قضايا وآراء

نصف قرن على حرب تشرين: إسرائيل في أمان عربي

نزار السهلي
حرب أكتوبر- جيتي
حرب أكتوبر- جيتي
تحتفي مؤسستان عسكريتان في العالم العربي (مصر- سوريا) بحرب تشرين 1973 (حرب رمضان أو أكتوبر)، مناسبة تتعرض لتعظيمٍ ونفخٍ مستمر بها، وأنتجت طفرة واسعة في أدبيات العسكر وأنظمتهم المقتاتة على مناسبةٍ بالإصرار على وصفها بـ"الانتصار" على عدوٍ سوّق لجيشه بأنه لا يقهر، وقدرة العرب حينها على كسر هذه الهيبة، وتحقيق ثغرات في جبهات القتال في الجولان وسيناء.

لكن أياً تكن الإنجازات المسجلة في أدبيات السياسة المصرية والسورية عن حرب تشرين منذ نصف قرن، فهي تبقى آخر الحروب الرسمية مع إسرائيل كما دلت وقائع التاريخ العسكري والسياسي على الجبهتين المصرية والسورية، والتي انتهت باتفاقيات "سلام" مع إسرائيل في 1979، وقبلها التوقيع على اتفاق فصل القوات مع النظام السوري 1974.

كيفية استثمار حرب تشرين بدت واضحة في سياق سياسة عربية رسمية، كُتب وقيل الكثير عنها منذ اندلاعها حتى استذكار المناسبة كل تشرين. وما قيل عن الحشد الاستراتيجي للتسلح حينها وتأمين التفوق اللازم والحسابات الديناميكية ومسألة الزمان والمكان المناسبين للرد على عدوان الاحتلال، دلت نتائجها في عصرنا الحالي على حقيقة محزنة بجواب شمعون بيريز لسؤال عن مستقبل إسرائيل، أمام معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي بعد عام من الحرب في 1974:

قال بيريز: "أريد اليوم أن أطمئنكم على مستقبل إسرائيل. إسرائيل تستثمر في التكنولوجيا وفي الإنسان، فأنتم في أمان، وطالما إسرائيل محاطة بأنظمة تستثمر في السلطة وفي المال فأنتم في أمان".

مقابل هذا الطرح والفهم الإسرائيلي لأوضاع عربية رسمية، اتخذت من عوامل تحقيق الأمان والطمأنينة للمشروع الصهيوني، تم انتهاج سياسات لا علاقة لها بإفشال هذا المشروع، أو محاربته باستثمارات مشابهة في مجتمعات ومؤسسات عربية. على العكس، ساهمت حالة الاسترخاء العسكري العربي أمام جولات العدوان منذ نصف قرن وإلى اليوم في تثبيتها كقاعدة للحكم والسيطرة على أي حالة معاكسة تنتهك "المعاهدة مع إسرائيل" أو تخرق اتفاق فصل القوات، إلى أن تغير الحال العربي وتطور من القضية الفلسطينية، بدعم وترسيخ مفهوم السلام والتطبيع مع إسرائيل مقابل لا شيء، والانتقال من حالة العداء للمشروع الصهيوني المستمر والمتسع بأضعاف مضاعفة عما كان عليه الحال قبل نصف قرن إلى حالة التعايش معه، لتثبيت أنظمة الاستبداد العربي.

تركة حرب تشرين في الذاكرة والوجدان العربي ثقيلة، إذ لم تُبق القضايا العربية الأخرى على قيد الحياة، ومُررت المناسبة من جيل إلى جيل في الجانبين السوري والمصري، كأداة من أدوات الاستثمار المنظم في استبداد النظامين السوري والمصري، من خلال الاكتفاء بتمجيد صورة حافظ الأسد في سوريا كـ"بطل الحرب" لتزوير استيلائه على السلطة، وصورة السادات في مصر كـ"بطل للعبور" كتوطئة للتطبيع مع إسرائيل.

حجم انتصار حرب تشرين وكلفته بعد نصف قرن من الحسابات العسكرية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية في الأنظمة التي خاضت هذه الحرب، قاس ومؤلم في نتائجه وفي مردوده على القضية الفلسطينية نفسها، فهذه الجيوش ومؤسساتها العسكرية لم تعد قائمة لخوض حرب استرجاع ما احتله العدو من أرضٍ والدفاع عنها، ولا للمساهمة في معركة تحرير فلسطين، لأنه بدون العناصر الأساسية لاستكمال عملية تحرير الأرض المحتلة في الجولان وفلسطين استمر وتطور الاحتلال ومشروعه إلى الشكل الحالي. ومن تلك العناصر التنمية البشرية والاقتصادية، والأشكال الدستورية والديمقراطية والحرية والمواطنة لبناء الأنظمة والمجتمعات، ليكون لديها القدرة على خوض الحروب أو التفاوض لاسترجاع حقوقها في المجتمع الدولي. وبالتدقيق والبحث عن وقائع ومجريات الحرب وتركتها، لا نجد إلا إنجازاً واحداً هو القدرة على خوض المواجهة مع العدو، إن توفرت الإرادة الحقيقية التي سرعان ما أُجهضت لصالح استمرار أنظمة الحكم التي نجحت في تغيير عقيدة الجيش وولائه للنظام لبقائه وحمايته.

أخيراً، مع حجم ما تسطره جيوش عربية اليوم من "انتصارات" على "الإرهاب" المستبدل ببوصلة تحرير فلسطين ودعم شعبها في مواجهة عدوٍ موغل بالاستيطان والتهويد والقتل المستمر، وخوضها معارك ضد شعوبها بقتلهم وتهجيرهم وتدمير حواضرهم، وتشن حربا على الحريات العامة والفردية، وترتكب مذابح وفظاعات ضد مدن وقرى عربية ضحاياها ملايين العرب.. مع كل هذا يعيدنا الانتصار لمنبع استناد إسرائيل ومشروعها الاستعماري على الطمأنينة الآتية من استثمارات عربية في القمع والظلم والفساد والاستئثار بالسلطة.

والسؤال المطروح: ما الذي بقي من ذكرى حرب تشرين بعد نصف قرن؟ الإجابة ثقيلة في وقائعها على الأرض المحتلة، وفي جعبة العسكر الممسكين بتركة "الانتصار" الأخير الذي أسس لمجموعة هزائم يعايشها العربي في رؤية جيشه ودباباته ومدفعيته وقوى أمنه، وهي تشير إليه كعدو مجهض لانتصار العسكر وتوجه ذخائرها نحوه. والعدو مسترخٍ لمن أكمل مهامه منذ نصف قرن، ومنحه هدوءا وأمنا، وعقد معه سلسلة من المعاهدات، وتحالف مع مؤسسات أمنية وعسكرية واقتصادية عربية تقول للحلم الصهيوني أنت بأمانٍ من عربي يتطلع لتحررهُ منك ومنا.

twitter.com/nizar_sahli
التعليقات (0)