قضايا وآراء

طريق واحد يصل إلى فلسطين.. عبر المقاومة

1300x600
المقاومة التي شرعتها كل القوانين والمواثيق الدولية، هي الطريق الوحيد الذي يصل إلى فلسطين، وما عداه سراب وتيه. فالسلام المزعوم الذين يتحدثون عنه ما هو إلا استسلام للأمر الواقع، استسلام للهزيمة. تعرض الفلسطينيون لخديعة كبرى تسمى اتفاقية أوسلو التي أسقطت الثوابت الوطنية الفلسطينية، ليعلو مكانها الاعتراف بالكيان الصهيوني، والذي كان من المُحرمات التي لايجرؤ أحد على التفوه بها أو الاقتراب منها، مقابل سلطة فلسطينية زائفة، ووعود كاذبة بإقامة دولة فلسطينية وهمية على الأوراق فقط!

ربع قرن من الزمان والفلسطينيون يعيشون في التيه، يدخلون مفاوضات ليخرجوا منها إلى مفاوضات جديدة، ويخرجون منها ليدخلوا غيرها، وهكذا.. في دوامة ليست لها نهاية، وأصبحت المفاوضات من أجل المفاوضات، وضاعت القضية الفلسطينية في أروقة المفاوضات وعبث المباحثات، ونسوا أو تناسوا أن قضيتهم قضية تحرير أرض مغتصبة تستوجب النضال ضد المحتل، وليست صراعا بين خصمين يستلزم المفاوضات والواساطات بينهما، بل في غفلتهم يعمهون، ويطلقون على أمريكا، حاضنة عدوهم، "الوسيط"!

ربع قرن من التيه.. كانت السلطة الفلسطينية الوهمية جزءا من المشروع الصهيوني بالتنسيق الأمني مع قوات الاحتلال، فهي التي تطارد الفلسطينيين الأحرار في كل مكان، وتضيّق عليهم الخناق وتقبض علي الناشطين وتُبلغ سلطات الأمن الصهيوني عن أماكن المقاومين لتصفيتهم، كما حدث مع الشهيد "أحمد جرار" وغيره من الشهداء! وقد تجلى ذلك مع كل عملية تحدث في الضفة أو القدس، ولعل أقربها ما حدث في انتفاضة رام الله والخليل الأسبوع الماضي، حيث تصدت قوات التنسيق الأمني الفلسطينية بعنف شديد؛ للمظاهرات الداعمة للمقاومة والمساندة لها، وكأنها كانت على موعد للتسابق مع القوات الصهيونية، مَن فيهما الأكثر عنفاً وإيذاءً للمتظاهرين!!

أغلقت قوات الأمن الفلسطينية الشوارع والميادين كي تمنع أعدادا كبيرة من الجماهير من الانضمام إلى المظاهرات، واعتدت بالضرب على المتظاهرين، وسحلت النساء الحرائر في مدينة الخليل، في مشاهد مخزية!

ومن المفارقات الغريبة، أن يتزامن هذا مع اعتداء الإرهابي الصهيوني "باروخ مارزيل" على الفلسطينيين في محيط المسجد الإبراهيمي في المدينة، وإتلافه بسطات الباعة في المكان. وإن دلت هذه المفارقة على شيء، فإنها تدل على أن سلطة التنسيق الأمني الفلسطيني والصهاينة يد واحدة، وأنهما على قلب رجل واحد!

وربما الأكثر خزياً وعاراً هو إدانة رئيس سلطة التنسيق الأمني "محمود عباس" للعنف "المتبادل" بين الشعب الفلسطيني وقوات الاحتلال وإرساله رسالة تطمئن المحتل الصهيوني، يؤكد فيها أن التعاون الأمني سيستمر رغم أحداث الضفة!! مما جعل الجنرالات والمعلقين الصهاينة يُطالبون بدعمه، ويحذرون من أنه بدون تعزيز مكانة السلطة الفلسطينية، فإن قدرة تل أبيب على احتواء عمليات المقاومة في الضفة الغربية "ستكون محدودة".

منذ اتفاق أوسلو اللعين، كانت هناك عملية صهيو-أمريكية ممنهجة لصناعة إنسان فلسطينى جديد، يُصنع على أعينهم كما صنعوا وكلاءهم في فلسطين، على شاكلة محمود عباس وجماعته (الأوسلوية)، وحينما تأكدوا من استحالة تحقيق ذلك في غزة، معقل حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، خشوا من انتقال هذه الروح إلى الضفة الغربية. ولنتذكر ماذا فعلت الانتفاضة الأولى بالمحتل، وجعلته يهرع لإيقافها وعقد اتفاق أوسلو المشؤوم.

سعى الصهاينة لفصل الضفة الغربية، وطنياً ونضالياً، عن غزة بعد الانتفاضة الثانية التي انطلقت من القدس، بعد تدنيس شارون للمسجد الأقصى، لتشمل فلسطين المحتلة كلها. ولكي يخمدوا نيران هذه الانتفاضة، حاصروا الزعيم الراحل "ياسر عرفات" في مقر إقامته برام الله... تلاحظ عزيز القارئ أننى قلت "الزعيم"، ولم أقل "الرئيس"؛ لأنه كان زعيماً بحق لكل الفلسطينيين، اتفقنا معه أو اختلفنا. فهو لم يتآمر ضد شعبه أو يُسلم أحدا من المقاومين إلى العدو الصهيوني، أو يُبلغ عنه لقتله، كما يفعل خلفه الذي تولى الأمر من بعد مقتله بالسم!

أوكل الصهاينة مهمة تنفيذ الخطة الصهيو-أمريكية لوكيلهم أو مندوبهم "محمود عباس"؛ الذي وضعوه على رأس السلطة الوهمية، فسعى إلى الانفصال الجغرافي بين سكان الضفة الغربية وقطاع غزة وترسيخه بخطة خبيثة ودنيئة، إذ أغرى سكان الضفة بالعيش الرغد في ظل السلام المزعوم، بينما ترك سكان غزة يعانون شظف الحياة وبؤسها. لكن الفلسطينيين في الضفة أدركوا بعد فترة ليست بالطويلة خبثه وخداعه، فأفاقوا وأعادوا البوصلة لوضعها الصحيح، وأعادوا للمقاومة اعتبارها، وأنها الطريق الوحيد لتحريرهم من العدو الصهيوني وأزلامه، وأثبتوا لهم، بدماء شهدائهم أن الدم الفلسطيني واحد، لا يتغير مع تغير الجغرافيةا ولا يتبدل مع تبدل المكان. إنه الشعب الفلسطيني العظيم الذي لا يقبل التجزئة ولا يرضى بالانقسام، وأن المقاومة تجرى في دمائه كسريان الماء في الوديان، ولا يملك أحد مهما بلغت قوته أو جبروته أن يوقفها..

المفاجأة التي أذهلت الكيان الصهيوني، أنه خرج جيل من رحم أوسلو ليس على شاكلة مَن أرادوا صنعه من تلك الاتفاقية.. شباب ولد بعد اتفاقية أوسلو اللعينة، يسير على درب الأجداد والآباء، شباب يعشق المقاومة ضد المحتل الصهيوني.

وهنا يحضرني مقالان لكاتبين صهيونيين، أحداهما يُدعى "أرى شبيط" بعنوان "إسرائيل تلفظ أنفاسها الأخيرة"، يقول فيه: يمكن أن يكون كل شيء ضائعاً. ويمكن أننا اجتزنا نقطة اللاعودة، ويمكن أنه لم يعد من الممكن إنهاء الاحتلال ووقف الاستيطان وتحقيق السلام، ويمكن أنه لم يعد بالإمكان إصلاح الصهيونية وإنقاذ الديمقراطية. وإذا كان الوضع كذلك، فإنه لا طعم للعيش في البلاد، وليس هناك طعم للكتابة في هآرتس ولا طعم لقراءة هآرتس. يجب فعل ما أقترحه "روغل الفر" قبل عامين ومغادرة البلاد، فقد انتهى الأمر ويجب توديع الأصدقاء والانتقال إلى سان فرانسيسكو أو برلين".

أما الكاتب الآخر، وهو "جدعون ليفي"، فيقول في مقال له: "يبدو أن الفلسطينيين طينتهم تختلف عن باقي البشر، فقد احتللنا أرضهم، وأطلقنا عليهم الغانيات وبنات الهوى، وقلنا ستمر بضع سنوات وسينسون وطنهم وأرضهم، وإذا بجيلهم الشاب يفجر الانتفاضة وراء الأخرى، ويأتوننا من تحت الأرض وبالأنفاق، واستطاعوا أن يدخلوا الرعب إلى كل بيت في إسرائيل". لينهي "ليفى" مقاله الطويل الذي يستعرض فيه بطولات الشعب الفلسطيني، رغم القتل والسجن وهدم البيوت وحرق الأخضر واليابس والحصار الذي يمارسه الاحتلال ضده، وكيف استطاع هذا المارد الفلسطيني الجبار أن يبعث الذعر والخوف في نفوس الصهاينة، ليقول في النهاية: "خلاصة القول، يبدو أننا نواجه أصعب شعب عرفه التاريخ، ولا حل معهم سوى الاعتراف بحقوقهم وإنهاء الاحتلال".

هذان الكاتبان الصهيونيان أدركا الحقيقة التي يدركها معظم الصهاينة الإسرائيليين، إن لم يكن كلهم، ولكنهم يكابرون.. فمتى يدركها الصهاينة العرب، ويفهمون أن الشعب الفلسطيني عصي على الاستسلام والتركيع، ومتى يعون أن الكيان الصهيوني في أضعف حالاته منذ ولد سفاحاً عام 1948، وأنه يسير بخطة سريعة لنهايته المحتومة بفضل الغلو في العلا؟!..