مقابلات

مستشار مرسي: هذا ما لا يعرفه المصريون عن مشروع النهضة

القزاز: محاولات طمس هوية المجتمع المصري أمر من الصعب حدوثه- أرشيفية
هذه حقيقة المهلة التي كلفني بها الرئيس في يناير 2013.. ووقت انتهائها

المنهجية القائم عليها نظام الانقلاب العسكري ستصبح هي نفسها سبب انهياره

محاولة اختزال مكونات الثورة المصرية في تيار واحد كان خطأ كبيرا

التغيير القادم سيكون ضخما وعلى كافة القوى الوطنية مراجعة نفسها


قال مستشار الرئيس محمد مرسي للشؤون الاقتصادية، حسين القزاز، إن نظام الانقلاب العسكري يسير حاليا عكس معادلة التاريخ، مؤكدا أن المنهجية التي يعتمد عليها الانقلاب في استمرار بقائه في السلطة ستكون هي نفسها أحد الأسباب التي ستعجل بزواله.

وأضاف القزاز في أول مقابلة صحفية بعد انقلاب 3 يوليو 2013: "المنظومة الموجودة حاليا سواء في مصر أو المنطقة العربية، لا تزال مبنية على الأدوار التقليدية للأنظمة القديمة منذ قدوم الاستعمار إلى بلادنا، وهذه الأدوار لم تعد قادرة على تحقيق الحد الأدنى من الأدوار التي يجب على الدول القيام بها تجاه شعوبها".

وتابع خلال حديثه لـ "عربي21": "بلد فيه 100 مليون مواطن لا يمكن أن يسيروا جميعهم في ركب منظومة مبنية على القهر والمؤسسات الفوقية وإهدار مقدراتها، ويعيشون حياة بلا معنى، ولن تستطيع هذه المنظومة مواجهة هذه الملايين عندما تنهار الحياة في المجتمع بشكل كامل، ولا يمكن أن يبنى المجتمع على حالة قمع مستمرة إلى الأبد".

وعُين القزاز مستشارا للرئيس مرسي في 27 أغسطس 2012،  وكان ضمن الفريق المعد لمشروع النهضة الذي تبناه مرسي في برنامجه الانتخابي، وتولى الإشراف على الجانب الاقتصادي بالمشروع، ووصفه الإعلام المصري بمهندس مشروع النهضة، كما أنه يحمل شهادة البكالوريوس، ودرجتي الماجستير والدكتوراه في إدارة الأعمال من جامعة ولاية أوهايو الأمريكية، وكان عضوا بهيئة التدريس في كلية إدارة الأعمال في جامعة الإسكندرية، ورئيس مجلس إدارة إحدى الشركات الاستشارية المتخصصة في مجال توفير حلول التطوير التنظيمي للشركات في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا.. وفيما يلي تفاصيل المقابلة:

بداية، ما هو تقييمك للوضع الحالي في مصر، وما تمر به المنطقة من تغيرات؟

أظن أنه علينا قراءة الثورات العربية قراءة دقيقة، لأنها كانت إيذانا بأن منظومة الحياة الموجودة قبل اندلاع هذه الثورات غير قابلة للاستمرار، لا على مستوى الدولة، ولا على مستوى المجتمع، ورغم ذلك فكثير من الأنظمة الحالية سواء في مصر أو غير من بلدان المنطقة، تستدعي أسوأ ما كان موجودا في فترة ما قبل الثورات بل وترسخه، وهذا ليس منطقيا أن يستمر، لأن الثورات قالت إن تلك المعادلة الحياتية لم تعد قابلة للاستمرار.

لكن هذه الأنظمة نجحت في الحفاظ على بقائها في السلطة لعدة سنوات، وربما تستمر.. كيف ترى ذلك؟

يمكنك ترسيخ منظومة أمنية وجهاز بيروقراطي خاص بك، لكن إذا كنت تقرأ التغيرات السياسية والمجتمعية بمنظور تاريخي تدرك أنك تقوم بمغامرة خطيرة، لأنك تضع الشعوب أمام اختيارات ليست سهلة لا على المستوى المحلي (على صعيدي الدولة والمجتمع ) ولا على المستوى الإقليمي الذي يشهد تغيرات مدهشة جدا، والمنطقة كلها في حالة تغير ضخم جدا، ومن يسير ضد معادلة التاريخ ويضغط في عكس الاتجاه لن يستمر كثيرا حتى لو بقى بعض الوقت، فالثورات قامت من أجل الحرية وأنت تكبت الحريات أكثر، وقامت من أجل هوية الأمة وأنت الآن تطمس تلك الهوية، وقامت كذلك من أجل مصالحها الشعوب الحياتية وأنت أيضا تضغط بشكل غير مسبوق على تلك المصالح، فماذا تنظر في النهاية؟

وما هو توقعك لشكل هذه التغير الضخم؟

هذا أمر صعب على أي شخص توقعه، كما لم يكن أحد يتوقع اندلاع الثورات العربية بهذا الشكل، لكن ما يمكن توقعه أن هذا الوضع لن يستمر طويلا، لأن حركة التغير التاريخي ليست قاصرة عليه فقط، والشعب لن يظل على هذه الحالة كثيرا، فهناك شباب جدد يتشكل داخلهم أمور جديدة نتيجة ما يشاهدونه من أحداث مختلفة من مشاهد القمع وخلافه، ومثل عليا تتساقط، ومثل عليا أخرى تتشكل.. وهكذا، ومن أوصل المجتمع لحالة الثورة ليس قمع أو قهر النظام الحاكم وحده، بل لأن المجتمع في أجزاء قليلة من حياته بدأ بالفعل يتفكك تفككات خطيرة.

لكن هذه التفككات لا تزال مستمرة على قدم وساق، فهل يستطيع المجتمع المصري التماسك في ظل المحاولات الحثيثة لتفكيك الأسرة وضرب ثوابت المجتمع؟

في الغرب الأسرة لم تعد هي المؤسسة التكوينية الرئيسية للمجتمع، لكن هذا الوضع مختلف في مصر، والمجتمع لا يمكن أن يتوازن بدون الأسرة التي تمثل المؤسسة التكوينية الرئيسية للمجتمع، فإذا استطاع المجتمع المصري أن يعيش بدون الأسرة، فسيفقد هويته الدينية، وبالتالي أنت أمام خيار أن المجتمع يغير جلده ويصبح مجتمع آخر بلا هوية أو دين، وهذا الخيار صعب حدوثه في مصر لأنه تغير ليس بسيطا وفقا لبنية المجتمع المصرية الثقافية والدينية، بغض النظر عن بنيته الأيديولوجية، ومنهجية إلغاء المنطق التي يعتمدها النظام الحالي في تغييب الشعب كما حدث في جهاز الكفتة وغيره لن تستمر كثيرا، هذا فضلا عن أن التآكل الداخلي، ومنظومة الفساد الشبكي في مصر، ستؤدي بالمجتمعات إلى حالة هائلة من الصدام، وبالتالي لا أظن أن الوضع في مصر والمنطقة قابل للاستمرار حتى وإن كان يمر حاليا بدورات الحياة العادية المعروفة.

هل تتوقع أن يغير نظام الانقلاب العسكري من منهجية تفكيره في وقت معين لضمان استمراريته؟

لا، لأن النظام الحالي ليس لديه هذا الأفق، ولا يستطيع تنفيذه حتى، لأن ثمن هذا يعني التراجع عن كل الجرائم التي ارتكبها، وهذا صعب جدا حدوثه بالدفع الذاتي العاقل، لا من داخله ولا من المنظومة الإقليمية التي تدعمه، لا على مستوى نظام الانقلاب في مصر ولا أنظمة دول الثورات العربية، التي سالت فيها الدماء بحور.

وماذا عن الحركات والقوى المقاومة لهذه الأنظمة.. هل سيكون لها دور في التغيير الذي تتوقعه؟

هذه الفترة هي فرصة يجب أن تستثمرها تلك القوى في مراجعة نفسها، وتبني تغييرا واعيا في عملية إعادة بناء المجتمع ومؤسساته الرئيسية، والدولة بمكوناتها الرئيسية بشكل جديد، لأن القادم تغيير ضخم، وتغيير يحتاج لبصيرة تحمي البلاد من السقوط في الهاوية، ويجب أن يكون لدى هذه القوى القدرة على الاعتراف بما لديها من إمكانيات وقصور على حد السواء، حتى لا تتبنى أدورا أكبر من حجمها، ومحاولة اختزال مكونات الثورة المصرية والثورات العربية في تنظيمات أو مجموعات صغيرة، أو نخب، كان خطأ كبيرا لا يجب تكراره، لأن تلك الثورات وخاصة الثورة المصرية أثبتت أن مكوناتها مجموعة تيارات ضخمة وليست مجموعة قوى طليعية. 

باعتبارك كنت المستشار الاقتصادي لمشروع النهضة الذي تبناه الرئيس مرسي في برنامجه الانتخابي.. لماذا لم يتم تطبيق هذا المشروع على أرض الواقع؟

مشروع النهضة كان مجرد منهج في التفكير، يفترض في تطبيقه حالة تغير سلمي، لكن لم يكن هناك تغير سلمي كما كنا نعتقد، والمفردات الأساسية التي أسسنا عليها المشروع لم تعد واردة في التوقيت الحالي.

ألا ترى أن هذا يدعم موقف من هاجموا مشروع النهضة وقالوا إنه كان مشروعا نظريا ولا علاقة له بالواقع؟


هذا غير صحيح، مشروع النهضة كان قائما على إحداث تحولات مجتمعية كبرى في ثقافة المجتمع تشمل المنظومة الاجتماعية والسياسية والقانونية .. الخ، لأن المشروع كان يصعب تحقيقه على مكنة قائمة على ألا تنهض (بدءا من الجهاز الحكومي إلى أصغر وحدة في مؤسسات الدولة)، وعندما أدركوا خطورة تنفيذ هذا المشروع أبدوا امتعاضهم بشكل كبير وحدث الصدام، وبعض ممن أبدوا امتعاضهم من هذا المشروع يشغلون حاليا حقائب وزارية في حكومة الانقلاب العسكري، وهناك الكثير ممن هاجموا المشروع لم يفهموا فلسفته الحقيقية، كما أن مشروع النهضة هو طموح قديم لدى الشعوب، ولا أحد يحتكره لنفسه، بصرف النظر عن اختلاف مسمياته من دولة إلى أخرى (مشروع النهضة، مشروع البناء الحضاري.. الخ)، ومن بين من فكروا في هذا الطموح كان الإخوان والتيارات الإسلامية المختلفة، ووضعت أفكارا عبارة عن مداخل ومناهج وطرق معالجات وحلول في ظل المعطيات الموجودة، وعندما جاءت الثورة بهذه السرعة، قدم الإخوان مشروعهم.

هل يمكن القول بأن مشروع النهضة فشل في تحقيق أهدافه؟

المشروع لم يأخذ أي فرصة ليدخل حيز التنفيذ أو التطبيق، باستثناء مرحلة التوعية بالمشروع، وتحمس له كثير من الناس، لكن عملية التحضير لتطبيقه العملي على أرض الواقع أخذت سنة (مع أنه في دول أخرى تأخذ عدة سنوات) وبعد السنة التحضيرية لتنفيذه عمليا على أرض الواقع حدث الانقلاب، وعملية التحضير لهذا المشروع عمل فيها أكثر من 100 شاب وفتاة في مختلف التخصصات وبعض الأكاديميين الشباب، وكانوا متحمسين جدا لسرعة تطبيق المشروع على أرض، وبذلوا جهودا كبيرة جدا لأجل ذلك، وفي يناير 2013 عرضا الجهود الذي بذلت في عملية التحضير على الرئيس مرسي، فطلب مني اختصار عملية التحضير في أقل وقت ممكن وسرعة البدء في تطبيقه بالوزارات والجهاز الإداري للدولة، وأعطانا مهلة 6 أشهر، لكن هذه المهلة كانت نهايتها في 30 يونيو 2013 وحدث ما حدث.