كتاب عربي 21

محاولة لترويض النفوس للترويح.. استعدادا لشهر الصوم والتراويح

جعفر عباس
1300x600
1300x600
شهر رمضان الفضيل، على مسيرة بضع ساعات، وأحسب أنني وأنتم بحاجة الى الترويح عن النفوس، وتفادي العبوس، ولكن دون إسفاف وابتذال، فمن عاداتنا الحميدة -والعجيبة في الوقت ذاته- أننا جميعا نصبح حسني الخلق ونتحلى بطول البال بمجرد رؤية "الهلال"، ولكن ما إن نصوم لبضعة أيام حتى نصبح "ع الهبشة"، ولا يكاد يمر يوم دون أن تسمع شخصا يصيح في آخر: "أف، صائم وخلقي ضايق". ما يصير حبيبي أن تعزو "ضيق خلقك" للصوم.

ولهذا أعتزم مواصلة ما شرعت فيه قبل أسابيع قليلة، من تبيان أنه من العسف والظلم وصم جميع الدعاة و"رجال الدين" بالتجهم، وقد أوردت في توطئة مقالي عن الشاعر الراحل هاشم الرفاعي، العديد من الأدلة على أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان بشوشا ضحوكا، وكيف يكون غير ذلك، وقد عاتبه ربه  على عبوسه في وجه أعمى، رغم أن الأخير لم يكن بطبيعة الحال يرى ذلك العبوس: "عبس وتولى أن جاءه الأعمى..".

حتى الخليفة الراشد عمر بن الخطاب، الذي كان مهابا و"دوغريا" في كل شيء، ولا يحب المسخرة في أي شيء، مازح ذات مرة جارية له، فقال لها: خلقني خالق الكرام، وخلقك خالق اللئام! فلما أحس انزعاجها بين لها قصده: وهل خالق الكرام واللئام إلا الله عز وجل؟

وأعترف بأن معظم مادة هذا المقال مسروقة من كتاب للدكتور الشيخ عبد السلام البسيوني (الذي يرد اسمه كثيرا في مقالاتي)، ولا أحسب أنها سرقة حرام، لأسباب عدة من بينها أنني كتبت مقدمة الكتاب (شيوخ ظرفاء)، وأنه أهداني الحقوق الحصرية لنشر الكتاب إلكترونيا في موقع لي على الإنترنت كنت أنشر فيه مقالاتي، فجاء "فيسبوك" فقضى على الموقع قضاء مبرما.

وإليكم في ما يلي عينات من ظرف الفقهاء والعلماء الأجلاء، ونبدأ بما قاله الشيخ الفقيه الحافظ صالح بن محمد: الأحول في البيت مبارك، يرى الشيء شيئين. (ولو سمعه شخص ثقيل الظل في زماننا هذا لاتهمه بالاستخفاف بذوي الاحتياجات الخاصة)، ويروى عن أبي الطيب الطبري أنه -مع علمه الواسع- كان ضحوك السن، وذات يوم وضع حذاءه عند الإسكافي ليصلحه، فتأخر عليه، وكان أبو الطيب يمر عليه، وكلما رآه الإسكافي، وضع الحذاء في الماء ليوهمه أنه يريد أن يصلحه! فقال الطبري: أعطيناك الحذاء لتصلحه؛ لا لتعلمه السباحة‏!

وسأل رجل الإمام أبا حنيفة: إذا نزعت ثيابي ودخلت النهر لأغتسل، فإلى أي جهة أتوجه؟ إلى القبلة أم غيرها؟ فقال له أبو حنيفة: الأفضل أن توجه وجهك إلى ثيابك لئلا تسرق‏!

وروى أحد العلماء: تشفعنا (استعنا كـ"واسطة" بلغة العصر) بامرأة عبد الرزاق بن همام الصنعاني، عالم اليمن، الحافظ الثقة عليه، فدخلنا، فقال: هاتوا، (يعني لكم ما تريدون) تشفعتم إلي بمن ينقلب معي على فراشي. ثم قال: ليس الشفيع الذي يأتيك متزرا/ مثل الشفيع الذي يأتيك عريانا.

وهناك من يلقي عليك محاضرة طويلة عريضة إذا قلت طرفة تتعلق بكونك متزوجا وبها شكاة من النساء، ثم أنظر أبي بكر النيسابوري (الحافظ شيخ الإسلام) يقول: أتعرف من أقام أربعين سنة لم ينم الليل، ويتقوت كل يوم بخمس حبات، ويصلي صلاة الغداة على طهارة عشاء الآخرة؟

وصمت برهة ثم قال: أنا هو، وهذا كله قبل أن أعرف أم عبد الرحمن، (وانظر الطرفة عندما تكون بليغة تجمع بين علم الدين والدنيا).

وكانت عمامة الإمام الشوكاني تسقط فيرفعها، وكان بعض علماء الزيدية يقولون ببطلان صلاته، فقال: أيهما أثقل: العمامة أم أمامة؟ يقصد بنت بنت الرسول صلى الله عليه وسلم التي كان يحملها.

قال أحمد بن محمد ابن الحريري -المتوفى سنة 757هـ- لغلامه يوما، وقد عثرت به بغلة فسقط أرضا: لا تعلق عليها -أي لا تطعمها- ثلاثة أيام عقوبة لها، فقال: إذا لم نعلق عليها تحمّر-أي تعاند- فقال: أطعمها، ولكن لا تقل لها إني أذنت! ورآه ذات يوم طالب خارجا من الطهارة (دورة المياه) فقال: يا مولانا آنستم محلكم، فقال له الشيخ: قبحك الله.

وكان القاضي حسام الدين البغدادي الحنفي يكثر من السخف؛ وإذا تحاكم إليه رجل وامرأة نصر المرأة، وتكلم بما لا يليق، حتى قال لامرأة: اكشفي عن وجهك، فكشفت وجهها، فقال لأبيها: مثل هذه تزوجها بهذا المهر، والله إن مبيتها ليلة يساوي أكثر من ذلك.
التعليقات (0)