أفكَار

في عوامل الضعف الذي أصاب حياة المسلمين الدعوية والسياسية (3)

عبد الله جاب الله: الفلسفة الغربية فلسفة علمانية مادية صرفة تقوم على تشجيع الغرائز في الإنسان
عبد الله جاب الله: الفلسفة الغربية فلسفة علمانية مادية صرفة تقوم على تشجيع الغرائز في الإنسان

يواصل الداعية والسياسي الجزائري عبد الله جاب الله، في هذه السلسلة من المقالات الفكرية، التي كتبها للنشر المتزامن بين "عربي21" وصفحته الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، رصد ما يسميه بعوامل الضعف الذي أصاب حياة المسلمين الدعوية والسياسية.. وهي آراء تمزج بين الوصف والمراجعة، بالنظر إلى التجربة التي خاضها الشيخ عبد الله جاب الله كداعية وكناشط سياسي في الجزائر.

ضعف الإيمان بالقضاء والقدر لدى الإسلاميين وبين صفوف الأمة وفي دواليب الحكم من المعوقات

إذا لم يصح إيمانهم بالقدر أيقنوا أنّ الواجب على المكلف هو أن يكون قصده في استعمال حقه موافقا لقصد الله تعالى في تشريع ذلك الحق وإلا ّكان مناقضا لقصد الشارع، ومناقضة الشرع باطلة، وما أدى إليه يكون باطلا، فالمقصود غير الشرعي هادم للمقصد الشرعي، ومفوت للمصالح التي شرعت من أجلها الحقوق.

ومن هنا نشأت نظرية الباعث الذي يحرك الإرادة على التصرف لتحقيق الأغراض، وبحسب طبيعة تلك الأغراض يكون الحكم على الفعل إما بالوجوب أو الندب أو الإباحة أو الحرمة أو الكراهة..

ولأيقنوا ثانيا أنه من الواجب على المكلف النظر إلى مآلات الأفعال في الاجتهاد التشريعي؛ أي النظر إلى نتيجة العمل بالحكم وثمرته، فإذا كان الحكم المراد وضعه يخدم المقاصد والغايات ويحقق المصالح أو يدرء المفاسد التي جاءت الشريعة لتحقيقها أو درئها شرع الحكم وإلاّ لا يشرع .

وهذه المسائل من المسائل التي يشكل أمرها على كثير من الناس، لذا وقعت طوائف من المسلمين منذ القديم في سوء فهم القضاء والقدر، فزلت أقدامهم، ومن هؤلاء المعتزلة؛ الذين ذهبوا إلى أن الإنسان يخلق أفعال نفسه، ولا علاقة للقضاء فيها، فخالفوا الشرع، وخالفوا منطق العقل الذي قدسوه!

ومنهم أيضا الجبرية؛ الذين ذهبوا إلى أن الإنسان لا كسب له مطلقا، وهو كالريشة في الهواء، تصرف المقادير أعماله على ما تشاء دون أن يكون لإرادته أية حرية في اكتساب عمله، فخالفوا بذلك الشرع ومنطق العقل..!

وشبيه بالمعتزلة اليوم دعاة العلمانية؛ الذين بلغ تقديسهم للعقل حدا غير مسبوق حين جعلوه محكما في الشرع ومعطلا له، فضلوا وأضلوا..وجعلوا الأسباب مسؤولة على تحديد النتائج منكرين بذلك مشيئة الله تعالى وقدرته، وغير عابئين بما شرع الله تعالى من مقاصد وغايات للخلق في هذه الحياة!

وشبيه بالجبرية دعاة كثير من الطرق الصوفية وكثير من جهلة المسلمين الذين يبررون كل ما هو واقع بالأمة على أنّه جبرية يجب الاستسلام لها والرضا بها، لأن ذلك كما يتوهمون قضاء وقدر محتوم، وبذلك فتحوا الباب لشيوع أنواع الاستبداد والفساد، وظهرت سلبية قاتلة، واستسلام للواقع الفاسد مدمر، شجع المفسدين على الذهاب بعيدا في فسادهم وظلمهم، كما شجع شيوع الفكر العلماني المقدس للعقل على تعطيل العمل بالشريعة، وانتشار أنواع من الانحراف والفساد والفتن لم يكن معروفا في عهد حكم الإسلام وعزة المسلمين..

 

إن المسلم مدعو لتوفير ما استطاع من أسباب مع مراعاة ضوابط الشرع طاعة لله تعالى مع تفويض الأمر لله تعالى في النتائج، فإن كانت حلوة شكر الله تعالى، وإن كانت مرة صبر واستمر في أداء الواجب مع الإجتهاد في إتقان العمل وتوفير ما استطاع من الأسباب.

 



وشبيه بهؤلاء أولئك الذين لا يفرقون بين ما يجب على المسلم اعتقاده في موضوع النتائج، وما يجب عليهم نحو الأسباب التي يتعين عليهم توفيرها! فكثير من المسلمين اليوم لا يفرقون بين سنن الله تعالى القدرية والواجبات التكليفية ، فإذا كانت النتائج ـ مثلا ـ سلبية كأن لم يوفقوا في تحقيق أهداف سعوا إلى تحقيقها توقفوا عن العمل مبررين ذلك بأنه لا أمل في النجاح ! ناسين أو متناسين كون النتائج مرتبطة بالمستقبل، والمستقبل غيب وهو من قدر الله تعالى وقضائه، والله تعالى لم يكلف عباده بذلك، وإنما أمرهم أن يؤمنوا به وأن يرضوا بنتائجه، فإذا كانت حلوة موافقة لما تمنوه رضوا وشكروا، وإن كانت مرة على خلاف ما تمنوه وعملوا له رضوا وصبروا.

وقد أمر الله تعالى عباده بأحكام الشرع التكليفية ومنها توفير الأسباب، فأمرهم بتوفير ما استطاعوا منها وضبطها بضابط الشرع وأحكامه، فإن فعلوا يكونوا قد أتوا طاعة من الطاعات برئت بها ذمتهم وفازوا بالأجر والثواب، وإن تركوا توفيرها ولم يأخذوا بها وقعوا في معصية الله تعالى ولم تبرء ذمتهم، وإن علقوا النتائج عليها أي على الأسباب وقعوا في الشرك والعياذ بالله .

إن المسلم مدعو لتوفير ما استطاع من أسباب مع مراعاة ضوابط الشرع طاعة لله تعالى مع تفويض الأمر لله تعالى في النتائج، فإن كانت حلوة شكر الله تعالى، وإن كانت مرة صبر واستمر في أداء الواجب مع الإجتهاد في إتقان العمل وتوفير ما استطاع من الأسباب.

وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسلم وغيره عن صهيب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عجباً لأمر المؤمن! إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلاّ للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له! وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له".

حب الدنيا وكراهية الموت  

من المعوقات أيضا حب الدنيا وكراهية الموت، جاء في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصف سبب ما يؤول إليه أمر الأمة في مرحلة من مراحل تاريخها الطويل قوله عليه الصلاة والسلام: "يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها"، فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: "بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن"، فقال قائل: يا رسول الله، وما الوهن؟ قال: "حب الدنيا، وكراهية الموت".

وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمة الإسلام اليوم كقصعة مملوءة أكلاً يتكالب عليها الجياع، فالعالم الإسلامي اليوم خاضع للغرب بقطبيه؛ أمريكا وروسيا ـ ومتبع لسياستهما وخاضع لقراراتهما وقوانينهما، وفلسفتهما المادية في الحياة، فلا غرابة أن أنتج ذلك أجيالا غلب عليها حب الدنيا وكراهية الموت، فزاد ذلك في تبعية الأمة للغرب.

 

استطاع الغرب ـ عبر سيطرته على موازين القوة من سلاح ومال وإعلام ومراكز القرار في العالم، وعبر طابور العلمانيين الذين سلم لهم الحكم في بلاد المسلمين، بعد حركات التحرر التي عرفها القرن الماضي من الاستعمار الاستيطاني ـ أن يرسخ في أذهان أجيال المسلمين مفاهيم معلولة للدين والحياة،

 



إنّ الفلسفة الغربية فلسفة علمانية مادية صرفة تقوم على تشجيع الغرائز في الإنسان، فشعارها؛ "دعه يعمل ما يشاء دعه يمر من حيث يشاء"، وهذا شعار مبني على أن حياة الإنسان فوق هذه الأرض هي الفرصة الوحيدة أمامه، ويجب أن يستغلها في التمتع بملذاتها ما استطاع، وأن ما يبذله من جهد في العمل والتنمية إنما هو من أجل منفعته وتيسير الحياة أمامه حتّى يأخذ منها أقصى ما يستطيع، ثم تتهجم على الإسلام وتتهمه بما ليس فيه، فتصوره ظلما على أنه يحارب الغرائز البشرية، ويتجاهل سلطانها على الإنسان، ويعمل على استئصال الشهوات!!..

وقد استطاع الغرب ـ عبر سيطرته على موازين القوة من سلاح ومال وإعلام ومراكز القرار في العالم، وعبر طابور العلمانيين الذين سلم لهم الحكم في بلاد المسلمين، بعد حركات التحرر التي عرفها القرن الماضي من الاستعمار الاستيطاني ـ أن يرسخ في أذهان أجيال المسلمين مفاهيم معلولة للدين والحياة، وأن يوجد منهم أجيالا لا هي صالحة لخدمة الدنيا ولا لخدمة الآخرة، وتقول في الدين والدنيا بقول الغرب، ولا تعمل عمله للدنيا، فضيعت دينها ولم تكسب دنياها، وأضحت عالة على الغرب في سلاحها ومأكلها ومشربها وملبسها ومركبها وفي أثاث بيوتها، ولذلك ضاع سلطانها على ثرواتها وعلى سياسات بلادها وبرامج تكوين أجيالها وأعلامها..

 

إقرأ أيضا: في عوامل الضعف الذي أصاب حياة المسلمين الدعوية والسياسية

 

إقرأ أيضا: في عوامل الضعف الذي أصاب حياة المسلمين الدعوية والسياسية (2)




التعليقات (1)
العلم و الإيمان
الأربعاء، 20-07-2022 05:57 م
هذه كلمة للراحل الدكتور مصطفى محمود، إنما الغرابة أن تكون حماراً في عالم ذكي متعلم متقدم .. وفي القرن العشرين الذي صعد الإنسان فيه إلى الكواكب ومشي على القمر .. أن تكون حماراً في هذا الزمان وأن تكون سائبة تُرعَى .. وأن تسلم ذقنك وقفاك لكل قارع .. هذا هو الأمر الغريب . ولكن يا سادة هذا هو ما يحدث بالضبط .. ولابد لنا أن نعترف بالحقيقة مهما كانت مخجلة .. فنحن في غاية التخلف والذين يستغلوننا غير ملومين .. فأموالنا وثرواتنا تركة سائبة .. والأعداء في داخلنا أكثر قسوة علينا من المتربصين بنا في خارجنا .
الأكثر قراءة اليوم