كتاب عربي 21

زيارة بايدن إلى السعودية.. العامل الإسرائيلي

علي باكير
1300x600
1300x600

أعلن البيت الأبيض نهاية الشهر الماضي، أنّ الرئيس الأمريكي جو بايدن سيزور إسرائيل، والضفة الغربية، والسعودية في شهر تموز/يوليو الحالي. أثار الإعلان زوبعة من النقاشات داخل الولايات المتّحدة الأمريكية وموجة من ردود الأفعال المستنكرة لهذه الزيارة والمنتقدة لها، سيما وأنّها تعبّر عن استدارة غير مسبوقة في أولويات السياسة الخارجية والموقف من السعودية تحديدا، وذلك منذ تولي بايدن الحكم في بداية عام 2021، وحتى اليوم. 

بايدن كان قد تعهّد سابقا بوقف بيع السلاح إلى السعودية، وجعلها دولة منبوذة، وعدم اللقاء مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان أو التواصل معه. 

لكن سرعان ما انهارت هذه الخطوط الحمراء المفترضة الواحدة تلو الأخرى، إذ وافق بايدن في نهاية عام 2021 على صفقة أسلحة للسعودية بقيمة حوالي 650 مليون دولار. ومع اندلاع الحرب الروسية ضد أوكرانيا، بدأت أسعار النفط والغاز بالارتفاع بشكل سريع في الولايات المتّحدة ممّا تسبب بأزمة داخلية لبايدن، ترافق ذلك مع حاجة متزايدة لدى الدول الأوروبية للتحفيف، مع الاعتماد الخطير على الغاز والنفط الروسي، وهو ما يتطلب البحث عن بدائل وحث الدول الخليجية على ضخ المزيد من النفط في السوق لتخفيف الأسعار.

وعليه، فانّ النفط سيحتل مرتبة متقدّمة على جدول أولويات الرئيس بايدن خلال وجوده في السعودية. لكن العنصر الذي لا يقل أهمّية عن ذلك هو إسرائيل. وتهدف هذه الزيارة فيما تهدف إلى استكمال إدماج إسرائيل في المنطقة العربية، من خلال توسيع إطار جهود التطبيع التي كانت قد انطلقت بشكل سريع في عهد ترامب بين إسرائيل وعدد من الدول العربية والخليجية على وجه التحديد. وسيتم تحقيق ذلك من خلال البوابة الأمنيّة والنقاش المتواصل حول ضرورة دمج تل أبيب في الترتيبات الأمنيّة في المنطقة لمواجهة الخطر الإيراني. 

وفي هذا السياق بالتحديد، من المتوقع أن تؤدي إدارة بايدن دورا أساسيا في الدفع قُدما باتجاه التطبيع بين إسرائيل والسعودية. ليس خافيا على أحد أنّ السعودية في عهد محمد بن سلمان اتّخذت خطوات كبيرة باتجاه التطبيع مع إسرائيل في ضوء التحضير للانتقال السياسي الداخلي، ومحاولة كسب النفوذ داخل واشنطن، وإن كانت تحبّذ العمل في هذا الاتجاه بعيدا عن الأضواء، وقد تمثّل ذلك في فتح المجال الجوي السعودي أمام الطائرات الإسرائيلية، والتطبيع البحريني مع تل أبيب، والزيارات السرية للمسؤولين من بينها زيارة لنتنياهو إلى المملكة.

السؤال الذي يطرح نفسه هنا: ماذا سيستفيد بايدن؟ من الناحية السياسية، يأمل بايدن من خلال توسيع جهود التطبيع في أن يحصل على دعم اللوبي الصهيوني في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، وأنّ يؤدي تحقيق تقدّم في تشكيل محور متماسك في وجه إيران إلى الضغط على طهران، بشكل يؤدي إلى تليين موقفها في المفاوضات النووية التي وصلت إلى طريق مسدود حتى هذه اللحظة، وتنذر بتصعيد قادم ما لم يتم الاتفاق على صيغة مقبولة من الطرفين.

من الناحية الاقتصادية، يأمل بايدن في أن تؤدي الزيارة إلى ضخ كل من السعودية والإمارات بالتحديد المزيد من النفط في الأسواق، بشكل يؤدي إلى انخفاض الأسعار وهو الأمر الذي سيكون له تأثير إيجابي على وضع بايدن داخل الولايات المتّحدة، وكذلك وضعها في الحرب الروسية ضد أوكرانيا. أمّا من الناحية الأمنيّة، فتأمل إدارة بايدن أن يؤدي انخراط إسرائيل في الترتيبات الأمنية الإقليمية مع الدول العربية، في التخفيف من الأعباء المالية والعسكرية التي تتحملها الولايات المتّحدة في الشرق الأوسط، والتحفيف من الاعتماد شبه الكلي عليها من الناحية العسكرية، مما يتيح لها التفرّغ بشكل أكبر لمواجهة الصعود الصيني.

أما إسرائيل، فستكون الرابح الأكبر إذا ما تحقق هذا الأمر. تطبيع إسرائيل مع المزيد من الدول العربية سيتيح لها فرصا غير محدودة على المستوى الإقليمي والدولي. الحصول على المباركة السعودية لهذا التطبيع ـ في حال حصوله بشكل علني ـ، سيتم تسويقه على أنّه قبول إسلامي، نظرا للمكانة التي تحظى بها مكة المكرمة في العالم الإسلامي، وسيكسر هذا الحاجز ليس مع الدول العربية المتبقية فحسب، وإنما مع الدول الإسلامية لاسيما جنوب وشرق آسيا، كما أنّه سيرفع الانتقادات الدولية وسيحرم الفلسطينيين من أي ورقة مساومة مستقبلية.

 

من الناحية السياسية، يأمل بايدن من خلال توسيع جهود التطبيع في أن يحصل على دعم اللوبي الصهيوني في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، وأنّ يؤدي تحقيق تقدّم في تشكيل محور متماسك في وجه إيران إلى الضغط على طهران، بشكل يؤدي إلى تليين موقفها في المفاوضات النووية التي وصلت إلى طريق مسدود حتى هذه اللحظة، وتنذر بتصعيد قادم ما لم يتم الاتفاق على صيغة مقبولة من الطرفين.

 



أمّا إدماج إسرائيل في الترتيبات الأمنيّة في المنطقة، فسيمكّنها عمليا ليس من قيادة الأنظمة العربية فحسب، وإنما اختراقها بشكل كامل وتوظيفها لمصلحتها. إسرائيل لن تقوم في نهاية المطاف بالدفاع عمليا عن الدول العربية في حال تعرضها لهجوم من إيران، لكن إيهام الدول العربية باستعدادها الانخراط في تحالف ـ غير متكافئ ـ، سيشجع هذه الدول العربية على شراء المزيد من الأسلحة الإسرائيلية، وسيتح لإسرائيل التغلغل في هذه الدول بشكل عميق وعلني مقابل الحصول على نفوذ أكبر داخل أمريكا. 

ولعل تصريح وزير الدفاع الإسرائيلي الأخير، بيني غانتس، الذي كشف فيه عن أنّ تل أبيب أجرت 150 اجتماعا أمنيا مع الدول التي تمّ التطبيع معها منذ توقيع اتفاقيات التطبيع، وأنّ إسرائيل نجحت في بيع كل من الإمارات والبحرين والمغرب والسودان أسلحة إسرائيلية، تبلغ قيمتها حوالي مليار دولار خلال الفترة الماضية، هو أحد المؤشرات على هذا الاتجاه. 

هل ستؤدي زيارة بايدن إلى تحقيق الأهداف التي تتطلع كل من واشنطن وتل أبيب والرياض إلى تحقيقها؟ ربما، لكن الأكيد أنّنا سنحتاج مراقبة التفاعلات التي تلي الزيارة نفهسا، فقد يفضّل بعض الأطراف استغلال بايدن، لكنّهم يتطلعون في الوقت نفسه إلى ترامب أو شبيه ترامب ربما لاحقا.


التعليقات (0)