قضايا وآراء

السيسي والتعليم في وطن ضائع

عصام تليمة
1300x600
1300x600

تحدث السيسي منذ يومين عن التعليم في مصر، وبصفة خاصة عن كلية الآداب في مصر، وعن خريجيها من قسمي الجغرافيا والتاريخ تحديدا، ثم عن حاجة سوق العمل لمثل هذه التخصصات، ملمحا إلى أنها تخصصات لا يحتاجها سوق العمل، وهي رؤية كعادتها تعكس نظرة الحكم العسكري للتعليم والمجتمع، والعلم بوجه عام.

فليست القيمة فيما يختاره الإنسان من تخصص، لعلة احتياج سوق العمل له فقط، أو لإشباع رغبات الإنسان العلمية، وإلا فما الحاجة لقسم الفلسفة وعلم النفس، وعلم الاجتماع، بنفس المنطق والمعيار، وما الحاجة للشعر والأدب والنثر، وفن الرسم، أو ما يطلق عليه: الفنون الجميلة؟!

للأسف لا يقدر الحكم العسكري إلا ما له علاقة بالحياة العسكرية، سواء من حيث المعاملة كمواطن، أو من حيث المعاملة كعلم، وقد كان منذ شهور يتفقد السيسي مكانا، فسأل: أين المدني الموجود هنا؟ وهي كلمة بالسؤال عنها عند أهلها، تدل على اللوم الشديد والحساب، ولو كان المسؤول عسكريا، فستكون اللهجة ألطف وأرق.

قبل أن يتساءل السيسي أو أي نظام عسكري، عن جدوى التعليم في أقسام معينة، فلا بد من سؤال هو أولا: كم أنفق واهتم بتطوير هذا التعليم؟ لقد كانت مصر في مكانة متقدمة تعليميا وعلميا من قبل، ولكنها الآن في مرحلة متدنية جدا، والسبب في ذلك: هو قتل روح التطوير العلمي، وقتل مناخ الحرية العلمية والثقافية وغيرها في مصر.

 

ما يتم الآن في الحكم العسكري، هو تحويل كل المؤسسات التعليمية والإعلامية والقضائية وغيرها، إلى أدوات تخدم هذا الحكم، وتثبت أركانه، وتنمي ثرواته، ولو مات هذا الشعب جوعا وجهلا،

 



الراصد لزيارات السيسي للكليات العسكرية كم مرة يزورها في السنة، سيعلم مدى الاهتمام بالتعليم العسكري، مقارنا بالتعليم المدني، يزورها في العام الواحد أكثر من مرة، وكل حفل تخرج يحضره ويكرم جل خريجيه، ويسلمهم شهادات التخرج، ولا غضاضة في ذلك لو كان الموقف واحدا مع بقية العلوم، لكنه فقط للتعليم العسكري، بينما لم يحضر مرة واحدة السيسي حفل تخرج كلية الهندسة، أو الطب، أو الاقتصاد وعلوم سياسية، فضلا عن حضوره أي حفل علمي آخر.

حتى حضور حفل ليلة القدر، وهي بالليل، فالملاحظ أن السيسي حولها لحفل نهاري، فرأينا ليلة القدر وليالي أخرى دينية، تتحول لحفل نهاري، رغم أن كل الرؤساء السابقين كانت هذه بالنسبة لهم حفلات لها مكانتها، ولها حضورها بشروطها هي لا بشروط الرئيس، إلا ما يتعلق بتأمين المكان والحفل.

لم يعد في مصر شيء يتعلق بالمدنيين من خدمات وتعليم له موضع اهتمام من الحكم في مصر، فكل ما فيها ومن فيها تحولوا لمشروع خدمي للعسكر، وهو ما نراه في تصريحات عسكر مصر، بعد ثورة يناير، ومن السيسي نفسه يوم الأربعاء أمس، حين قال: لقد أنشأنا طرقا، وكباري، وكانت تمر بمناطق خاصة بالجيش المصري، ولم ندفع لهم تعويضا عنها، وكأن أراضي الجيش المصري هي أراضي لجيش مجاور لمصر، وليست أرض مصر وشعبها، ومنه: الجيش نفسه، حتى كتب أحد الناشطين على الفيس بوك: شكرا لدولة الجيش الشقيق على تبرعه لأهل مصر بهذه الأرض!!

قبل أن يتحدث أي عسكري عما يستحقه من تكريم مالي ومعنوي في مصر، عليه أن يسأل: كم أنفقت عليه مصر في تعليمه وتكوينه، ويقارن كم أنفق على تعليم المدني؟ لا توجد أدنى مقارنة، فالمدني يتعلم على حسابه، ولم يعد هناك مجال لما يسمى بمجانية التعليم، بينما العسكري، ينفق على حياته العسكرية وتعليمه ودوراته كلها من مال الشعب، وبلا حسيب أو رقيب، لسنا ضد تنمية قدرات الجيش والشرطة، بل مع تنمية كل شرائح المجتمع المختلفة، ولا يكون هناك بخس أو تطفيف في المعاملة، كما قال أحد شيوخ الأزهر: إسراف هناك، وتقتير هنا؟!

وهو ما يحاول أن ينسّينا إياه إعلاميو السلطة، فتارة ترى عمرو أديب وغيره يخاطبون الأزهر: ماذا تفعلون بالميزانية التي تعطيها لكم الدولة؟ وينسى هؤلاء أن أوقاف الأزهر التي تملأ مصر من أقصاها إلى أقصاها، تجعل الأزهر أغنى مؤسسة في العالم، وقد سرقها وسلبها منهم العسكر بعد 1952م، وتحولت لملكية خاصة لهم، وسرق منها ما سرق، ويتكلمون بكل بجاحة عما تعطيه الدولة للأزهر، وهكذا كثير من المؤسسات المدنية يمن العسكر بما يلقيه لها من فتات، وكأنه ينفق من ماله الخاص، وليس من مال الشعب، والدولة، وهي لهجة تكلم بها عسكر بعد الثورة، حين قال أحدهم في نقاش عن ممتلكات الجيش واستثمار الجيش، فقال: هذا عرقنا، عرق الجيش، ولن نسمح لأحد بأن يتدخل فيه!! 

 

لم يعد في مصر شيء يتعلق بالمدنيين من خدمات وتعليم له موضع اهتمام من الحكم في مصر، فكل ما فيها ومن فيها تحولوا لمشروع خدمي للعسكر، وهو ما نراه في تصريحات عسكر مصر، بعد ثورة يناير،

 



ما يتم الآن في الحكم العسكري، هو تحويل كل المؤسسات التعليمية والإعلامية والقضائية وغيرها، إلى أدوات تخدم هذا الحكم، وتثبت أركانه، وتنمي ثرواته، ولو مات هذا الشعب جوعا وجهلا، وبنظرة خاطفة لأي مستشقى عسكري، أو كلية عسكرية، مقارنة بأي مستشفى مدني، أو كلية مدنية، لن يحتاج الرائي إلى أي تحليل أو معلومات ليرى الفرق بينا واضحا، ثم يأتي رأس النظام العسكري في مصر ليتحدث عن تخصصات علمية بأنها لا مكان لها في سوق العمل، وأن تدريب أي شخص يكلف الدولة كثيرا، بينما العائد منه قليل، ولم يتم السؤال نفسه عما ينفق على الطالب العسكري، وما يعود به على الشعب والوطن، بنفس المقياس والسؤال، إذا كان المردود من العلم يقاس بالمادة فقط.

لقد صدق السيسي في كلمة قالها من قبل في معرض حديثه عن التعليم، فقال: يعمل إيه التعليم في وطن ضايع؟، بالفعل هي جملة معبرة عن الواقع الذي يعيشه التعليم في مصر، وعن حال المواطن وحرياته وقيمته.


التعليقات (0)