بورتريه

بيل غيتس.. رجل المستقبل وعالم المفاجآت (بورتريه)

بيل غيتس

جاء من "عالم مليء بالمفاجآت"، حيث لا تدري من أي جهة ستأتي الفكرة العظيمة المقبلة، بحسب قول منسوب له.

كان الناس ينظرون إليه بوصفه ثريا جشعا، ومحتكرا، نتيجة العديد من دعاوي الاحتكار التي رفعت ضد شركته "مايكروسوفت" في الولايات المتحدة وأوروبا. 

لكن بعد تأسيس مؤسسة خيرية باسمه واسم زوجته، تحسنت صورته، وتجملت، ليصبح فاعل الخير السخي، والمحسن الكبير.

وأسهم في خلق "ثورة الحاسوب الشخصي"، ليتصدر قائمة أثرياء العالم، بثروة وصلت إلى نحو 90 مليار دولار.

وليام هنري غيتس الثالث، المعروف باسم بيل غيتس، المولود في سياتل في واشنطن عام  1955 لوالد من أصل إيرلندي- اسكتلندي، نشأ في عائلة ذات تاريخ في السياسة والأعمال والخدمة الاجتماعية.

والده كان محاميا بارزا، وشغلت والدته منصبا إداريا في جامعة واشنطن، وكانت عضوا بارزا في مجالس لمنظمات محلية وبنوك.

في هذه البيئة الأسرية لم يكن مستغربا أن يظهر بيل الطموح وروح المنافسة في وقت مبكر، فقد تفوق على زملاء الدراسة في الرياضيات والعلوم.

وفيما بعد أدرك الوالد الذكاء المبكر لابنه بيل، ما حدا به لإلحاقه بمدرسة "ليكسايد" الخاصة، وكان لهذا القرار الأثر البالغ على حياة بيل ومستقبله، ففي هذه المدرسة تعرف بيل على الحاسوب لأول مرة.

ومنذ تلك اللحظة أصبح بيل شغوفا بالحاسوب وأمضى غالبية وقته في غرفة الحاسوب في المدرسة، وفي هذه الغرفة تعرف بيل على بول آلان، طالب آخر يشاطره شغفه وانشغاله في الحواسيب، وخلال وقت قصير نمت بينهما صداقة وثيقة استمرت لسنوات عديدة.

توجه بيل غيتس، وبول آلان، إلى شركة "CCC" وقدما عرضا يقتضي بأن يساعدا الشركة في إيجاد أخطاء النظام والخروقات التي قام بها طلاب مدرسة "ليكسايد" في أجهزتها، مقابل أن تمنحهم الشركة زمنا مجانيا وغير محدود لاستخدام النظام، واستخدام أجهزتها.

وبما أن الشركة سئمت من تعطل النظام واختراقه المتكرر، وافقت على طلبهما وقررت أن تمنحهما هذه الفرصة.

شكل بيل غيتس وزملاء الدراسة مجموعة أسموها "مبرمجو ليكسايد"، وأتاحت هذه الفرصة للمجموعة إمكانية دراسة برامج النظام، واكتسبوا خبرة برمجية واسعة في لغات برمجة كانت شائعة في ذلك الوقت مثل "بيسك"، و"فورتران"، و"ليسب"، وحتى لغة الآلة، كما قاموا بإنتاج بعض برامج الألعاب.

وبعد عام واحد، وُظفت المجموعة من قبل شركة "إنفورميشن ساينس"، لكتابة برنامج لاحتساب رواتب موظفي الشركة باستخدام لغة البرمجة "كوبول". 

ولأول مرة، حصل الطلاب على ربح مادي مقابل موهبتهم المتوقدة، وبالإضافة لذلك منحت المجموعة حقوق الملكية على برامجها، وتم الاعتراف بها قانونيا.

كان مشروع بيل وآلان التالي، إنشاء شركة صغيرة خاصة بهما أسمياها  "Traf-O-Data" وقاما بتصميم جهاز حاسوب صغير يهدف لقياس حركة المرور في الشوارع، واستخدما في تصميمه معالج "إنتل 8008". 

وحققت هذه الشركة الصغيرة ربحا مقداره 20 ألف دولار في عامها الأول، وكان بيل حينئذ في المرحلة الثانوية، واستمرت الشركة في العمل حتى دخول بيل الجامعة.

في عام 1973 التحق بيل بجامعة "هارفارد"، مع صديقه بول آلان، وفي العام التالي سيغامر بيل بالاتصال بشركة "ميتس"، الشركة المنتجة لحاسوب "ألتير 8800" ويخبرهم بأنه طور وزميله آلان برنامج مترجم للحاسوب مكتوبا بلغة البرمجة "بيزيك Altair".

والواقع أنه لم يكن صادقا في ما قاله، فلم يكن بيل وآلان قد كتبا سطرا برمجيا واحدا لهذا الحاسوب ولم يشاهداه إلا في صور في مجلة فقط، ولم يمتلكا حتى معالج "إنتل 8080" الذي يعمل عليه، لكن الشركة وافقت على مقابلتهما وتجريب النظام الجديد، ما دفعهما للبدء بالعمل وبسرعة على كتابة البرنامج.

كانت عملية كتابة البرنامج مسؤولية بيل، بينما بدأ آلان العمل على إيجاد طريقة لعمل محاكاة للحاسوب "ألتير 8800" على أجهزة الحاسوب المتوفرة في الحرم الجامعي لتجريب البرنامج عليه. 

وبعد جهود من العمل المستمر، شعر الاثنان أن برنامجهما أصبح جاهزا، وقاما بتحميل البرنامج على حاسوب "ألتير 8800"، وبدأت عملية تشغيل البرنامج الحقيقية لأول مرة، وكانت المفاجأة، أن البرنامج عمل بكل سلاسة ودون أي أخطاء.

في منتصف عام 1975، وبعد النجاح الذي حققه كل من بيل وآلان مع "ميتس"، قرر الاثنان إنشاء شركة خاصة بينهما لتطوير البرامج، أسمياها شركة "Micro-Soft" وتشكل هذا الاسم من الكلمتين "Microcomputer" و"Software".


وجاءت الفرصة الكبرى لهما في عام 1980، حين بدأت شركة "IBM" العالمية مشروعا لتصنيع حاسوب شخصي جديد ليستخدم في المكاتب والمنازل، وكانت الشركة بحاجة إلى نظام تشغيل للحاسوب الجديد؛ لذلك قامت بالاتصال بـ"مايكروسوفت" في محاولة للحصول على النظام.

وقامت "مايكروسوفت" بطرح نسخة من نظام التشغيل في السوق باسم جديد هو "إم إس-دوس"، وجعلت منه نظاما جذابا، لأنه بيع بسعر ثابت، وأصبحت البرمجيات في متناول الجميع. 

وكان بيل يهدف من خلال ذلك لبناء قاعدة هائلة من مستخدمي منتجات "مايكروسوفت"، فيصبح بذلك المزود الرئيس لكافة المستخدمين.

في عام 1985، أنتجت "مايكروسوفت" النسخة الأولى من نظام تشغيل "ويندوز 1.0"، وكان هذا النظام بديلا لنظام التشغيل "إم إس-دوس" ومنافسا لأنظمة التشغيل الأخرى المتوفرة في السوق. 

ومكّن هذا النظام الجديد المستخدمين من استخدام مؤشر الفأرة، والتنقل بين نوافذ عدة في الوقت ذاته، مع احتوائه على تطبيقات عدة مثل: برنامج notepad، وتقويم سنوي، وساعة، وبرنامج الآلة الحاسبة.

وفي أعقاب صدور النسخة الثانية من "ويندوز"، رفعت شركة "أبل" في عام 1988 دعوى قضائية ضد "مايكروسوفت"، تتهمها فيها بسرقة بعض العناصر الخاصة بواجهة تطبيق الرسومات لحاسوب "أبل ماكنتوش" واستخدامها في نظام التشغيل "ويندوز".

ادعت "أبل" أن "مايكروسوفت" سرقت "الشكل والمضمون" لنظام تشغيل "ماكنتوش"، كاستخدامها بعض خواص النوافذ من إمكانية فتحها على سطح المكتب وتغيير حجمها وغيره، وكونها مستطيلة الشكل، وتحتوي على شريط العنوان.

وخسرت "أبل" دعواها القضائية، بعد أربعة أعوام من النقاش الساخن.

ولم يثن ذلك عزيمة "مايكروسوفت"، بل أعطاها دفعة للأمام وشهرة إضافية. 

وساهم في نجاح الإصدار الثالث من نظام التشغيل "ويندوز"، ما شرع لها أبواب السيطرة على سوق أنظمة التشغيل ليس في الولايات المتحدة فحسب، بل في العالم أجمع. 

فانتقلت بذلك لتصبح أكبر شركة برمجيات في العالم، وجعلت من بيل غيتس أغنى رجل في العالم.

وأصدرت "مايكروسوفت" خلال ثلاثين عاما العديد من البرامج الإبداعية التي انتشرت في جميع أنحاء العالم، ونالت إعجاب ملايين المستخدمين. 

ولعل أول ما يتبادر للأذهان عند ذكر اسم "مايكروسوفت" حزمة البرامج المكتبية "أوفيس" التي أصدرت لأول مرة في عام 1989، وتضم مجموعة من التطبيقات الشهيرة مثل: برنامج "وورد "و"إكسل" و"باوربوينت" وغيرها.

وفي محاولة منها للمشاركة بثورة "الإنترنت" التي اكتسحت العالم، أصدرت "مايكروسوفت" في عام 1994 برنامج متصفح "الإنترنت" الشهير "إكسبلورر"، كما ساهمت في إنتاج الكثير من البرمجيات الشهيرة أو التطوير عليها.

في عام 1998 رفعت وزارة العدل الأمريكية و20 ولاية أمريكية قضية مدنية ضد "مايكروسوفت"، تتهمها فيه بالاحتكار لسوق البرمجيات في تعاطيها مع مبيعات نظام التشغيل "ويندوز" و"إنترنت إكسبلورر".

ونجت "مايكروسوفت" من هذه المواجهة بأقل الخسائر، لكنها كانت البداية، فقد واجهت "مايكروسوفت" وابلا من قضايا اتهام بالاحتكار رفعت عليها من شركات وهيئات مختلفة، ورغم ذلك واصلت تحليقها بعد أن دخلت عالم الهواتف الذكية والألواح الذكية ونجت مرة أخرى.

في سنوات النجاح تلك تزوج بيل غيتس من ميليندا فرينش في عام 1994، لقاء بيل وميلندا جاء مصادفة بعد أن التحقت ميلندا بـ"مايكروسوفت" وشاركت في تطوير العديد من مشاريعها مثل "مايكروسوفت بوبليشر"، و"مايكروسوفت بوب"، "إنكارتا"، والتقى الزوجان في مؤتمر صحفي لـ"مايكروسوفت" في مدينة مانهاتن.

في عام 2000، أنشأ بيل وزوجته ميلندا "مؤسسة بيل وميلندا غيتس" وهي تعنى بالأعمال الخيرية، وقدمت هذه المؤسسة الكثير من الدعم المادي لمحاربة مرض الإيدز والأوبئة المتفشية في دول العالم الثالث، وقدمت المؤسسة المساعدة للطلاب على مقاعد الدراسة على شكل منح دراسية.

وحصل بيل غيتس على 4 شهادات دكتوراه فخرية من هولندا عام 2000، والثانية من "المعهد الملكي للتكنولوجيا" في السويد عام 2002، والثالثة من جامعة "واسيدا" في اليابان عام 2005، والأخيرة من جامعة "هارفارد" في الولايات المتحدة الأمريكية عام 2007.

وحصل في عام 2005 على لقب فارس من ملكة بريطانيا الملكة إليزابيث الثانية.

 

وفي عام 2008 لم يعد بيل يعمل بوقت وبشكل كامل لشركة "مايكروسوفت"، وقرر التفرغ لمنظمته الخيرية وهي أكبر جمعية خيرية في العالم والممولة جزئيا من ثروته.

حاول بيل وهو وزوجته ميلندا الإجابة عن سؤال "هل من العدل أن نمتلك كل هذه الثروة، في حين أن مليارات البشر ليس لديهم سوى القليل من المال، كما أنه ليس من العدل أن تفتح ثروتنا الأبواب المغلقة أمام معظم الناس".

وقالا في رسالتهما السنوية: "في جميع الأحوال نقوم بهذه المهمة، ونستخدم نفوذنا لمساعدة الناس قدر الإمكان ولدعم المساواة في جميع أنحاء العالم. ونحن نحرص على الشفافية في توضيح ما نموله والنتائج المسجلة، وقد يكون من الصعب أحيانا تحديد طبيعة المبادرات الناجحة وتلك الفاشلة، ولكن فريق العمل في مؤسستنا يعمل بجهد لتقييم تأثيرنا وتصحيح مسارنا وتشخيص الدروس المستفادة".

وأضافا: "رغم تحقيقنا لبعض النجاح في دفع العالم إلى الاهتمام أكثر بالصحة والفقر المدقع، غير أنه من الصعب القول في هذه المرحلة أننا نجحنا في جعل العالم يهتم بذلك كثيرا".

وقال الزوجان غيتس: "إليكم سؤال ثان نسمعه على الدوام: لماذا تتبرعون بأموالكما؟ على ماذا تحصلون لقاء ذلك؟".

وأجابا: "الأمر لا يتعلق بالطريقة التي نعتقد فيها أن الناس ستتذكرنا بها بعد رحيلنا. سنشعر بالسعادة الغامرة إذا انتهت ذات يوم أمراض مثل الملاريا وشلل الأطفال وطواها النسيان، وطوى معها ذكرى أننا عملنا لمحاربتها. نحن ننفذ هذا العمل لأنه مهم ولأنه يوفر لنا مكافآت مجزية وهو ينسجم مع طريقة تربيتنا".

ويعترف بيل غيتس بعد كل هذه النجاحات والثروة الطائلة بأن "الحياة ليست عادلة، فلتعود نفسك على ذلك".

وبأنه يتطلع إلى الأمام تجاه القرن المقبل، فسيكون "القادة أولئك الذين يساعدون الآخرين". 

وهو وزوجته يسعيان إلى محو سنوات التنافس والصدام والقضايا في المحاكم مع الشركات المنافسة في مجال الحاسوب والتطبيقات الذكية، والزوجان أنفقا حتى الآن ما مجموعه 27 مليار دولار من ثروتهما على المشاريع الخيرية تحت مظلة المؤسسة الخيرية التي تحمل اسمه وزوجته.

المدهش أن غيتس خصص من ثروته الضخمة (95%) لأجل الأعمال الخيرية وما تركه لعائلته من ثروته لا يتجاوز (5%).