قضايا وآراء

صانع البهجة

هشام عبد الحميد
1300x600
1300x600
في أحد مشاهد فيلم "غزل البنات" وأثناء تصوير المشهد المهم والذي يمثل مفارقة درامية لشخوص الفيلم وتحديدا الأستاذ حمام؛ وهو الدور الذي لعبه الكبير نجيب الريحاني أمام الجميلة ليلى مراد، ويوسف بك وهبي ومحمد عبد الوهاب. وبالطبع أنور وجدي -ممثل ومنتج ومخرج هذا العمل البديع- في ذلك المشهد يتفاجأ الأستاذ حمام؛ بأنه كان يعيش قصة حب من طرف واحد في لحظة درامية فارقة.

في الفيلم وأثناء التصوير أحضروا لنجيب الريحاني جلسرين، وهي مادة توضع بعين الممثل لكي تبدو دموعاً أثناء التصوير؛ ولكن نجيب الريحاني رفض وطلب منهم إمهاله دقائق وسيكون جاهزاً بدموع حقيقية، وقد كان ذلك. بعد المشهد سأله عبد الوهاب -مع حفظ الالقاب للجميع- كيف فعلتها؟ فجاوبه الريحاني أن حياته مليئة بالمبكيات فاستحضر واحدة منها.

لعل هذه العبارة بالذات هي المفتاح الحقيقي لشخصية وعالم نجيب الريحاني الحزين، صانع البهجة للناس ومفجر ضحكاتهم لإسعادهم.

لعل المتابع لسيرة نجيب الريحاني، سيدرك كم من المبكيات في حياة هذا الرجل؛ فنجيب الريحاني اضطر أكثر من مرة إلى غلق مسرحه، بعد أن تراكمت ديونه نتيجة فشل مسرحيات من إنتاجه. هو لم يمثل في كل إنتاجه، فأوبريت "العشرة الطيبة" أغضب السلطة وقتذاك واضطر أن يغلق العرض برغم نجاحه، ومُني بخسائر بالطبع.

أما في حبه الوحيد للراقصة بديعة مصابني، والتي أحبها بجنون وغار عليها بجنون دفعها إلى الطلاق منه، فقد تعذب كثيراً بسبب حبه المجنون هذا لبديعة. لعلنا نذكر عندما أنجز تصوير مشاهده من فيلم غزل البنات سافر إلى الإسكندرية ليباشر موسمه الصيفي؛ ولكن إصابته بحمى التيفوئيد منعه من أن يكمل العرض.

ذهب إلى المستشفى ليظل فيه عدة أيام منتظراً حتى تأتي الحقنة الخاصة بالتيفوئيد من الخارج. في تلك اللحظات كتب نجيب الريحاني ينعي نفسه قائلاً: "مات نجيب لكي يريح من في السماء ومن بالأرض". وعندما جاءت الحقنه وحقن بها تسببت في وفاته.. يالها من مفارقة عجيبة؛ فالحقنة التي جاءت لإنقاذه هي التي تسببت في موته.

نعم كانت حياة نجيب حياةً صاخبة؛ ولكنها أيضا كانت مليئة بالمبكيات التي كان يخفيها ليظهرها في تصوير لقطات مناسبة للبكاء، وبعدها بلحظات يعود مرة أخرى إلى صناعة البهجة والسعادة للناس.
التعليقات (0)