أفكَار

استضافة وسائل إعلام عربية إسرائيليين.. أليست تطبيعا ؟

مثقفون طالبوا بالرجوع لتعريف مصطلح التطبيع لتبيان حالة اللبس والاختلاط التي باتت تعتري المعنى- تويتر

درجت وسائل إعلام عربية على استضافة متحدثين إسرائيليين (رسميين وأكاديميين ومحللين)، التزاما بشعارها الأثير "الرأي والرأي الآخر"، وهو ما أثار سخطا واسعا، واستياء كبيرا في أوساط متابعي تلك الوسائل، ما يحفزهم دائما على مطالبة تلك الوسائل بالتوقف عن استضافة أولئك المتحدثين. 


ومع تكاثر الانتقادات الشديدة والقاسية الموجهة لتلك السياسات، إلا إن كثيرا من تلك الوسائل تصر على المضي قدما في سياستها المقررة باستضافة متحدثين إسرائيلين، فما هو سبب إصرارها على ذلك؟ أوليست تلك السياسة تمثل تطبيعا إعلاميا وثقافيا بامتياز بحسب الرافضين لها؟ وكيف تدافع تلك الوسائل عن سياساتها (التطبيعية) في مواجهة سيل الاعتراضات والانتقادات الموجهة إليها؟.


الدفاع عن استضافة إسرائيليين

 
في رده على الأسئلة المثارة قال الكاتب والصحفي، المشرف على البرنامج السياسية الإخبارية في قناة الجزيرة، ماجد عبد الهادي "لا أتفق تماما مع الحكم المطلق على هذه الظاهرة بأنها تطبيع إعلامي أو ثقافي، وإن كنت أرى أنه يمكن تصنيف بعض مظاهرها أحيانا على هذا النحو".

 

على الناس أن يروا ويسمعوا ويعرفوا كيف وبماذا يفكر الإسرائيلي، وعلى وسائل الإعلام أن توفر لهم هذه الخدمة، كجزء من وظيفتها، ولكن دونما نسيان أو تغافل عن ضرورة بقاء منطق التحدي قائما في مواجهة الرواية الصهيونية

وأضاف في حديث لـ"عربي21": "فمن حيث المبدأ يصعب على وسيلة إعلام أن تُمارس عملها على أسس مهنية، في ما هي تتجاهل أحد أكثر الأطراف الإقليمية فاعلية، وأعني إسرائيل، العدو الاستعماري الأخطر الذي عرفته هذه المنطقة، وربما العالم أجمع". 


وتابع عبد الهادي "على الناس أن يروا ويسمعوا ويعرفوا كيف وبماذا يفكر الإسرائيلي، وعلى وسائل الإعلام أن توفر لهم هذه الخدمة، كجزء من وظيفتها، ولكن دونما نسيان أو تغافل عن ضرورة بقاء منطق التحدي قائما في مواجهة الرواية الصهيونية وترجماتها العملية اليومية عند كل نقاش معلن على الهواء مع من يمثلونها".

 

ذاكرا أن "هذا ما تفعله قناة الجزيرة دوما بحرفية عالية، ومسؤولية وطنية وقومية وإنسانية لا يمكن إنكارها" على حد قوله. 


ولفت عبد الهادي إلى أن "التجهيل ليس وسيلة كفاح، ولا هو أسلوب مقاومة، وإنما هو على العكس من ذلك سلوك إعلامي أثبت ضرره علينا طوال عقود سلفت من الصراع العربي الإسرائيلي، وعلينا أن لا ننسى كذلك أن استضافة المتحدثين الإسرائيليين، لا سيما المتطرفين منهم تسهم غالبا في فضح تمسكهم بعدوانيتهم وبعنصريتهم، إلى حد يكفي أيضا لفضح كل من يدعو من العرب للتطبيع معهم". 


وشدد عبد الهادي على ضرورة الانتباه إلى "مظهرين آخرين لهذه الظاهرة، أولهما: استضافة بعض وسائل الإعلام العربية للإسرائيليين لا من أجل خدمة حق الناس في المعرفة، أو بغية تحدي الرواية الصهيونية، وإنما بهدف الصفقات التصفوية المشبوهة لقضية فلسطين، وترويج الرواية الصهيونية، كما تفعل وسائل إعلام سعودية منها موقع "إيلاف" على سبيل المثال". 

 

عندما تطالعنا وسائل إعلام عربية بضيوف صهاينة لا يبررون فقط جرائمهم السياسية في فلسطين، بل يقدمون رؤى تاريخية ودينية تزعم أحقيتهم بالأرض، فإن التطبيع يكون قد تحقق بامتياز".

أما المظهر الثاني الذي يستحق التحذير منه، فهو وفقا لعبد الهادي "التواصل المباشر بين مواطنين عرب وشخصيات إعلامية وسياسية إسرائيلية عبر مواقع التواصل الاجتماعي" واصفا ذلك بأنه "أحد أخطر أشكال التطبيع، ومن غير الممكن تبريره بمبررات كالتي يمكن سوقها في شأن موقف وسائل الإعلام، فأنت هنا شخص، ولست منبرا للرأي والرأي الآخر". 


تطبيع إعلامي بامتياز

 
من جهتها أوضحت الباحثة في العلاقات الدولية، أماني السنوار أنه "كي نجيب عما إذا كانت استضافة وسائل إعلام عربية لمتحدثين إسرائيليين تطبيعا إعلاميا وثقافيا أو لا، فمن المهم العودة لتعريف التطبيع" معرفة له "باختصار أن يكون حضور الصهاينة ومحاورتهم والتعاطي مع روايتهم للصراع والأحداث شيئا طبيعيا في حياتنا". 


وأردفت قائلة لـ"عربي21": "وعندما تطالعنا وسائل إعلام عربية بضيوف صهاينة لا يبررون فقط جرائمهم السياسية في فلسطين، بل يقدمون رؤى تاريخية ودينية تزعم أحقيتهم بالأرض، فإن التطبيع يكون قد تحقق بامتياز".


وتابعت "ما يزيد الأمر سوءا هو أن سياسة إسرائيل الجديدة مع العالم العربي هي اللعب على وتر أزماته الساخنة، فهي تحاول كسر هالة العداء حتى مع أكثر مؤسساتها وحشية (الجيش)، عبر تصدير شخصيات عسكرية تخاطب العرب بعبارات مستمدة من ثقافتهم ودينهم، هذه الشخصيات تضحك وتحاور وتشاركنا تفاصيلها اليومية على الشاشة، وعبر وسائل التواصل الاجتماعي، وبإمكان أي عربي مخاطبتهم والمزاح معهم وحتى شتمهم ببساطة". 

 

تساءل السماسيري في ختام حديثه: أين هو الرأي الآخر الذي تقدمه وسائل الإعلام الغربية والإسرائيلية فيما يتعلق بقضية الصراع العربي الإسرائيلي، وهل يسمحون بظهور متحدثين عرب لنقض كل الروايات الصهيونية

وأشارت إلى أن "الهدف من ذلك في نهاية المطاف التصور بأن إسرائيل أكثر إنسانية وأقل وحشية"، مضيفة "في السابق كان المتحمسون لاستضافة الصهاينة يبررون ذلك بالاطلاع على ما لديهم من باب "اعرف عدوك".


وانتقدت السنوار ذلك التوجه مخاطبة تلك الوسائل بأن عليها "أن تعرف أن طرق الاطلاع على ثقافة العدو تكون عبر قراءة ما يُكتب في مراكز أبحاثهم، وما يُناقش على فضائياتهم من تحديات ومشاكل، وما ينشرونه من أخبار لجمهورهم الخاص، لا عبر خطاب مدروس يُصاغ خصيصا في دوائر الاستخبارات لغسل أدمغة المتلقي العربي". 


لا رأي آخر مع عدو مغتصب

 
بدوره اعتبر الأكاديمي المصري، أستاذ الإعلام بجامعة اليرموك الأردنية، الدكتور محمود السماسيري "استضافة متحدثين إسرائيليين عبر وسائل إعلام عربية تطبيعا ثقافيا وإعلاميا بامتياز مهما قيل في تبرير ذلك والدفاع عنه". 


وأبدى السماسيري رفضه لمنطق التبرير القائل بأن تلك الاستضافة تساهم في تعرية الصهاينة، وكشفهم على حقيقتهم العدوانية والعنصرية، ذلك أن الصهاينة في ظهورهم الإعلامي عبر وسائل الإعلام العربية يحرصون جدا على عدم إظهار ذلك الجانب، وإنما يظهرون بمظهر المحب للسلام والداعي إلى التعايش مع جيرانه ومحيطه الإقليمي". 


وردا على سؤال "عربي21" حول ما يقال من أن تلك الاستضافة تأتي انطلاقا من الالتزام بالمعايير المهنية القاضية بعدم تجاهل الرأي الآخر، قال السماسيري "الموضوع هنا ليس رأيا آخر، وإنما كيفية التعامل مع عدو مغتصب قاتل، يمارس القتل ضد أبناء الشعب الفلسطيني كل يوم" متسائلا: "ما هو الرأي الآخر الذي سنفسح له المجال ليقدمه الصهاينة لنا"؟. 


وتساءل السماسيري في ختام حديثه: أين هو الرأي الآخر الذي تقدمه وسائل الإعلام الغربية والإسرائيلية فيما يتعلق بقضية الصراع العربي الإسرائيلي، وهل يسمحون بظهور متحدثين عرب لنقض كل الروايات الصهيونية، وإبراز مدى هشاشتها وتهافتها" مبديا حذره الشديد من أجندات خفية تكمن وراء سياسة استضافة المتحدثين الإسرائيليين عبر وسائل إعلام عربية.