كتب

الإبداع في مواجهة الاتباع.. قراءات في فكر طه عبد الرحمن

باحث جزائري: قراءة الإنجاز الفكري لطه عبد الرحمن هي قراءة لمشكلة الإبداع في فكرنا العربي المعاصر

الحدود البرية المغربية ـ الجزائرية مغلقة تماما منذ العام 1994، والعلاقات بين البلدين فاترة، لكن كل ذلك لم يمنع استمرار الحوار السياسي والتنسيق الأمني، فضلا عن العلاقات الاجتماعية والفكرية العريقة بين االبلدين.

وفي هذا الإطار يأتي كتاب الباحث الجزائري، عبد الملك بومنجل "الإبداع في مواجهة الاتباع ـ قراءات في فكر طه عبد الرحمن"، نشر المؤسسة العربية للفكر والإبداع ـ بيروت ـ الطبعة الأولى 2017، وهو جهد يسعى لسبر أغوار المشروع الفكري للمفكر والفيلسوف المغربي طه عبد الرحمن، الذي لفت إليه أنظار المعنمين بالشأن الفكري والفلسفي ليس فقط في المنطقة المغاربية، وإنما في المنطقة العربية بشكل عام.

يلخص الباحث نظرته لمشروع طه عبد الرحمن الفكري في العبارات التي تضمنها الإهداء، كالتالي: "إلى مدرك الحكمة وهي توشك أن تندثر، و مسعف الفلسفة وهي توشك أن تموت". 

 



ابتدأ الباحث الجزائري كتابه بتقديم أوضح فيه بأن ما يقدمه طه عبد الرحمن هو "مواجهة هادئة وقوية، بين الإبداع والإتباع، بين الاجتهاد والتقليد، بين الحرية والاستلاب، بين الاستقلال والتبعية. ليست مواجهة دينية ولا مذهبية، ولا سياسية ولا أيديولوجية، ولا خطابية ولا إنشائية ولكنها مواجهة علمية فلسفية برهانية، تقوم على ضبط المفهوم، وتدقيق العبارة، وإحكام المنطق، وتعزيز الدليل، وإحضار الشاهد، وإقامة الحجة، وإنجاز الفعل، وتقديم البديل، ولا مدخل إلى فكر طه عبد الرحمن أجدر بالعناية من مدخل الإبداع مواجها للاتباع".

فطرح طه حسب الباحث الجزائري يمثل لونا "لا عهد للفكر العربي المعاصر به"، إنه "لا يرفع الشعار بل يمارس العمل، ولا يزعم المزاعم بل يقيم الدليل، ولا يرسل الكلام بل يقيم البرهان، ولا يجازف في الاتهام بل يقيم الدعوى ويشفعها بالأدلة، ولا يرى الفكر أن تتعلّم أفكار غيرك بل أن تترجم ما يتحرك في ذهنك ويجول في ضميرك، ولا الإبداع أن تتبنى ما أبدعه غيرك بل أن تجتهد بنفسك في إبداع حياتك".

تقديم وتلخيص تغلب عليه مسحة إنشائية أدبية، ترتد بنا إلى السرديات المناقبية، وتفصح عن انبهار بطرح المفكر الكبير طه عبد الرحمن.

"من فلسفة الإبداع إلى إبداع الفلسفة"

هذا هو عنوان الفصل الأول من الكتاب، وهو عنوان يفصح عن فحوى مشروع طه عبد الرحمن، المشروع المسكون بانزياح عن النمطية المترسخة والنمذجة المعيارية للقول الفلسفي المتداول. ورغم تعدد المشاريع والأدبيات المنجزة في إطار ما يتصل بالخطاب الفكري العربي المعاصر لم يتحقق ما رفع من شعارات عن التجديد والإبداع، بل ما تحقق كان حسب الباحث "نسخا ومسخا ونقلا وتكرارا" وأنه ـ أي الباحث ـ لم يجد "أوفى وأشفى من الجواب الذي قرأته في كتابات الفيلسوف طه عبد الرحمن". 

ورأي الباحث ربما حمل قدرا من المغالاة والتحيز لمشروع مفكره القدوة إلى درجة الحكم على كل ما تراكم من خطاب فكري بالحكم المذكور.

وانجاز طه، كما يقول الباحث الجزائري، "لم يأخذ ـ على علو قيمته، ووضوح تميزه وإضافته ـ ما يستحق من الاهتمام والاحتفاء، ومن المدارسة والمناقشة، لأسباب تتصل بواقع الحياة الثقافية العربية السائدة في إقامتها على  تقليد الفلسفة الغربية واعتقاد كونيتها وصحتها وضرورة الوفاء لها وخطأ التمرد عليها، وتتصل من جهة أخرى بمضمون هذا الإنجاز الفكري من حيث هجومه القوي على مدّعي التفلسف والإبداع والحداثة من "المتفلسفين" العرب المعاصرين، ومن حيث متانة بنائه العلمي وصلابة أسسه المنهجية، بحيث يصرف عن الاحتفاء به إنكار مضمونه المتمرد على تقليد الفلسفة الغربية، ويصرف عن التصدي له بالنقد العجز عن مضارعة متانته العلمية وصلابته المنهجية".

رسالتان

مشروع طه ينطلق حسب الباحث بين رسالتين عظيمتين: "الأولى هي فلسفة الإبداع، أي النظر الفلسفي المتأمل في حقيقة الإبداع: ما هي؟ وكيف تتجسد؟ وما هي شروطها وعوائقها؟ وما الفرق بينها وبين الشعار؟ وهل الفكر العربي المعاصر مبدع أم مقلد؟ 

والثانية هي إبداع الفلسفة: أي إنجاز فلسفة حقيقية بمعناها، فهي اجتهاد فكري أصيل، وهي بناء فلسفي متماسك. ومتأصلة في تربتها، فهي عربية اللغة والبيان والمصطلح، إسلامية المنطق والرؤية والروح. ومتصلة بحاضرها وواقعها، فهي تخاطب العصر بالمنهج الفكري الذي يناسبه، وتعالج مشكلات العصر بالمنطق الفلسفي الذي يفهمه، ليتشكل من كل ذلك بناء فلسفي محكم متماسك مقنع لذوي العقول الصحيحة والقلوب الباحثة عن الحقيقة".

 

الاعتراض على دعوى كونية الطرح الفلسفي، هي دعوى تتناقض مع الاختلاف الذي هو في صلب التفلسف كسؤال


انطلق طه يفلسف الإبداع وشخص حال القول الفلسفي فقال ملخصا: "من ذا الذي بوسعه أن ينكر أن القول الفلسفي العربي لا يصوغ من الألفاظ إلا ما صاغه غيره، ولا يستعمل من الجمل إلا ما استعمله، ولا يضع من النصوص إلا ما وضعه، لا يكاد يزيد على هذا أو ذاك شيئا من إنشائه، لا من إنشاء غيره(...). أنظر كيف أن المتفلسفة العرب المعاصرين "يؤوّلون" إذا أول غيرهم، و"يحفرون" إذا حفر غيرهم و"يفككون" إذا فكك...، سواء أصاب في ذلك أم أخطأ!". 

الاعتراض أصل الفلسفة

وانطلق ليبدع فلسفيا وذلك محرك مشروعه. ومن كتابه "فقه الفلسفة" منطلق الصياغة المنهجية والبناء لمشروعه، والمنطلق من الاعتراض فكما يقول: "الأصل في الفلسفة الاعتراض، ولا يصار إلى التسليم إلا بدليل". 

وتبعا لذلك الاعتراض على دعوى كونية الطرح الفلسفي، وهي دعوى تتناقض مع الاختلاف الذي هو في صلب التفلسف كسؤال، وكطرح مرتبط بسياقات دعوى الكونية هي ترسيخ بعبارة علي حرب لـ "إمبريالية المعنى".. الاعتراض رد للقول بجوهر فالعقل كما يقول طه: "ليس ذاتا، وإنما فعالية، مثله في ذلك مثل الإدراكات الإنسانية الأخرى كالسمع والبصر، وشأن الفعالية أن تتغير بتغير الأسباب والظروف". 

والقول بالكونية انتصار لمركزية القول المهيمن، أي الفلسفة الغربية وبالتحديد الألمانية المهيمنة عليها، فلسفة خاضعة للأيديولوجيا. وتأثير النفوذ الصهيوني أدى كما يقول طه، "إلى خلق بيئة فلسفية عامة موجهة بمعالم القومية اليهودية في توظيفها السياسي، بيئة لا يكاد يخرج عن حدودها إلا القليل من الفلاسفة الذين لا يلبثون أن يتهموا بمعاداة السامية أو يتعرضوا للقدح في مقدرتهم الفلسفية، وهكذا، غدونا نشهد في مجال الفكر الحديث تشكّل فضاء فلسفي يهودي عالمي، يندمج فيه غير اليهودي اندماج اليهودي فيه عن قصد أو عن غير قصد".

 

خصائص فلسفة الفيلسوف المغربي طه عبد الرحمن هي إسلامية عربية وعقلانية حوارية وأخلاقية عملية.


وهنا تبرز محورية الإبداع في مشروع طه لأنه كما يقول، "لكل قوم أن يتفلسفوا على مقتضى خصوصيتهم الثقافية، مع الاعتراف لسواهم بذات الحق، بحيث يجب أن ينشأ بين الأقوام المختلفة تنوع فلسفي يوازي تنوعها الثقافي".

والإبداع يقترن بنبذ التقليد. ومراتب الإبداع يصوغها بالاستنباط من تعددية مدلول دال الإبداع بتعددية مجالات المصطلح أي الابتكار في علم الكلام والاختراع في الفلسفة والإنشاء في الأدب. ولطه استناد واهتمام باللغة، ويرى أن "أسباب شيوع التقليد في أوساط المتفلسفة العرب تعود إلى سبب موضوعي خطير هو الترجمة". 
  
وخصائص فلسفة طه حسب الباحث هي إسلامية عربية وعقلانية حوارية وأخلاقية عملية.

"الموقف من الحداثة في فكر طه عبد الرحمن".

ارتبط سؤال النهضة كما يذكر الباحث "ارتباطا وثيقا بسؤال الحداثة". والحداثة حضرت في أغلب الأطروحات، وتم التأريخ لها بحملة نابليون التي جعلت اللقاء بالحداثة، لقاء صدمة وهو ما عناه أدونيس بتعبير "صدمة الحداثة".

وأشار الباحث، في الفصل الثاني من الكتاب، إلى بعض ما طرح عن الحداثة، لكنه لم يجد أكثر عمقا ووضوحا من طرح طه عبد الرحمن الذي فرق بين روح الحداثة وواقع الحداثة. الواقع هو التطبيق أما الروح فهي الجوهر وهو متشكل عند طه من ثلاثة مبادئ، هي: 

أولا: الرشد "إن الأصل في الحداثة الانتقال من حال القصور إلى حال الرشد"، وبناء ذلك على ركنين، هما: الاستقلال بأن "يستغني الإنسان الراشد عن كل وصاية فيما يحق له أن يفكّر فيه، ويصرف كل سلطة تقف دون ما يريد أن ينظر فيه، فتنطلق بذلك حركيته". والإبداع بأن "يسعى الإنسان الراشد إلى أن يبدع أفكاره وأقواله وأفعاله وكذا أن يؤسس هذه الأفكار والأقوال.
 
والأفعال على قيم جديدة يبدعها من عنده أو على قيم سابقة يعيد إبداعها، حتى كأنها قيم غير مسبوقة".

 

الأصل في الحداثة الإخراج من حال الخصوص إلى حال الشمول


ثانيا: مبدأ النقد ومقتضاه "أن الأصل في الحداثة هو الانتقال من حال الاعتقاد إلى حال الانتقاد" وبناؤه على ركنين، هما: التعقيل وهو "إخضاع ظواهر العالم ومؤسسات المجتمع وسلوكات الإنسان وموروثات التاريخ كلها لمبادئ العقلانية".

والتفصيل وهو "نقل الشيء من صفة التجانس إلى صفة التغاير، بحيث تتحول عناصره المتشابهة إلى عناصر متباينة".

ثالثا: مبدأ الشمول ومقتضاه "أن الأصل في الحداثة الإخراج من حال الخصوص إلى حال الشمول" ومبناه على ركنين هما: التوسع "بالنفاذ في كل مجالات الحياة ومستويات السلوك" والتعميم "بشمول الحداثة بمنتجاتها وقيمها مختلف المجتمعات في العالم". 
 
الفصل الثالث بعنوان "تجربة طه عبد الرحمن في علاج مشكلة المصطلح: الخروج من نفق التهويل والإتباع إلى أفق التأثيل و الإبداع".

في الفصل الثالث محورية الاشتغال على مشروع طه، المرتبط في منهجيته وبنائه بالاشتغال على المصطلح.

بُني مشروع طه كما يذكر الباحث على "مبدأين أساسيين" هما: "الأصالة شرطا في التفكير والإبداع، والاختلاف نتيجة حتمية لاختلاف الألسن والأمم والثقافات".

وخلاصة طرح طه كما كتب الباحث "المصطلح وليد المفهوم، والمفهوم وليد الفكرة، والفكرة وليدة التفلسف، ولا تفلسف إلا باجتهاد" وفلسفة طه "استفهام غاية واستدلال طريقا".

ومن أهم نظريات طه المجال التداولي ومقتضاه "أن لكل أمة مجالا ثقافيا يخصها". ولهذا يرى أن التأصيل في الترجمة محوري، وانطلق في مشروعه من بلورة رؤية تتجاوز ما تراكم، وفي طرحه جاء بما أسماه الترجمة التأصيلية كتجاوز لنمطين حضرا وهما بعبارته الترجمة التحصيلية والترجمة التوصيلية.. يقول: "فالمترجم التأصيلي هو إذن عبارة عن المترجم الذي ينقل النص الفلسفي على مقتضى التأصيل، لا فارق بينه وبين المؤلف الأصلي سوى أن هذا ينشأ ابتداء من نصوص متفرقة معلومة وغير معلومة دامجا بعضها في بعض، وذاك ينشئأ ابتداء من نص واحد معلوم دامجا بعضه في بعض".

ويفصل طه في القول الفلسفي وخصوصياته وارتباطه بالمجال التداولي، فطه كما يكتب الباحث بذل جهدا عظيما هو "الجهد التطبيقي في إبداع فلسفة عربية إسلامية، بخصوصياتها اللغوية والعقدية والمعرفية، ومنظومتها المفهومية والمصطلحية".

و استفاض الباحث في تبيان اشتغال طه وتطبيقاته وصياغاته كما وردت في كتبه الكثيرة.

الفصل الرابع بعنوان: "الإبداع الفكري سبيلا لكوثرة المصطلح ـ تجربة طه عبد الرحمن أنموذجا"

في هذا الفصل ركز الباحث على الإبداع الاصطلاحي في مشروع طه عبد الرحمن في ثلاثة مباحث هي:

ـ طه عبد الرحمن داعية الإبداع والاجتهاد.
ـ المصطلح الطاهوي حصيلة لإبداع فكري.
ـ كوثرة المصطلح في تجربة طه عبد الرحمن: توليد وتنضيد.

الفصل الخامس حمل عنوان "الحوار خلقا للفكر، العقلانية الحوارية في فكر طه عبد الرحمن".

وتضمن الفصل مباحث ثلاثة هي:

ـ مقدمة في حاجة الفلسفة إلى عقلانية أخلاقية حوارية.
ـ طه عبد الرحمن منظرا للحوار ، داعيا إلى عقلانية أخلاقية.
ـ العقلانية الحوارية في مؤلفات طه عبد الرحمن.

وختم الباحث بومنجل الكتاب بإجمال افتتحه قائلا: "إن قراءة الإنجاز الفكري لطه عبد الرحمن هي قراءة لمشكلة الإبداع في فكرنا العربي المعاصر، ومعالجة لمعضلة التقليد في ثقافتنا العربية الحديثة".

اجتهد الباحث في تقديم مقاربة لمشروع طه عبد الرحمن، وشحنت المقاربة بحرارة الشغف والتتبع الدقيق لما أنجزه علاّمة المغرب طه عبد الرحمن.
  
*كاتب جزائري