مقابلات

بهي الدين حسن: ترامب لم يعد لديه وقت كاف لدعم السيسي

حسن: السيسي يعجل تعديل الدستور قبل أن يرحل أكبر داعم له في الغرب في أي لحظة- عربي21

-حالة حقوق الإنسان في أسوأ حالاتها مقارنة بكل تاريخ مصر الحديث

 

-للسيسي موقف راسخ ذو طبيعة استئصالية تجاه المجتمع المدني

 

-أدعو لعمل تراكمي منظم لحشد الضغوط الداخلية والدولية ضد السيسي لوقف جرائمه

 

- تزايد الرفض الداخلي لتعديل الدستور سينعكس على موقف المجتمع الدولي  

 

- السيسي لن يجد مساندة دولية باستثناء إسرائيل حال توحد المصريون رفضا لاستمرار حكمه

 

- الإسلاميون والحزب الوطني والليبراليون مُطالبون بالتوحد في مواجهة السيسي

 

-ينبغي التواصل مع المتململين المحتملين داخل النظام وأجهزته من تعديلات الدستور

 

- السيسي بتعديل الدستور يهدف لتجنب المحاسبة على جرائمه بعد خروجه من الحكم

 

- التغول الاقتصادي والسياسي للجيش بلغ أقصاه منذ وصول السيسي للحكم

 

-أدعو الحكماء في المؤسسة العسكرية لإدراك خطورة ما يجري في مصر

 

- الإدارة الأمريكية لم تكن يوما منقسمة على نفسها مثلما هي عليه في عهد ترامب

 

-سياسة أمريكا في العامين المقبلين ستختلف كثيرا عما كانت عليه في العامين السابقين

 

-الكونغرس صار أكثر غضبا تجاه سياسات وممارسات السيسي وأكثر استعدادا لمعاقبته

 

- السيسي يعجل تعديل الدستور قبل أن يرحل أكبر داعم له في الغرب في أي لحظة


أكد مدير مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، بهي الدين حسن، أن "الرفض للتعديلات الدستورية التي تستهدف مد أجل السيسي في حكم مصر بعد عام 2022 ما زال موجودا داخليا وخارجيا، لكن الداخلي ازداد حدة واتساعا، وهذا سينعكس بالضرورة على المستوى الخارجي".

وقال، في مقابلة خاصة مع "عربي21": "إذا ما نجح المصريون في إظهار للعالم أنهم موحدون بأغلب قواهم السياسية، بما في ذلك الإسلاميون والحزب الوطني والليبراليون، ضد استمرار السيسي في الحكم، فمن المستحيل أن يجد السيسي مساندة دولية".

وطالب حسن بوجود عمل تراكمي منظم ومنسق لحشد الضغوط الداخلية والدولية، على الصعيد الحقوقي والإعلامي والأكاديمي والثقافي والسياسي، وذلك بغرض إجبار نظام السيسي على التراجع عن مواصلة ارتكاب جرائم حقوق الإنسان بمصر، داعيا للتواصل مع من وصفهم بالمتململين المحتملين داخل النظام وأجهزته من التعديلات الدستورية.

وقال إنه بحكم كثرة اجتماعاته مع المسؤولين الأمريكان يرى أن الإدارة الأمريكية لم تكن يوما منقسمة على نفسها مثلما هي عليه الآن في عهد الرئيس الحالي؛ حيث بدأ يتحول تدريجيا رئيس أقوى دولة في العالم إلى بطة عرجاء، مؤكدا أن ترامب لم يعد لديه وقت كاف لدعم السيسي في ظل التحديات والأزمات الداخلية التي تواجه الأول.

وأكد الحقوقي المصري البارز أن "الملامح الرئيسية لخريطة الإدارة الأمريكية في العامين القادمين ستختلف كثيرا عنها في العامين السابقين، وهذا ربما أحد أسباب السيسي في تعجله بطرح التعديلات الدستورية رغم أنه ما زال لديه 3 سنوات في منصبه".

وفيما يلي نص المقابلة كاملة:

ما تقييمكم لحالة حقوق الإنسان في مصر؟ وهل هي الأسوأ في تاريخ مصر كما يقول البعض؟

هي بالفعل في أسوأ حالاتها مقارنة بكل تاريخ مصر الحديث. لست بحاجة لإعادة تذكير القارئ بالمؤشرات الأساسية على مدي التدهور، فهي متداولة على نطاق واسع. الأخطر هو الانهيار المتزايد في النظام القانوني والقضائي في مصر. هذا الانهيار مستهدف، فلولا ذلك لما تواصل ارتكاب جرائم حقوق الإنسان على هذا النحو المفزع، ودون مقاومة تصحيحية مؤسسية من داخل نظام الحكم، أو محاسبة لأي من مرتكبيها على الإطلاق.


ونحن في الذكرى الثامنة لثورة يناير كان هناك جدل وغموض كبير بشأن ما يسمى بالطرف الثالث الذي ارتكب جرائم بحق المتظاهرين.. هل اتضحت حقيقة "الطرف الثالث" وأصبح معلوما للكثيرين؟


تحديد الطرف الثالث كان يحتاج إرادة سياسية وجهدا استثنائيا في تقصي الحقائق وتوثيقها منذ يناير 2011. لكن القائمين على الحكم منذ ذلك التاريخ، في حين أنهم سمحوا بتقصي جزئي للحقائق، إلا أنهم أخفوا تقريري تقصي الحقائق اللذين أعدتهما هيئتين لتقصي الحقائق شكلتهما الدولة في فترتي حكم المجلس العسكري والرئيس محمد مرسي، ولم يجر نشرهما، باستثناء موجز التقرير الأول، ولم يُسمح لأي منهما إجراء تحقيق قضائي فيما توصلا إليه.


من ناحية أخري، وبالتوازي مع ذلك تعرضت منظمات حقوق الإنسان المصرية والدولية منذ ثورة يناير لهجمة قضائية وإعلامية وأمنية غير مسبوقة منذ نشأتها، بل وشارك فيها لأول مرة قوات من الجيش، وسط صمت وأحيانا تواطؤ بعض الأطراف السياسية التي تعرضت لاحقا لانتهاكات جسيمة لحقوقها كجماعات سياسية وأفراد وجمهور منذ تموز/ يوليو 2013 وحتى الآن. هناك بالطبع مؤشرات على هوية الطرف الثالث، لكنها لم تستكمل بتوثيق مناسب للأسباب السالف الإشارة إليها.


مساعد وزير الداخلية لقطاع السجون، اللواء زكريا الغمري، قال إن عدد نزلاء سجون مصر أقل بكثير من سجون تركيا وإسرائيل وأمريكا، وأن راتب بعض السجناء من 3 آلاف إلى 6 آلاف جنيه شهريا، والسجون بها مستشفيات وخدمات صحية عالية المستوى وخدمة فورية.. إلى أي مدى هذه التصريحات تتفق مع الواقع؟


أرجو إعفائي من الرد على هذا الهزل. إذا كانت وزارة الداخلية ترفض الرقم المعلن من المنظمات الحقوقية الدولية لعدد المساجين السياسيين في مصر، فلتعلن الرقم الذي لديها وقائمة أسماء المسجونين السياسيين.


السيسي وافق سابقا على مقترح بتعديل قانون الجمعيات الأهلية، والذي صادق عليه قبل نحو عامين، وهناك نقاشات حالية بشأن صياغاته وشكله الجديد.. فكيف ترى تلك النقاشات؟ وكيف تقيم موقف السيسي من هذا القانون؟


للسيسي موقف راسخ ذو طبيعة استئصالية تجاه المجتمع المدني بشكل عام والمنظمات الحقوقية المستقلة بشكل خاص. لذا لا أتوقع أكثر من تحسينات شكلية في القانون بعد التعديل، وأتوقع أن تكون التحسينات ملموسة فيما يتصل بالمنظمات الأجنبية (غير الحقوقية)، نظرا لارتباط ذلك جزئيا بالمعونة الأمريكية.


إلى أي مدى التزمت مصر بتعهدها الخاص بتنفيذ توصيات الاستعراض الدوري الشامل أمام المجلس الأممي لحقوق الإنسان؟ وهل تجاهل التنفيذ قد يسبب لها أي أضرار ما؟


لا، لم تلتزم مصر، بل سارت في الاتجاه المعاكس لبعض التوصيات، مثل قانون الجمعيات الأهلية. من المتوقع أن تشهد مداولات الاستعراض الدوري الشامل لمصر محاكمة أدبية قاسية لسجل حكومات السيسي في مجال حقوق الإنسان.


مجلس النواب وافق مؤخرا على انضمام مصر إلى الميثاق العربي لحقوق الإنسان الذي اعتمده مجلس جامعة الدول العربية.. هل هذه الخطوة لها مدلول ما؟ وهل القاهرة تحترم المواثيق العربية والدولية الخاصة بحقوق الإنسان؟


مجلس النواب يكذب ولا يتجمل، فالميثاق العربي لحقوق الإنسان هو أضعف وثيقة لحقوق الإنسان في العالم، ورغم ذلك لا تحترمه الحكومات العربية، ولذلك انضمت مصر إليه دون أن تخشي محاسبة حقوقية.


في ضوء الانتهاكات التي يتعرض لها الحقوقيون في مصر، تعلن منظمات حقوقية مصرية ودولية من وقت لآخر تعليق أو نقل أو وقف أنشطتها للخارج، وأنتم في مركز القاهرة اتخذتم موقفا مشابها.. فهل هذا هو الحل برأيك؟


مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان لم يعلق أو يوقف نشاطه في مصر، ولكنه نقل قسما من المسؤولين فيه إلى خارج مصر، لأن النطاق الجغرافي لعمل المركز منذ نشأته منذ 25 عاما لا ينحصر بمصر، بل يشمل منطقة العالم العربي، ولذا فإن لديه مكاتب عمل في تونس وجنيف وبروكسل، كما أن العاملين فيه ينتمون لجنسيات مختلفة عربية وغير عربية، فضلا عن أحد كبار المسؤولين فيه يدير مهامه من أمريكا.


كيف ترى التهديدات وحملات التشويه التي تتعرض لها من وقت لآخر من قبل مؤيدو النظام باعتبارك جاسوسا وخائنا بحسب مزاعمهم؟ ولماذا كل هذا الهجوم عليكم؟


هذه الاتهامات ليست جديدة، الجديد هو التهديد بالقتل وزيادة درجة بذاءة هذه الاتهامات ومعدل تواترها. وهي لا تنحصر بشخصي، بل توجه إلى كل حقوقي مستقل في مصر وفي أغلبية الدول العربية، وخاصة السودان والسعودية والبحرين والجزائر وسوريا. بل توجه الحكومة الإسرائيلية والكنيست ذات الاتهامات إلى الحقوقيين الإسرائيليين والمنظمات الحقوقية الإسرائيلية التي تدافع عن حقوق الفلسطينيين، كما تفرض قيودا على التمويل الأجنبي لها. هذا النمط من الاتهامات شائع في كل الدول التي تنحط فيها آدمية الإنسان إلى الحضيض الذي عرفته مصر تحت حكم السيسي.


كيف يمكن للحركة الحقوقية أن تعمل الآن داخل مصر في ضوء التضييق عليها والتنكيل بها؟


الحركة الحقوقية المصرية المستقلة لم ولن توقف كفاحها رغم القمع الأمني غير المسبوق لها الآن خلال 34 عاما، وما تتعرض له كمنظمات وكمسؤولين فيها من إخفاء وسجن وتحقيقات قضائية مسيسة والمنع من السفر ومصادرة الممتلكات والأموال والتهديد بالقتل.


برأيك.. هل يمكن أن يتراجع النظام عن انتهاكاته؟ وكيف يمكن إجباره على ذلك إن لم يتراجع بإرادته؟


يصعب تصور أن يتراجع النظام الحاكم حاليا في مصر عن مواصلة ارتكاب جرائم حقوق الإنسان، ما لم يتعرض لضغوط كافية لدفعه في هذا الاتجاه من الرأي العام المصري والدولي. هذا يتطلب عملا تراكميا منظما ومنسقا لحشد هذه الضغوط وطنيا ودوليا، على الصعيد الحقوقي والإعلامي والأكاديمي والثقافي والسياسي.


قلت إن السيسي لم يستطع تعديل الدستور قبل الانتخابات الرئاسية السابقة لوجود رفض من بعض الأطراف الداخلية والخارجية.. فهل تعتقد أن هذا الرفض لايزال موجودا أم لا؟


الرفض للتعديلات الدستورية التي تستهدف مد أجل السيسي في حكم مصر بعد 2022 مازال موجودا داخليا وخارجيا، لكن الداخلي ازداد حدة واتساعا، وهذا سينعكس بالضرورة على موقف المجتمع الدولي.


إذا نجح المصريون في إظهار للعالم أنهم موحدون بأغلب قواهم السياسية، بما في ذلك الإسلاميون والحزب الوطني والليبراليون، ضد استمرار السيسي في الحكم يوما واحدا بعد حزيران/ يونيو 2022، فمن المستحيل أن يجد مساندة دولية، ربما باستثناء من إسرائيل والسعودية وروسيا والصين وبشار والبشير.


والوصول لذلك يحتاج من المصريين شحذ أقصي درجات الحكمة وسعة الأفق والوعي قبل الشجاعة. بل يجب أن يكون لديهم الطموح للتواصل من أجل ذلك مع المتململين المحتملين داخل نظام السيسي وأجهزته من تعديلاته اللادستورية.


هناك من يرى أن تعديل الدستور ومد فترات الرئاسة سيكون بمثابة أكبر وأخطر انقلاب على المسار الدستوري والديمقراطية بمصر.. فهل تراه كذلك؟


ليس هذا هو الانقلاب الأول للسيسي من بعد انقلابه العسكري في 3 تموز/ يوليو 2013، لقد شن انقلابا تشريعيا فور انتخابه رئيسا، وأصدر عشرات القوانين التي يتناقض الكثير منها مع الدستور الذي أقسم على الولاء له.


التعديلات الأخيرة المُقترحة تستهدف دسترة عملية تقويض مؤسسات الدولة التي جرت خلال الأعوام الستة الماضية، والتشريعات والسياسات المناقضة للدستور الحالي، الذي يتعرض لعملية إعادة تأييفه وتكييفه وفقا للمزاج السياسي لرئيس الدولة، وطموحه الشخصي في أن يظل رئيسا مدي الحياة (ففي عام 2034 سيكون في الثمانين من عمره). إنها ليست فقط شهوة السلطة والتسلط المهيمنة على شخصية السيسي، بل أيضا لأن هذا هو السبيل الوحيد أمامه لكي يتجنب المحاسبة على جرائمه حال خروجه من الحكم عام 2022.


حكومة السيسي أقرت منذ نحو شهرين إنشاء اللجنة العليا الدائمة لحقوق الإنسان، بحيث تتولى إدارة آلية التعامل مع ملف حقوق الإنسان، والرد على الادعاءات المثارة ضد مصر بشأن حقوق الإنسان.. كيف ترى هذه اللجنة؟ وهل هي لتجميل صورة النظام؟


لم يعد بإمكان هذا النظام التجمل في مجال حقوق الإنسان. وذلك بسبب بشاعة الجرائم التي ارتكبها في هذا المجال، والدور الديناميكي الذي لعبته المنظمات الحقوقية المستقلة المصرية والدولية في توثيق جرائمه، والدور الأخلاقي الذي لعبه الإعلام الغربي ومراكز التفكير الأمريكية في هذا المجال. لذلك فإن أقصي ما تستطيع أن تفعله لجنة السيسي العليا هو تنسيق (أو بالمصري "تستيف") الكذب وليس التجمل.


لماذا يرتكب نظام السيسي كل هذا القمع لحقوق الإنسان رغم أنه يقول إنه أحكم قبضته وسيطرته على مقاليد الحكم تماما؟


لأنه لم يحكم قبضته، ومازالت هناك بؤر مقاومة له سياسيا وحقوقيا. من ناحية أخري، فإن سياساته تؤدي لإضعاف تماسك النظام مؤسسيا من داخله، وتهدد بأزمة اقتصادية حادة، قد تقود لتفاعلات لا يمكن السيطرة عليها حتى داخل نظامه.


كيف ترون دور وأبعاد الجيش في ملفي السياسة والاقتصاد وانعكاس ذلك على حالة حقوق الإنسان؟ وإلى أي مدى تغول الجيش على السياسة والاقتصاد؟


للأسف التغول الاقتصادي والسياسي للجيش بلغ أقصاه تدريجيا منذ وصول السيسي للحكم. أما ارتكاب جرائم حقوق الإنسان بشكل واسع النطاق ضد المدنيين فقد بدأ مع ثورة يناير. السيسي يستخدم هذا التوغل ويعمقه بهدف تأمين ولاء النخب العسكرية له شخصيا وليس للمصالح الوطنية العليا.


لكن هذا التوغل أضر أضرارا جسيمة بحال مصر السياسي والاقتصادي، بما في ذلك القطاعين العام والخاص، وأيضا بمهنية الجيش، الأمر الذي انعكس بشكل مؤسف على كفاءة أداؤه في مواجهة بضعة مئات من الإرهابيين في سيناء والصحراء الغربية. وهو أمر يرصده بذهول المراقبون الغربيون والإسرائيليون.


إنني آمل أن ينتبه الحكماء في المؤسسة العسكرية إلى خطورة هذا التوجه على مستقبل مصر واحترافية وتماسك جيشها. لا مناص من العودة بدور الجيش في السياسة والاقتصاد إلى ما قبل تموز/ يوليو 1952.


هناك مطالب حقوقية للولايات المتحدة بأن تحافظ على حقوق الإنسان كشرط لمساعداتها العسكرية، في حين رأى الكثيرون أن إشادة وزير الخارجية الأمريكي بالسيسي في محاربة الإرهاب وما وصفه بالإسلام المتطرف يعني دعما لكبيرا لممارسات نظام السيسي.. فكيف ترى موقف أمريكا تحديدا من انتهاكات حقوق الإنسان بمصر؟ وهل هذا يتسق مع مبادئها وقيمها؟


من أخطر أمراض العقل العربي تصنيف العالم لأبيض وأسود. هذا قد يساعد على تبسيط الأمور، ولكنه لا يتقدم بنا خطوة واحدة إلى الأمام في فهم العالم كما هو، ولا في بلورة السياسات المناسبة للمصلحة الوطنية. لقد أتيحت لي خلال أكثر من 15 عاما فرصة لبلّورة تصور ملموس عن كيف تعمل الإدارة الأمريكية، ذلك من خلال اجتماعي مع كل وزراء الخارجية منذ كولين باول حتى چون كيري، فضلا عن من المسؤولين في الكونغرس والرئيس أوباما وعدد من كبار المسؤولين في البيت الأبيض، بما في ذلك في عهد ترامب.


أستطيع القول إن الإدارة الأمريكية لم تكن يوما منقسمة على نفسها مثلما هي عليه في عهد الرئيس الحالي ترامب. ليس فقط بين الكونغرس ورئيس الدولة، ولكن حتى داخل حكومة ترامب ذاتها، بل داخل مكتب ترامب ببيته الأبيض.


أظن أن عدد الوزراء وكبار المسؤولين الذين استقالوا أو أقيلوا من مناصبهم خلال عامين فقط لم تعرفه من قبل أي إدارة أمريكية أخرى.


يفاقم من الأمر أن الملامح الرئيسة لخريطة الإدارة الأمريكية في العامين المقبلين (واقع الأمر 20 شهرا فقط) ستختلف كثيرا عنها في العامين السابقين؛ حيث بدأ يتحول تدريجيا رئيس أقوى دولة في العالم إلى بطة عرجاء، تتلقي لطمات يومية من أغلبية معارضة في مجلس النواب، لدرجة الإذلال العلني بمنعه من إلقاء الخطاب السنوي المقدس لكل رئيس أمريكي في 20 كانون الثاني/ يناير من كل عام الموجه للشعب عن حالة الدولة، وتأجيله إلى 5 شباط/ فبراير. أعتقد أنها المرة الأولي في تاريخ أمريكا.


في ذات الوقت يواجه ترامب تحقيقات قضائية مريرة تلاحقه حول ذمته المالية وشبهات فساد وعلاقات مشبوهة خلال انتخابات الرئاسة مع روسيا، العدو اللدود.


ويتزامن ذلك مع تراجع دعم حزبه الجمهوري له، في وقت يجب أن يتخذ فيه قرارا استراتيجيا بخصوص ترشحه رئيسا في انتخابات ستحل بعد نحو 20 شهرا، بينما بدأ بالفعل المرشحون المحتملون في الحزب الديمقراطي في حملاتهم التمهيدية.


الخلاصة، أن هناك كونغرس صار بمجلسيه أكثر امتعاضا وغضبا تجاه سياسات وممارسات السيسي في حقوق الإنسان، وأكثر استعدادا لمعاقبته على ذلك. وإدارة منقسمة على نفسها، رئيسها يدعم السيسي ولكنه مهموم أكثر بما إذا كان سيستطيع إكمال العامين الباقيين له في الحكم، أم يعقد صفقة مع معارضيه والمحققين تنهي التحقيقات القضائية وتتركه لحال سبيله؟ أم يظل يحارب معارضة تكسب كل يوم أرضية أكبر لدى الشعب وإعلام لم يعرف العالم له مثيلا في استقلاليته وشراسته في الدفاع عنها.


نعم، ترامب يُقدر السيسي، ولكن لم يعد لديه وقت كاف ليدعمه. هذا ربما أحد أسباب السيسي في تعجله بطرح التعديلات الدستورية، رغم أنه ما زال لديه 3 سنوات في منصبه، وذلك قبل أن يرحل في أي لحظة أكبر داعم له في الغرب، حتى بعد أن صار هذا الداعم بطة عرجاء.