كتاب عربي 21

كل عيد "إلكتروني" وأنتم بخير

1300x600
"قبل أن يستيقظ جميع المتسولين في المدينة، وقبل أن يجرّ بائعو الكعك عرباتهم الصغيرة، وقبل أن تغسلوا وجوهكم وتفركوا أسنانكم، وقبل أن تتناولوا حبة دواء الضغط، وقبل أن تتشاجروا مع زوجاتكم بسبب ضياع "جراباتكم" الكحلية الجديدة، أحببتُ أن أغافل العصافير على شرفاتكم، لأكون أول من يقول لكم: عيدكم سعيد، برغم توفر كل شروط التعاسة في حياتكم".

أرسلتُ هذه المعايدة صبيحة الأضحى لبعض الأصدقاء الذين يتلذذون بإرسال المعايدات الشعرية والسجعية المبالغ بها، التي تصلح لتكون مقطعا من رائعة شكسبير "روميو وجولييت".
 
هذا ما فعلَته وسائل التواصل الاجتماعي في عالمها الافتراضي، خصوصا عند العرب، حيث الكتابة بالفصحى عملٌ لم يألفه الناس خارج المعاملات الرسمية البسيطة، فتراهم عندما يكتبون للحياة والمجتمع يلجؤون إلى ذاكرتهم في العلاقة مع الفصحى، التي تعود غالبا إلى البدايات المدرسية.

في القرآن الكريم والسيرة النبوية الشريفة وكتب الأذكار قرأنا الفصحى، لذلك نجد مواقع التواصل في الأعياد الدينية تتحول إلى ما يشبه المساجد الإلكترونية، فالكل ينسخ ويلصق الآيات والأحاديث والأدعية بما يفوق أحيانا قدرة الكثيرين من واضعيها على حسن قراءتها، وهذا ليس سلبيا بالمناسبة.

في دروس القراءة والشعر والمحفوظات والتربية المدنية قرأنا العربية بالفصحى أيضا، وعندما كبُر الصغار عادوا إليها في حياتهم الإلكترونية؛ لأن الكتابة في "فيسبوك" و"تويتر" تحديدا أقوى وأجمل بالفصحى.

فيستعيد المغرّدون قصائد الغزل والوقوف على الأطلال وحب الوطن والناس من شعراء الجاهلية إلى شعراء العصر الحديث في كتب المناهج الدراسية.

فيبدو أصدقاؤنا على وسائل التواصل يتقمّصون غير شخصياتهم البسيطة والسطحية أحيانا، ويتكلمون بغير ألسنتهم التي تتقن الإنكليزية والفرنسية أكثر من العربية الفصحى. وهذا انتصار بحد ذاته للّغة العربية التي تختزن المشاعر والأفكار واللوحات التعبيرية أكثر من كل اللغات الأخرى.

أمر آخر كرسته الهواتف الذكية في المناسبات والأعياد، وهو تحوّل المواطنين العاديين إلى مسؤولين ومشاهير يُصدرون بطاقات الأعياد المنمقة والمزينة باسمهم وباسم زوجاتهم وعائلاتهم أحيانا، ويعممونها بضغطة واحدة على لوحة مفاتيح الهاتف، على مئات وآلاف ركاب هذا الهاتف من الأصدقاء وغيرهم.
 
فتشعر أن جناب الصديق يجلس في صالون بيته عاقدا ربطة العنق فوق بدلة رسمية، وليس في منزله إلا زوجته وهاتفاهما يقومان عبرهما بواجبات المعايدات التي قد تشمل رؤساء دول ونجوم الرياضة والسينما. ويتنافسان في احتساب الردود على الرسائل كما ونوعا.

ليس بالضرورة أن تكون هذه المعايدات المصطنعة سيئة إذا لم يكن بالإمكان أفضل منها، علما بأن عبارة "عيد مبارك أخي أحمد" مثلا، أقوى وأكثر حميمية وأبلغ تأثيرا في متلقّيها من موجات المعايدات الشعرية المتكررة التي يتداولها ملايين العرب بقلم شخص واحد.

فاكتب اسم أخيك أو صديقك ليسمع صوتك في حروفك، وكل عيد وأنتم بخير.