تقارير

بالرغم من اندثار معظم عيونها.. البيرة مصيف فلسطين التاريخي

اشتق اسم البيرة بحسب المؤرخين من الأصل الكنعاني (بيئرون) ويعني (الآبار) نسبة إلى العيون الكثيرة بالمدينة
اشتق اسم البيرة بحسب المؤرخين من الأصل الكنعاني (بيئرون) ويعني (الآبار) نسبة إلى العيون الكثيرة بالمدينة

تُعتبر مدينة البيرة التي تقع وسط الضفة الغربية المحتلة واحدة من أقدم المدن الفلسطينية، وهي تحظى بموقع استراتيجي هام على تقاطع الطرق التجارية الرئيسية كونها تقع على الشريان الرئيسي الذي يربط شمال فلسطين بجنوبه، وفيها "خان البيرة" من أشهر المواقع الأثرية في فلسطين.

واشتق اسم البيرة بحسب المؤرخين من الأصل الكنعاني (بيئرون) ويعني (الآبار) نسبة إلى العيون الكثيرة المنتشرة في المدينة وأهمها عين البيرة.

وتقع مدينة البيرة في سلسلة جبال فلسطين الوسطى وتبعد 16 كلم عن مدينة القدس المحتلة باتجاه الشمال، وتتمتع بمناخ معتدل جعلها مركزاً لجذب المصطافين.

وقال الدكتور عوني شوامرة، مدير دائرة الإصدارات والنشر في وزارة السياحة والآثار الفلسطينية: "تقع مدينة البيرة على بعد 16 كم شمالي مدينة القدس وعلى الطريق الرئيس الذي يربط القدس بمدينة نابلس، وهي تقع بدورها على منحدر يرتفع 860م فوق سطح البحر، وهي ضمن نطاق البحر الأبيض المتوسط مناخيا، حيث تمتاز بمناخ معتدل صيفاً وشتاءً، وقد ساهم هذا المناخ في التنوع النباتي فيها".

 

    عوني شوامرة، مدير دائرة الإصدارات والنشر في وزارة السياحة والآثار الفلسطينية

وأضاف شوامرة لـ"عربي21": "تنتشر في البيرة ومحيطها أشجار الزيتون وكروم العنب، ما أكسبها المناظر الطبيعية الخلابة وجعل منها أهم مدن الاصطياف الفلسطيني، حيث تضم البيرة والمناطق المحيطة بها الكثير من الينابيع والآبار، استخدم بعضها كمصدر لمياه الشرب وبعضها لري المزروعات فيما كانت تقوم على بعض منها صناعة طحن الحبوب من خلال طواحين الماء مثل عيون الجنان".

وأوضح أن مدينة البيرة تمتد من قلنديا جنوباً وحتى مخيم الجلزون شمالاً، مشيرا إلى أن هذا الامتداد ضم الكثير من المواقع الأثرية والتراثية، التي ترتبط بشكل مباشر مع موقع البيرة.
  
وقال شوامرة: "خلال الفترة الصليبية أقام الصليبيون قرية على المكان الذي تقوم عليه البلدة القديمة من البيرة حاليا، وكان موقع شارع المغتربين اليوم بمثابة الشارع الرئيس الذي يتوسط القرية الصليبية، على جانبيه أقيمت الأبنية، الدينية مثل الكنيسة، والدنيوية، وتتمثل بالبناية المركزية (مبنى الخان الحالي)، التي كان يطلق عليها كوريا (Curia) حيث كانت أشبه بمجلس مشرع للقوانين، كما هو الحال في مجال القرى والبلدات والمدن الأوروبية، وإذا دعت الضرورة لمسألة محددة فإنهم كانوا يفرزون قاضيا أو حاكما (Jury) كما هو الحال في هيئة المحلفين في أوروبا، وكان يسمى العضو فيها باسم (Jurati)".

وأشار إلى أنه في عام 1151م كان قاضي البيرة يدعى (Arnulfus Jurati)، وكان على رأس المحكمة التي كانت تعقد مع ممثل من كنيسة القيامة، وهو ما يطلق عليه اسم المشرف (Dispensator).

وقال مدير دائرة الإصدارات والنشر في وزارة السياحة والآثار الفلسطينية: "يأخذ مبنى الخان شكل المستطيل أبعاده (من الشرق إلى الغرب) 45 مترا (ومن الشمال إلى الجنوب) 60 مترا، معظم أجزاء المبنى مدمرة سوى بقايا البرج الذي يتوسط المبنى، وسلسلة من العقود المتقاطعة، إضافة إلى بقايا جدار في الزاوية الشرقية الجنوبية، ويتصل بالمبنى بناء آخر بعقد برميلي".

وأضاف: "الجزء المتبقي من المبنى الحالي يأخذ شكل المربع، مساحته 16×14 مترا مربعا، وتؤكد المخططات والصور التي عملت للمبنى على مراحل زمنية مختلفة أن المبنى يمتد إلى كافة الاتجاهات ماعدا الجهة الشمالية".

وأشار شوامرة إلى أن العوامل الطبيعية ساهمت من تعرية وتجوية وانجراف بجانب التوسع الديموغرافي على تدمير معظم أجزاء المبنى، فمثلا الطريق الحالي يقسم المبنى إلى قسمين.

وقال: "كان يستخدم الخان جزءا من المبنى للسكن ولا سيما الجهة الغربية منه في حين أن الجزء المتبقي منه تم ترميمه وتأهيله كمتحف لمدينة البيرة، حيث يضم العديد من خزائن العرض التي تضم اللقى الأثرية التي تم اكتشفها في المواقع الأثرية المنتشرة في مدينة البيرة".

وأضاف: "تم تخصيص ركن للمحاضرات في الخان وصالة مخصصة للتدريب والأنشطة المختلفة".

من جهته قال الدكتور جهاد ياسين، مدير عام التنقيبات والمتاحف في وزارة السياحة والآثار الفلسطينية: "إن اسم البيرة يطلق على كثير من المواقع في جنوب فلسطين وشمالها، إضافة إلى مواقع خارج فلسطين".

 

      جهاد ياسين، مدير عام التنقيبات والمتاحف في وزارة السياحة والآثار الفلسطينية

وأضاف ياسين لـ "عربي 21": "إن الموسوعة الإسلامية ذكرت أن اسم البيرة بشكل المواقع والأماكن التي كان ينطق فيها بالآرامية، وبالتالي فإن البيرة هي ترجمة للفظ الآرامي"بيرتا" أي القلعة أو الحصن".

وأوضح أنه في الفترة الصليبية احتفظت البيرة باسمها القديم بيرا "Birra" وفي بعض المصادر ذكرت "Byrra" وبعد أن أنشأ الصليبيون مستوطنة لهم على أرض البيرة عرفت في بداية إنشائها باسم المحمرة (مهموريا) (Mohomerie أو Mahumeria) وبعد اتساعها وازدهارها أطلق عليها اسم المحمرة الكبرى (Magna Mahumeria أو La Grande Mohomerie أو Castrum Mahomeriae)، ومعنى كلمة المحمرة منطقة التعبد أو المنبر الأكبر، ويقال بمعنى اسم المكان الذي كان يقيم فيه المسلمون، وربما بمعنى المسجد.

وأشار إلى أن المؤرخ أبو شامة ذكر مدينة البيرة في الفترة الأيوبية باسم البيرة بنفس اسمها الحالي، وفي الفترة العثمانية ذكرت باسم بيرة الكبرى، وهي جزء من ناحية تتبع لواء القدس..

وأوضح أن "ياقوت الحموي" ذكر مدينة البيرة بالقول: "البيرة بين بيت المقدس ونابلس وخربها الملك الناصر حين استنقذها من الإفرنج".

وأكد ياسين أنه في عام 1967 ذكرها هنري موندريل باسم بير، علماً بأن الغالبية الساحقة من الرحالة كانوا يذكرونها باسم بيرة".

وقال: "يعد الرحالة الأمريكي إدوارد روبنسون أول من ربط ما بين اسم البيرة وما ذكر في العهد القديم من اسم بئروت، ويعتقد أن بير أو بئروت هي نفسها البيرة، حيث تتوافق الأسماء بشكل كامل، علاوة على ذلك أن المؤرخ يوسيبوس قيسارية، وهو مؤرخ روماني عاش في نهاية الفترة الرومانية وبداية الفترة البيزنطية، قد ذكر أن المسافرين ما بين القدس وعمواس يمكنهم رؤية بئروت عند حجر الأميال الروماني السابع".

وأضاف: "إن روبنسون يرى أن البيرة طريق قوافل الجمال التي تربط ما بين الرملة والقدس، حيث تمر من قرية الجيب، وبالتالي يمكن رؤية البيرة من المناطق القريبة من الجيب بعد مغادرة القدس والمسير ساعة من الزمن باتجاه الرملة، ويذكر أيضاً أن اسم بئروت لم يذكر نهائياً منذ زمن جيروم".

وأوضح مدير عام التنقيبات والمتاحف في وزارة السياحة والآثار الفلسطينية أن خان البيرة تحّول الآن إلى متحف ومركز وملتقى ثقافي حيث تنفذت في أروقته العديد من الأنشطة المختلفة كعرض للزي التراثي الفلسطيني، وعلاوة على عقد العديد من المحاضرات والدورات المختصة في مجال التراث الثقافي، إلى جانب تنفيذ الكثير من الدورات التدريبة لإعداد وتصنيع اللوحات الفسيفسائية، والورش المتعددة في الرسم وغيرها، ليصبح المتنفس الثقافي والحضاري للسكان المحيطين بالمبنى بشكل خاص ولكافة سكان مدينة البيرة بشكل عام.
 
وأكدت الباحثة في التاريخ والآثار إسلام حبوش أن مساحة مدينة البيرة تبلغ حوالي 175 دونماً، وتشتمل على آثار تعود إلى الأحقاب التاريخية التالية: العصر الإفرنجي والعصر الأيوبي والعصر العثماني. وقد حملت أسماء مختلفة مثل: خربة رام الله، حي صلاة حنه.


وقالت حبوش لـ "عربي21": "يعود تاريخ مدينة البيرة الكنعانية إلى القرن الخامس والثلاثين قبل الميلاد (حوالي سنة 3500 ق.م) ومنذ ذلك الحين، وعلى مدى أكثر من خمسة آلاف سنة؛ بقيت البيرة مأهولة بالسكان".

وأضافت: "ورد ذكر البيرة في العهد القديم أكثر من مرة باسم بيئروت، وذلك في قصة كل من النبي هارون والبني موسى عليهما السلام، وقصة احتلال بني إسرائيل لفلسطين زمن يوشع بن نون، ولكن المدينة لم تعتبر مقدسة لدى اليهود؛ لذلك فهي لم تنضم إلى الممالك اليهودية التي نشأت في فلسطين".

وتابعت: "عُرفت البيرة في العهد الروماني باسم بيرية، وأصبحت مدينة مهمة في هذه الفترة وخاصة في بداية العهد المسيحي".

 



وأوضحت الباحثة في التاريخ والآثار أنه بعد الفتح الإسلامي لعبت البيرة دوراً مميزاً على مسرح الأحداث في فلسطين، مشيرة إلى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قد حل بها في طريقه من المدينة المنورة إلى القدس لاستلام مفاتيح القدس من البيزنطيين.
 
وقالت: "أقيم سنة 1195م ـ في المكان الذي يقال إن عمر صلى فيه ـ مسجد يعرف بالمسجد العمري، وهو مازال قائماً ومستخدماً حتى اليوم، وهو ملاصق للكنيسة البيزنطية، وقد أعيد تجديده عام 1995م".

وأضافت: "في الفترة الصليبية كانت البيرة قرية مهمة لقربها من القدس خاصة بعد استيلاء الصليبين على القدس سنة 1099م، حيث أصبحت مركزاً للمقاومة الإسلامية ضد الصليبيين، وبعد احتلال الصليبيين لها أوقفها الصليبيون هي و 21 قرية فلسطينية أخرى من منطقة القدس- على كنيسة القيامة، وكانت المدينة وكنيستها البيزنطية التي تم تجديدها وتنظيفها في الفترة الأخيرة مركزاً لفرسان القديس يوحنا القادمين من إنجلترا".

وأكدت حبوش أنه عندما حرر صلاح الدين الأيوبي فلسطين فإنه استولى على البيرة ودمر المستوطنة الصليبية فيها سنة 1187م، مشيرة إلى أن عدد الصليبيين الذين استسلموا له في البيرة بلغ 50,000 أسير، وهكذا تعربت المدينة من جديد.

وشددت على أن البيرة تحولت في العهد العثماني (1517- 1918م)، إلى مركز سياسي وإداري مهم ومركز قضاء، سكنها المتصرف العثماني، وكان فيها طابور عسكري، عرف بطابور البيرة وتشكل من أبنائها، وكان له دور في الدفاع عن عكا أثناء حملة الصليبيين في أواخر القرن الـ18م.

وأشارت إلى أنه في عهد الانتداب البريطاني؛ ألحقت البيرة بقضاء رام الله، واستمر الحال كذلك خلال الفترة 1919- 1994م.

وأوضحت أن البلدة القديمة تضم العديد من المواقع الأثرية ومنها: البرج الإفرنجي، المعصرة أو البد، مقام إبراهيم الخليل، المحكمة العثمانية، محط المدافع، خربة الطيرة (كفر غملا)، خلة العدس، الكفرية، القرينعة أو الكرينعة، خربة السويكة، خان اللبن، وتل سيلون.

وقالت الباحثة في التاريخ والآثار: "إن مدينة البيرة والمناطق المحيطة بها ضمت الكثير من الينابيع والآبار، استخدم بعضها مصدراً لمياه الشرب".

وأضافت: "هذه الآبار مثل عين الجامع وهي أم العيون في البيرة، بعض العيون استخدمت في ري المزروعات، وبعضها الآخر كانت تقوم عليه صناعة طحن الحبوب من خلال طواحين الماء، مثل عيون الجنان وهي أربع عيون بالقرب من الشيخ نجم جنوب البيرة، وكانت تتدفق منها المياه طوال العام، وقد أنشئت على مجاري الوادي طاحونة ماء".

وأشارت إلى أن "غالبية عيون البيرة اندثرت ولم يبق منها إلا القليل، ومن أهم تلك العيون: عين الجامع، عين أم الشرايط، عين الشيخ يوسف، عيون سيدي شيبان، عين الجنان، عين شيبان أو (عين الملك أو عين زليخة)، عين دار عامر، عين عيسى، عين وادي المصايات، عين الطاقة، عين الوحيدي، عين عصفور، عين القاضي، عين رأس حسين، عين الشيخ إبراهيم، عين الظهرات وعين العقبة وعين الجاجة، عين مصباح، عين الكرزم، عين شعب أبو داود".

وأكدت أن تدفق الماء في عين القصعة يصف النظام المائي المرتبط معها إلى جانب وجود تجويف مقطوع في الصخر، لجمع المياه وهي ترتبط مع كهف على شكل غرفة مقطوعة من الصخر قائمة على عمودين مقطوعين أيضاً في الصخر، وكذلك "عين النصبة" وتعرف بعين أبو اسكندر، وتقع على يمين الشارع بعد المرور عن خربة عطارا باتجاه البيرة.

 

 

 


التعليقات (0)
الأكثر قراءة اليوم