بورتريه

ترامب يركب موجة القس على وقع انتخابات الكونغرس (بورتريه)

القس برانسون عربي21
تهمس بعض الصحف الأوروبية، فيما إذا كانت الأزمة بين تركيا والولايات المتحدة الأمريكية ناتجة عن سوء الفهم وخطأ في الترجمة، والتقاط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لرسائل وإشارات خاطئة من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

وتبدو الحيرة أكبر حين نعرف أن ترامب لم ينتسب يوما إلى نادي الرؤساء الديمقراطيين في العالم، ولم تكن حقوق الإنسان أبدا ضمن أولوياته أو هواياته المفضلة.

ولم يكن القس أندرو برانسون، المسجون منذ نحو عامين في تركيا ضمن أجندته أو في دائرة اهتماماته، أو حاضرا معه على حسابه على "تويتر".

وكما هي عادة ترامب الذي لا تعرف إلى أي وجهة تسير سفنه، وأين سيطلق نزقه وانفعاله وطيشه، فقد تذكر ترامب القس الأنجلي، مع اقتراب انتخابات الكونغرس الأمريكي في تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل، على وقع مخاوف من خسارة حزبه الأغلبية في المجلس، وليس أفضل من التعل88ق بأهداب المسيحية.

اعتقاله سبب أزمة بين أنقرة وواشنطن، وفتح الطريق أمام إدارة ترامب لاتخاذ عقوبات متطرفة ومستفزة ضد أنقرة التي لم تجلس على مدرجات المتفرجين، وردت بالمثل.

يعيش القس أندرو برانسون المولود في عام عام 1968 في تركيا منذ 1993 في مدينة أزمير غربي البلاد، نشأ في ولاية كارولينا الشمالية، وهو الابن الأكبر في عائلة متدينة جدا ضمت سبعة إخوة.

تقول والدته : "عندما كان صغيرا، كاد أن يموت من مرض عضال، ولذلك السبب منحته للرب".

يرعى برانسون كنيسة إنجيلية صغيرة في أزمير التركية يبلغ عدد أتباعها 25 شخصا فقط، ولديه ابنان ولدا في تركيا، وكان يتأهب للتقدم بطلب إقامة دائمة في تركيا حسب قول محاميه.

أُلقي القبض عليه قبل أكثر من عامين، ووجهت إليه تهما بالارتباط ب"حزب العمال الكردستاني" وجماعة فتح الله غولن المتهم بمحاولة الإطاحة بالرئيس أردوغان، اللتين تعتبرهما تركيا "منظمات إرهابية"، وهو ما ينفيه محامو برونسون والولايات المتحدة نفيا قاطعا.

وكانت محكمة تركية أخلت سبيل القس الأمريكي في يوليو/ تموز الماضي لكنها وضعته رهن الإقامة الجبرية.

وأقرت محكمة أخرى استمرار حبس القس بينما كانت الولايات المتحدة تأمل في أن يطلق سراحه.

وبحسب صحيفة "الغارديان" البريطانية، احتجز برونسون مع 21 سجينا آخر في زنزانة مخصصة فقط لثماني أشخاص، وفي حال إدانته، فإنه يواجه السجن لمدة 35 عاما.

وقال برونسون للمحكمة التي نظرت في قضيته، إنه لا يوجد دليل ملموس ضده، معلقا:" لقد عانى تلامذة المسيح باسمه، والآن دوري، وأنا رجل بريء من كل هذه التهم وأرفضها، وأعرف لماذا أنا هنا، أنا هنا لأعاني باسم المسيح".

قفز ترامب دون دعوة إلى قارب القس برونسون، مزمجرا بالويل والثبور وبشر الهلاك، مهددا تركيا بمواجهة عقوبات كبيرة ما لم تطلق فورا سراح القس الذي يخضع للإقامة الجبرية في منزله في تركيا حاليا.

وقال ترامب في تغريدة على تويتر:"ستفرض الولايات المتحدة عقوبات كبيرة على تركيا بسبب احتجازها لفترة طويلة للقس أندرو برانسون، وهو مسيحي عظيم ورب أسرة وإنسان رائع"، مضيفا: "إن القس يعاني كثيرا، يجب إطلاق سراح رجل الدين البريء هذا على الفور".

وفي وقت لاحق قال البيت الأبيض إن ترامب يشعر بـ"إحباط كبير" لعدم إفراج تركيا عن برانسون وعودته إلى الديار.

ويصر أردوغان، على أنه لن ينحني لمحاولات واشنطن لتأمين إطلاق سراح برونسون، رغم العقوبات الأمريكية التي دفعت بالليرة التركية إلى التراجع بشدة مقابل الدولار، وتدهور العلاقات بين البلدين.

وكان أردوغان، قد اقترح في سبتمبر/أيلول من العام الماضي الإفراج عن برونسون مقابل تسليم واشنطن فتح الله غولن في صفقة تبادل، لكن واشنطن رفضت الفكرة وما زالت مصرة على إطلاق سراح برونسون بدون مساومات، وكانت واشنطن قد أسقطت جميع التهم التي وجهتها إلى حراس أردوغان الشخصيين الذين اتهموا بالاعتداء على متظاهرين خلال زيارة الرئيس التركي لواشنطن العام الماضي.

وأمر أردوغان قبل أيام قليلة، بتجميد أي أصول في تركيا لوزيري الداخلية والعدل الأمريكيين، ردا على عقوبات مماثلة فرضها ترامب، ضد وزيرين تركيين، بسبب استمرار اعتقال القس.

وقال أردوغان إن الإجراءات التي اتخذتها الولايات المتحدة "لا تليق بشريك استراتيجي، وهي إهانة لتركيا".

القس برونسون، والوحدات الكردية في سوريا، وفتح الله غولن هي أحد أوجه الأزمة بين أنقرة وواشنطن، وليست سوى رأس جبل الجليد، فهناك أوجه أخرى أثارت حنق الإدارة الأمريكية، من بينها، تقارب أنقرة مع موسكو وتوجه تركيا للحصول على منظومة صواريخ "اس 400 " للدفاع الجوي من روسيا.

وأيضا إعلان أردوغان إيران شريكا استراتيجيا، وسبق ذلك قرار ترامب الاعتراف ب"القدس عاصمة لإسرائيل"، ونقل السفارة الأمريكية وهو القرار الذي كان بداية الخلاف بين البلدين. ويلحق بهذه الملفات،  قرار محكمة أمريكية في مايو/أيار الماضي بسجن مصرفي تركي كبير لإدانته بالتآمر لانتهاك العقوبات على إيران، وقد تؤدي القضية إلى فرض غرامة كبيرة على "بنك خلق".

وتقول رواية تركية أن الرئيس الأمريكي أساء فهم المحادثة التي جمعته بالرئيس التركي في قمة "الناتو "ببروكسل، وكانت فحواها ضمان إطلاق سراح برونسون بعد إقناع ترامب، رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بإطلاق سراح الفتاة التركية أوزكان المعتقلة في تل أبيب بتهمة التعاون مع "حماس". ورد ترمب: "أحتاج إلى تغيير بعض الأمور في قضية القس أولا".

واعتقد أردوغان أنه وافق على عملية تقضي بنقل برونسون من السجن إلى الإقامة الجبرية قبل إطلاق سراحه نهائيا. وقد نقل القس الأميركي بالفعل إلى الإقامة الجبرية. وعندما رد أردوغان بالموافقة، قصد أننا نعمل على ذلك. بعدها ، أفسد مايك بنس، نائب الرئيس الأمريكي، الأمور لاعتبارات انتخابات الكونغرس النصفية. فأساء ترمب فهم العملية باعتبارها تواصلا إلى اتفاق.

صحيفة "الغارديان" تهمس بأنه لم يكن هناك أحد سواهما (أردوغان وترامب) والمترجم حين تحدثا بموضوع الفتاة التركية والقس الأمريكي.

العلاقة بين أنقرة وواشنطن لن تعود إلى سابق عهدها، والولايات المتحدة لن تعود كما كانت سابقا.

تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية الحديث تغير مرتين، الأولى بعد تفجيرات 11 أيلول / سبتمبر عام 2001 ، الثانية وصل ترامب إلى البيت الأبيض.

ترامب في مواجهة العالم، لا أحد في صفه سوى الحكومات والدول الديكتاتورية التي تئن تحت حكمها حقوق الإنسان.

ترامب في مواجهة أوروبا والصين وروسيا وإيران والأن تدخل تركيا ضمن نادي الأعداء الذين تتسع قاعدتهم، في مواجهة رئيس متعجرف تقوده جوقة من المتطرفين اليمينيين.

هل تنتهى أزمة القس الأمريكي بصفقة كبرى تدخل فيها روسيا لإغلاق ملف سوريا وتخديدا محافظة أدلب مثلا؟، الأزمة لا تزال مفتوحة على جميع الاحتمالات.