كتاب عربي 21

تركيا و"طوفان الأقصى": تراجع في الموقف والتصريحات

سعيد الحاج
الموقف الرسمي بعيد عن موقف الشارع هذه المرة- جيتي (أرشيفية)
الموقف الرسمي بعيد عن موقف الشارع هذه المرة- جيتي (أرشيفية)
تبدو معركة طوفان الأقصى حتى اللحظة استثنائية وفق كثير من المقاييس والمعايير، في مقدمتها اثنان؛ الضربة القاسية التي وجهتها كتائب القسام الذراع العسكرية لحركة حماس للمؤسسة العسكرية والأمنية "الإسرائيلية" وكسرها لهيبتها وتدميرها لأسطورة قوتها وخرافة استحالة هزيمتها، وهي ضربة يتفق الكثيرون -بمن فيهم محللون "إسرائيليون"- على أن محوها غير ممكن بالنسبة للاحتلال حالياً مهما فعل في غزة وضدها، وسيبقى صعباً كذلك حتى على المدى البعيد.

وأما الثاني فهو مدى وحشية التعامل "الإسرائيلي" بما يتخطى ولا يقارن مع أي عدوان سابق على القطاع، من حيث استهداف المدنيين والبنى التحتية بما في ذلك المدارس والمستشفيات ودور العبادة وصولاً لمراكز إيواء النازحين، فضلاً عن منع وصول متطلبات الحياة الأساسية من ماء وغذاء ودواء وكهرباء من باب أن الاحتلال يواجه "حيوانات" لا يملكون حقوق البشر.

هذه الاستثنائية للمواجهة الحالية، عسكرياً وإنسانياً، وتداعياتها المتوقعة على المدى البعيد وخصوصاً على مستقبل دولة الاحتلال التي فقدت إلى حد كبير القدرة على الردع التي طالما تغنت بها، تلمّستها الدول الغربية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، ولذلك كانت المواقف استثنائية ومختلفة عن السابق ولم تتوقف فقط عند الدعم غير المحدود للاحتلال بل وصلت لدرجة إرسال حاملات طائرات للبحر المتوسط.

من الواضح أن ثمة دوافع لهذا التغير الملحوظ في السياسة التركية تجاه القضية الفلسطينية لا سيما في ظل عدوان دموي مثل هذا، في مقدمتها التوجهات الجديدة للسياسة الخارجية التركية في السنتين الأخيرتين والتي تُوجت بتحسين العلاقات وتطويرها مع عدد من القوى الإقليمية بما في ذلك دولة الاحتلال، فضلاً عن الطمع بتعاون مع دولة الاحتلال بخصوص غاز شرق المتوسط، والرغبة بتجنب توتير العلاقات مع واشنطن

في المقابل، لا يبدو أن الدول العربية والإسلامية قد لمست هذه الاستثنائية أو تصرفت على أساسها، ولذلك وجدنا معظم المواقف والتصريحات تقليدية ومكررة وإن بدا سقف بعض الدول أعلى نسبياً من السابق و/أو من المتوقع. لكن، وفي العموم، كانت مواقف الدول العربية والإسلامية بعيدة عن موازاة الحدث الكبير، وتركيا هنا ليست استثناءً.

عقب حرب سيف القدس في 2021، خرجت تصريحات من بعض قيادات حركة حماس شكرت تركيا لموقفها ودورها، لكنها قالت إنها كانت تتوقع ما هو أكثر منها. هذا "العتب الخجول" إن صح التعبير في حينها قد يتحول لنقد علني ومباشر بعد انتهاء حرب طوفان الأقصى، إذا ما استمر الحال على ما هو عليه.

فقد صدر عن أنقرة تصريحات رسمية انتقدت مبادرة حماس للهجوم على قوات الاحتلال وركزت في خطابها على فكرة "مهاجمة المدنيين". كما أن تصريحات الرئيس التركي المتكررة وبيانات وزارة الخارجية كررت الدعوة لـ"جميع الأطراف" بالتحلي بالهدوء والحكمة، وهو أمر يمكن أن يُفهم منه أنه يساوي بين الجانبين، حتى وإن لم يقصد ذلك. كما أن الجهد الدبلوماسي الكبير الذي بذله أردوغان ووزير الخارجية فيدان ركز على أولوية "إطلاق سراح الرهائن" في يد حماس، واستخدم مصطلح "رهائن" لا "أسرى" بما له من دلالات سلبية كما هو واضح.

أكثر من ذلك، فقد تضمنت انتقادات أنقرة المتكررة في الأيام اللاحقة لـ"ردة الفعل الإسرائيلية المبالغ بها" تعريضاً بما أسمته تصرفاتها "كمنظمة وليس كدولة"، وهي صياغة ملتبسة توحي بنظرة سلبية لحماس أو الفصائل الفلسطينية عموماً، بغض النظر عن النوايا أو التعمد مرة أخرى.
فإذا ما أضيف لكل ما سبق غياب أي لقاء لقيادة حركة حماس مع القيادة التركية وغياب خبر أي اتصال مباشر للخارجية معها في وسائل التواصل الاجتماعي، يصبح من الطبيعي أن نقول إن الموقف التركي مختلف هذه المرة عنه في الاعتداءات السابقة على القطاع.

من الواضح أن ثمة دوافع لهذا التغير الملحوظ في السياسة التركية تجاه القضية الفلسطينية لا سيما في ظل عدوان دموي مثل هذا، في مقدمتها التوجهات الجديدة للسياسة الخارجية التركية في السنتين الأخيرتين والتي تُوجت بتحسين العلاقات وتطويرها مع عدد من القوى الإقليمية بما في ذلك دولة الاحتلال، فضلاً عن الطمع بتعاون مع دولة الاحتلال بخصوص غاز شرق المتوسط، والرغبة بتجنب توتير العلاقات مع واشنطن.

وكان أردوغان ووزير خارجيته حينها مولود جاويش أوغلو قالا إن تركيا ستفصِلُ في المستقبل بين علاقاتها مع "إسرائيل" وسياسات الأخيرة ضد الفلسطينيين، وقلنا حينها إن ذلك يعني -كما قالت أنقرة- أن تحسن العلاقات لن يمنع انتقاد أنقرة للاحتلال وانتهاكاته للحقوق الفلسطينية، لكنه يعني كذلك -وهو الأهم الذي لم يقل- أن الانتهاكات والتجاوزات لن تؤدي بالضرورة لتراجع العلاقات فضلاً عن قطعها كما حصل سابقاً، ويبدو أن هذا التقدير قد ثبتت صحته.

لا شك أن أنقرة قد بذلت جهداً دبلوماسياً ملحوظاً، وأنها وجهت انتقادات معلنة وواضحة للعقاب الجماعي لأهل غزة والتهديدات بالتوغل البري ومنع دخول المتطلبات الأساسية، فضلاً عن الاستعداد لنقل مساعدات وإغاثة لسكان غزة. لكن كل ذلك بعيد جداً عن مواقف سابقة لتركيا في اعتداءات كان حجم الجرائم "الإسرائيلية" فيها أقل من الوقت الحالي، فغابت تعبيرات من قبيل "دولة إرهاب" لوصف الكيان، بل إن الخارجية التركية لم تستدع سفير الاحتلال للخارجية لتبليغه احتجاجاً رسمياً حتى (وهي خطوة غابت عن الدول العربية التي لها علاقات معها).

ما زال الوقت متاحاً لتغيير يعيد الموقف التركي لسابق عهده الذي يليق بتركيا كدولة صديقة للفلسطينيين وإقليمية فاعلة ذات اهتمام بالقضية الفلسطينية، وبما يوازي التطورات الكبيرة التي حملتها وستحملها معركة "طوفان الأقصى"

على المستوى الشعبي، ثمة قمة موقف متقدم ومتكرر إلى جانب الشعب الفلسطيني ومقاومته، وهناك مواقف لعدة أحزاب معارضة خصوصاً تلك الإسلامية- المحافظة متقدمة على الحكومة كما هو متوقع، وقد شهدت مداولات البرلمان في جلسته الخاصة بالأوضاع في فلسطين نداءات للحكومة بقطع العلاقات ودعم الفلسطينيين وغيرها من الخطوات الغائبة عن جدول أعمال الحكومة. لكن الموقف الرسمي الذي طالما تناغم مع الشارع فيما يخص القضية الفلسطينية بدا هذه المرة بعيداً عن هذا الجو.

جزء من تغير مفردات الخطاب التركي مرده للفاتورة الباهظة التي يدفعها قطاع غزة من أرواح سكانه المدنيين بسبب غريزة الانتقام لدى حكومة الاحتلال من جهة، وإرسال واشنطن حاملتي طائرات لشرق المتوسط، وإشارات دعم و/أو تعاون يوناني في هذا الإطار، لكن تغيراً جذرياً على الموقف التركي وما يتفرع عنه من تصريحات وصياغات لم يحصل بعد. ورغم ذلك، ما زال الوقت متاحاً لتغيير يعيد الموقف التركي لسابق عهده الذي يليق بتركيا كدولة صديقة للفلسطينيين وإقليمية فاعلة ذات اهتمام بالقضية الفلسطينية، وبما يوازي التطورات الكبيرة التي حملتها وستحملها معركة "طوفان الأقصى".

ما بعد السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 ليس كما قبله فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية والصراع بين الفلسطينيين والاحتلال، وينبغي أن تعي الدول العربية والإسلامية ومنها تركيا ذلك وتتصرف على أساسه كما تفعل الدول الغربية وقبلها الكيان.

twitter.com/saidelhaj
التعليقات (1)