اقتصاد دولي

تداعيات خطيرة لرفع سعر الفائدة في تركيا.. كيف يمكن تجنبها؟

أردوغان: "موقفي من مسألة رفع الفائدة كما هو لم يتغير لكن يبقى البنك المركزي مستقلا ويتخذ قرارته بنفسه"- جيتي

حذر خبراء اقتصاد ومصرفيون من التداعيات الخطيرة المتوقعة لقرار البنك المركزي التركي برفع أسعار الفائدة، الذي وصفوه خلال حديثهم لـ"عربي21"، بالمبالغ فيه وغير المتوقع.


 وأعلن البنك المركزي التركي، اليوم الخميس، رفع سعر الفائدة على عمليات إعادة الشراء "الريبو" لمدة أسبوع، إلى 24 بالمائة مقارنة مع 17.75 بالمائة سابقا.


وقال البنك في بيان نشره عبر موقعه الرسمي، إن "التطورات الأخيرة المتعلقة بتوقعات التضخم، تشير إلى وجود مخاطر في استقرار الأسعار، نتيجة تحركات أسعار الصرف".


وعلى الرغم من الانعكاس الإيجابي والسريع لقرار البنك المركزي، اليوم، على سعر صرف الليرة التركية أمام العملات الأجنبية، إلا أن خبراء اقتصاد حذروا في تصريحاتهم لـ "عربي21" من الآثار السلبية التي يمكن أن تترتب على هذا القرار، أخطرها التأثير السلبي على المواقف المالية للبنوك التجارية داخل النظام المصرفي التركي، والتي قد تؤدي إلى عدم انصياعها لتنفيذ أوامر البنك المركزي برفع أسعار الفائدة.

 

اقرأ أيضا: الدولار يصعد والأنظار تترقب اجتماعات 3 بنوك مركزية

انعكاس إيجابي


وفي أعقاب بيان البنك المركزي، وصعدت الليرة التركية، اليوم، مقابل الدولار الأمريكي، إلى مستوى 6.01 ليرات للدولار الواحد، من مستوى 6.40 ليرات للدولار، كما ارتفعت الليرة التركية أمام اليورو من مستوى 7.49 ليرات لليورو الواحد إلى مستوى 7.00 ليرات لليورو، وبهذا، يكون الدولار خسر من قيمته حوالي 3 بالمئة أمام الليرة، فيما خسر اليورو 2.7 بالمئة من قيمته أمام العملة التركية، بحلول الساعة 14.20 بالتوقيت المحلي (11.20 غرينتش)، وفقا لوكالة "الأناضول" التركية.

 

وفي تعقيبه على قرار البنك المركزي برفع سعر  الفائدة بتلك النسبة العالية قال أستاذ الاقتصاد والتمويل بجامعة إسطنبول صباح الدين زعيم: "لا أميل إلى هرفع سعر الفائدة، ومع ذلك فإن هذا القرار سيكون مؤقتا وذات مردود إيجابي نحو دخول أموال ساخنة يمكن ترتيب خروجها وفق استراتيجية السياسة النقدية".

 

وأضاف لـ"عربي21": "هذا القرار سيظهر أثره إيجابا علي سعر صرف الليرة، ولكنه في المقابل سيكون ذات مرود سلبي على الاستثمار، لأنه سيؤدي إلى ارتفاع تكلفة الاستثمار من ناحية أخرى".


وقال الخبير الاقتصادي، أحمد ذكر الله، أن قرار البنك المركزي التركي كان رد فعل لما حدث لأزمة الليرة التركية، وانهيارها المتوالي، والتي فقدت خلاله العملة التركية أكثر من 50 بالمئة من قيمتها خلال فترة قصيرة.


وأكد لـ "عربي21" أن قرار البنك المركزي، اليوم، يهدف في الأساس إلى منع عملية الدولرة، وتحويل الودائع بالعملات المحلية إلى دولار، وبالتالي الحفاظ على الليرة التركية والسيولة داخل الجهاز المصرفي التركي، لكنه يرى في المقابل أن البنك المركزي التركي بالغ في سعر الفائدة الذي تم تحديده اليوم، قائلا: "عندما يرفع البنك المركزي سعر الفائدة من 17.5 بالمئة تقريبا إلى 24 بالمئة أي بحوالي 7 بالمئة، فهذا رقم كبير جدا على السياسة النقدية، لم نكد نلاحظ مثله حتى في الدول التي عانت من أزمات مماثلة".

 

اقرأ أيضا: تركيا: إلغاء التعامل بالعملات الأجنبية بعقود البيع والإيجار

آثار سلبية


وأوضح الخبير الاقتصادي أن "رفع سعر الفائدة، حتى ولو بنسب منخفضة، يؤثر سلبا على الاستثمارات، خاصة الاستثمار المحلي منه، مستطردا: "المستثمر المحلي سيجد أن وضع الأموال في البنوك أكثر جدوى وفائدة منه إذا تم استثمارها في أي شكل أوأي وعاء استثماري آخر".


وأضاف: "المشكلة الأخطر، التي يمكن أن تترتب على هذا القرار، هي المواقف المالية للبنوك التجارية داخل النظام المصرفي التركي، والتي، ولا شك، ستجد صعوبة كبيرة في توفير الفوائد المرتفعة على الأموال خلال الفترة القادمة، وما يترتب عليه من تحميل تكاليف إضافية ضخمة على هذه البنوك".


وأردف: "قد نرى خسائر كبيرة لهذه البنوك في الربع الأخير من العام الحالي، ولذلك  اعتقد أن ترتيبا ما قد حدث بين البنك المركزي التركي وتلك البنوك، وترتيب ما نوصي بأنه يجب أن يحدث، وهو طمأنة البنوك التجارية المحلية بأن البنك المركزي لن يسمح بتعثر أو إفلاس أحدها خلال الفترة القادمة".


وأشار ذكر الله إلى أن "نظام العوائد فوق مستوى الـ 20 بالمئة يعني اضطرابات مالية ضخمة لتكاليف الأموال داخل هذه المؤسسات المالية، بل وكل مشروعات هذه البنوك في المستقبل".


وتابع: "لذلك يجب أن يراعي البنك المركزي هذه الخطوة سريعا، قبل أن تبدأ البنوك التجارية في اتخاذ إجراءات معادية لهذا القرار، كعدم تطبيق سعر الفائدة المرتفع، أو عدم إيجاد أوعية ادخارية لمثل هذه الفوائد المرتفعة، أو غير ذلك من الأمور، خاصة أن نسبة البنوك التجارية غير الحكومية في تركيا تصل إلى نحو 90 بالمئة من إجمالي عدد البنوك العاملة بها".


وأوضح أنه "من حق البنوك التجارية الخاصة عدم الانصياع الكامل لأوامر البنك المركزي، خاصة البنوك التي تتمتع بهياكل مالية قوية" لافتا إلى أن "سلطة البنك المركزي على تلك البنوك سلطة أدبية أكثر منها قانونية (أو ما يسمى بسلطة الاقناع الأدبي )".


وحذر الخبير الاقتصادي من اندلاع موجة تضخم كبيرة نتيجة قرار البنك المركزي، اليوم، قائلا: "رفع سعر الفائدة يعني التحميل على تكاليف المنتجات وبالتالي زيادة الأسعار في الأجل القصير، إضافة إلى ارتفاع أسعار السلع المستوردة من الخارج نتيجة انخفاض قيمة الليرة أمام الدولار".


ولتجنب الآثار السلبية لهذه الموجة التضخمية على المواطن التركي، دعا ذكر الله الحكومة التركية إلى ضرورة التدخل الحكومي العاجل، واتخاذ إجراءات سريعة موازية لتخفيف حدة تلك الموجة التضخمة على المواطن التركي في المستقبل القريب"، مضيفا: "اعتقد أن البنك المركزي التركي يفكر أن يكون هذا الإجراء إجراءً مؤقتا لفترة زمنية معينة يتم بعدها التراجع إلى أسعار فائدة أقل".

 

اقرأ أيضا: لماذا يكره أردوغان أسعار الفائدة.. وما تأثيرها على الاقتصاد؟

 

حلول ابتكارية


وقال ذكر الله، خلال حديثه لـ "عربي21": "يجب على تركيا، أيضا، أن تشجع الاستثمار الأجنبي بصورة غير تقليدية، مستطردا: "فبدلا من أن تقف الدولة متفرجة على التعاطف الشعبي العربي والإسلامي مع دولة مهمة بالنسبة لهذه الشعوب عند انهيار قيمة عملتها، والاحتفاء بتحويل هؤلاء الأفراد بعض مدخراتهم إلى العملة التركية، يجب عليها أن تأخذ منهجا ابتكاريا في تحويل هذا التعاطف إلى دعم حقيقي لبنية الاقتصاد التركي".


وأردف: "ويمكن تحقيق ذلك، عن طريق إقامة بعض المشروعات المملوكة للدولة بنسب حكومية منخفضة للغاية وأن تكتتب بين الشعوب الإسلامية على بقية أسهم هذه المشروعات، (فبدلا من أن تحول، كمتعاطف مع تركيا، بعض مدخراتك من العملات الأجنبية إلى ليرة تركية، تقوم بالاكتتاب في مشروعات ذات جدوى اقتصادية عالية تمتلك فيها الحكومة التركية وليكن 10 بالمئة)، وهذا سيشجع عشرات الآلاف من الأفراد على التعاطف الإيجابي عبر مشروعات حقيقية داخلة في كيان الاقتصاد التركي، وإيجاد صناعات محلية تحل محل الواردات التركية وتساهم في خفض العجز في الميزان التجاري".


ترتيبات قوية


وحول حديث البعض عن أن قرار البنك المركزي التركي برفع أسعار الفائدة على غير رغبة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان هو انتصار البنك ضد ما وصفوه بسيطرة الرئيس التركي على السياسة النقدية، قال ذكر الله: "اعتقد أن هناك ترتيبات قوية بين السلطة التنفيذية والسلطة النقدية في الدولة التركية، وأنه لا يوجد انتصار لرأي طرف على طرف آخر، فالجميع يعمل تحت وطأة أزمة حقيقة تعرضت لها الليرة التركية، والكل يعمل تحت وطأة حرب يشعرون جميعهم بضراوتها نتيجة اقتراب تركيا من الوصول إلى قائمة العشرة الكبار في العالم".


وفي أول تعليق له على قرار البنك المركزي، اليوم، برفع أسعار الفائدة، التي يصفها أردوغان بأنها أم الشرور، قال الرئيس التركي في كلمة ألقاها خلال اجتماع لاتحاد الصنّاع والحرفيين، بالعاصمة أنقرة، وفقا للأناضول، إن بلاده ستتخذ المزيد من الخطوات للحد من تقلبات سعر صرف العملات الأجنبية.


وأكد الرئيس التركي أن بلاده تعمل من أجل حل جميع المشاكل التي أثرت بشكل سلبي على اقتصادها، وفي مقدمتها التقلبات في أسعار الصرف، دون الخروج عن إطار السوق الحرة.

 

اقرأ أيضا: أردوغان يؤكد استقلالية "المركزي" ويجدد موقفه من سعر الفائدة

وأشار إلى أن "الفترات العصيبة تتطلب اتخاذ قرارات وإجراءات حاسمة، ولن نتردد أبداً في اتخاذ أي قرارات تتلاءم مع أهمية المرحلة التي يمر بها بلدنا"، مؤكدا أن موقفه من مسألة رفع الفائدة كما هو لم يتغيّر.


واستطرد: "لكن يبقى البنك المركزي مستقلا ويتخذ قرارته بنفسه"، مضيفا: "الحكومة لن تساهم مطلقا في دعم هذا التوجه الاستغلالي".


ولفت أردوغان إلى أن الميزة الأكبر في تركيا حاليًا هي أن المشاكل ليست ناجمة عن القطاع المالي، وأن المصارف مازالت قوية بجميع مؤشراتها. واعتبر أن القطاع المالي سيتصرف بشجاعة أكبر كلما تحقق الاستقرار في أسعار الصرف والفائدة والتضخم.


وقال إنه عندما تولى حزب العدالة والتنمية الحكم في تركيا كان معدل الفائدة 63 في المئة وجرى خفضه حتى 4.6 في المئة، وكذلك التضخم كان 30 في المئة وانخفض إلى حوالي 7 في المئة.


وشدّد الرئيس التركي على أن ما تشهده تركيا اليوم ليس بأزمة، وإنما عبارة عن تلاعب مرتبط بالخارج، داعيًا إلى عدم الانخداع في هذا الصدد، مستدركا: "لا تقلقوا على الإطلاق، سوف نتجاوز هذه المرحلة".