينيون ويهود، بوئام على أرض واحدة.