قضايا وآراء

العسكر وثورة يناير.. قراءة جديدة لمشهد قديم

قطب العربي
1300x600
1300x600
كانت ثورة 25 يناير 2011 مفاجأة صادمة لقيادة القوات المسلحة التي كانت تستقي معلوماتها عن الشأن الداخلي من وزارة الداخلية، وفقا لتوزيع السلطة في نظام مبارك. انهارت وزارة الداخلية ورجالها مساء جمعة الغضب في 28 كانون الثاني/ يناير، وكان ذلك مربكا إلى حد كبير للقوات المسلحة (ونتحدث هنا عن قيادة هذه المؤسسة وليس عموم ضباطها).

فقد كانت تقارير جهاز أمن الدولة تفيد بأن الوضع الأمني في مصر تحت السيطرة بشكل عام، رغم تصاعد الدعوات لمظاهرات 25 كانون الثاني/ يناير التي اعتبرها الجهاز الأمني مجرد مظاهرات محدودة كسابقاتها.

ولكن لأن للقوات المسلحة خطة طوارئ جاهزة دوما للانتشار في القاهرة، ونفذتها من قبل خلال تمرد قوات الأمن المركزي في شباط/ فبراير 1986، فإنها كانت جاهزة للنزول لميدان التحرير ولبقية مفاصل القاهرة بعد ساعات قليلة من انهيار قوات الشرطة.
حين نعيد قراءة المشهد الآن بعد عشر سنوات فإننا نكتشف أن ذلك الشعار لم يكن عفويا، بل تم تصنيعه في مكان ما، غالبا المخابرات الحربية أو الشئون المعنوية للقوات المسلحة

أتذكر أننا عند نزول قوات الجيش مباشرة استوقفنا ضابطا في سيارة جيب وسألناه عن سبب نزولهم، فكان رده أن ذلك لحماية المتظاهرين. قبلنا هذا التبرير في ذلك التوقيت في غمرة حماسنا، وانطلقت الهتافات في صعيد واحد في التحرير وغيره من الأماكن: "الجيش والشعب إيد واحدة". حين نعيد قراءة المشهد الآن بعد عشر سنوات فإننا نكتشف أن ذلك الشعار لم يكن عفويا، بل تم تصنيعه في مكان ما، غالبا المخابرات الحربية أو الشئون المعنوية للقوات المسلحة، وتم نشر أشخاص عسكريين بثياب مدنية لإطلاقه في الميادين، وقد تجاوب معه المتظاهرون سريعا بكل براءة ظنا منهم أن نزول القوات هو فعلا لحمايتهم، وليس لحماية النظام بعد انهيار الشرطة، وربما تصور بعض المتظاهرين أنهم بترديد هذا الشعار فإنهم يستقطبون القوات المسلحة إلى جانبهم، أو يضعونها على الحياد على أقل تقدير.

اكتشف بعض المتظاهرين في اليوم الأول لدخول الميدان أن سيارات عسكرية وحتى سيارات إسعاف كانت تحمل ذخيرة لقوات الشرطة، وتم إحراق بعضها بالفعل، وهو ما أشار إليه بعض القادة العسكريين لاحقا، ولكن التوجه العام لدى المعتصمين هو عدم الصدام مع القوات المسلحة، بل والتعاون معها، خاصة أن بعض رجالها في الميدان وبتصرف فردي منهم ساهموا بالفعل في حماية الموجودين داخل ميدان التحرير (بينما فتح آخرون بأوامر عليا الباب لأنصار مبارك للدخول يوم معركة الجمل)، كما أن عددا من ضباط القوات المسلحة انضموا بالفعل للثورة، وأعلنوا ذلك بلباسهم العسكري من قلب ميدان التحرير( ضباط 8 أبريل)، وقد تعرضوا لمحاكمات عسكرية أسفرت عن حبس بعضهم لمدد مختلفة، أو فصلهم من الخدمة، وهذا ما رسّخ مخاوف القيادات العسكرية العليا من حدوث انشقاقات داخل الجيش لو أنهم عاندوا الثورة بشكل فج، أو فتحوا نيرانهم على المتظاهرين.

كانت قضية تسليم السلطة لممثلي الثورة من المدنيين هي المحك الحقيقي لموقف المجلس العسكري تجاه الثورة، فالمجلس الذي أعلن في بياناته الأولى في لحظة الارتباك أنه لا يسعى لسلطة، وأنه يحترم خيارات الشعب المصري. ماطل كثيرا في التخلي عن السلطة التي اتفق مع مبارك على انتقالها إليه وليس إلى نائبه عمر سليمان، وليس إلى مجلس مدني، وسخّر المجلس العسكري كل أدواته الإعلامية والسياسية لصناعة رأي عام داعم لمماطلته، حتى أن بعض الرموز الليبرالية الكبرى دعمت هذا التوجه علانية (مثل البرادعي ويحيي الجمل وعلي السلمي).

وواجه المجلس العسكري التحركات الثورية الضاغطة عليه لتسليم السلطة، بدءا من أحداث العباسية الأولى في تموز/ يوليو 2011 والتي وصفت بمعركة الجمل الثانية (مظاهرة اتجهت لمقر وزارة الدفاع في العباسية وواجهها بلطجية مرتبطون بالمجلس العسكري، فقتلوا اثنين وأصابوا العشرات)، أو أحداث محمد محمود في تشرين الثاني/ نوفمبر 2011 التي قتل فيها أكثر من خمسين متظاهرا، أو أحداث العباسية الثانية في أيار/ مايو 2012 والتي قتل فيها عدد آخر.

وقد كشرت القيادة العسكرية عن أنيابها، وظهر متحدثها اللواء محسن الفنجري عضو المجلس مهددا ومتوعدا ومحرضا من وصفهم بالمواطنين الشرفاء للتصدي لكل المظاهر التي تعيق عودة الحياة الطبيعية، والتصدي لما وصفها بـ"الشائعات المضللة"/ وهو نفسه اللواء الذي سبق أن أدى التحية العسكرية لشهداء الثورة يوم تنحي حسني مبارك (11 شباط/ فبراير).

وقد اضطر المجلس العسكري تحت تلك الضغوط إلى البدء بإجراءات تسليم السلطة، فوافق على إجراء الانتخابات النيابية في كانون الأول/ ديسمبر 2011 (ولكنه وضع فيها سما قاتلا من خلال قانون انتخابات معيب فتح الباب للمحكمة الدستورية لحل البرلمان، وقبل الحل قال كمال الجنزوري، رئيس الوزراء القريب من المجلس العسكري، لرئيس البرلمان سعد الكتاتني إن قرار حل البرلمان في درج مكتبه). كما اضطر المجلس العسكري تحت الضغط لإجراء الانتخابات الرئاسية، واضطر إلى قبول نتيجتها التي ماطل في إعلانها لمدة أسبوع تقريبا، لكنه ظل يضمر العداء للرئيس المدني المنتخب محمد مرسي حتى انقلب عليه أخيرا.

تكشف تسريبات بريد هيلاري كلينتون، وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة، أن المجلس العسكري رفض استخدام القوة ضد المتظاهرين والمعتصمين، وخاصة حين تحركوا نحو القصر الجمهوري يوم 11 شباط/ فبراير 2011، خوفا من حدوث انقسام داخلي في الجيش، حيث كان الضباط من صغار الرتب والكثير من المجندين سيرفضون ذلك. وقد نشر أحد المجندين خلال الأيام الماضية شهادة على صفحته في فيسبوك، حيث ذكر فيها أن قائد وحدتهم أمرهم بعدم تنفيذ أي أوامر لإطلاق النار على المتظاهرين مهما كان مصدر هذه الأوامر. وسرت خلال فترة الاعتصام أن المشير طنطاوي، رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة، رفض أمرا من مبارك بإطلاق النار على المعتصمين، لكن طنطاوي نفى ذلك في شهادته أمام المحكمة التي كانت تحاكم مبارك لاحقا (2 تشرين الأول/ أكتوبر 2011).
أظهرت العديد من المقاطع المصورة التي نشرت بشكل متفرق خلال فترة الاعتصام وما بعدها، وأعيد نشر بعضها مؤخرا في الذكرى العاشرة لانطلاق الثورة، نوايا القيادة العسكرية تجاه الثورة، حيث أنها اضطرت في البداية لامتصاص المفاجأة ومن ثم شرعت في الالتفاف على الثورة وركوبها

أظهرت العديد من المقاطع المصورة التي نشرت بشكل متفرق خلال فترة الاعتصام وما بعدها، وأعيد نشر بعضها مؤخرا في الذكرى العاشرة لانطلاق الثورة، نوايا القيادة العسكرية تجاه الثورة، حيث أنها اضطرت في البداية لامتصاص المفاجأة ومن ثم شرعت في الالتفاف على الثورة وركوبها، من ذلك شهادة النائب الدكتور محمد البلتاجي عن لقاء بينه وبين عبد الفتاح السيسي بناء على طلب الأخير قبيل وقوع معركة الجمل، طلب فيه السيسي من البلتاجي إخلاء الميدان، لأن أنصار مبارك قادمون إليه، بزعم أنهم مواطنون مصريون من حقهم التعبير عن رأيهم في الميدان، وتعهد السيسي للبلتاجي بحماية المعتصمين حال خروجهم، ومنع رجال مبارك من أي اعتداء. وعند هذه النقطة أبلغه البلتاجي بانتهاء المقابلة، حيث تيقن أن من يستطيع المنع هو ذاته من رتب للحضور!!

كما ظهر مقطع آخر للواء حسن الرويني، قائد المنطقة العسكرية المركزية الذي نقل مقر القيادة إلى ميدان التحرير، طلب فيه مقابلة البلتاجي عقب معركة الجمل مباشرة وطلب منه تهدئة الميدان، وإنزال بعض الشباب الذين اعتلوا أسطح بعض البنايات حول الميدان. وهناك مقطع آخر للرويني ومعه قائد الشرطة العسكرية حمدي بدين خلال تفقدهما الميدان في اليوم التالي لمعركة الجمل، حيث يدعي الرويني أنهم تلقوا استغاثات من معتصمين في الميدان حول منع البعض لهم من الخروج من الميدان، وكان ذلك تبريرا منه لطلب إخلاء الميدان.

وضمن تلك المقاطع أيضا مقطع للواء سعيد عباس، مساعد قائد المنطقة المركزية والذي ظهر محرضا على قتل الدكتور يوسف القرضاوي عقب خطبته في جمعة النصر بميدان التحرير.

كما اعترف اللواء حسن الرويني في حديث تلفزيوني عقب انقلاب 3 تموز/ يوليو 2013، أنه كان شخصيا وراء الشائعات التي تملأ ميدان التحرير بهدف التأثير على سلوك المعتصمين.

تتوارث القيادات العسكرية المتعاقبة عقيدة مفادها أن حكم مصر حصريا للعسكر، وأن المدنيين غير مؤهلين لذلك، وأن الديمقراطية غير مناسبة للمجتمع، ولذلك فإنهم حين وجدوا طوفان الثورة هادرا فقد تفاهموا مع مبارك على نقل السلطة للمجلس العسكري، وليس إلى أي جهة مدنية، تعيينا أو انتخابا، وحين أجبروا على إجراء انتخابات رئاسية لم يتمكنوا من تمرير مرشح عسكري فقد قبلوا على مضض الرئيس المدني المنتخب محمد مرسي، لكنهم ظلوا على عقيدتهم السابقة، حتى تخلصوا منه.
وضعت ثورة يناير المسمار الأول في نعش الحكم العسكري المستمر منذ أكثر من ستين عاما، وأسست لبدايات حكم مدني، أو استئناف حكم مدني غاب خلال تلك السنين الستين

السؤال: هل يعني ما سبق أن حكم العسكر أصبح قدرا مقدورا لا فكاك منه؟ والإجابة بالنفي. فقد وضعت ثورة يناير المسمار الأول في نعش الحكم العسكري المستمر منذ أكثر من ستين عاما، وأسست لبدايات حكم مدني، أو استئناف حكم مدني غاب خلال تلك السنين الستين.

وأسقطت الثورة إحدى الأكاذيب الكبرى بعدم وجود بدائل مدنية، ففي أول انتخابات رئاسية كان هناك 13 مرشحا، نصفهم على الأقل من الحجم الثقيل، كما أن أداء قادة المجلس العسكري التحية للرئيس المدني، حتى وإن كان على مضض، مهّد الطريق لتكرار ذلك مستقبلا، والأمر يحتاج إلى حوار جاد بين النخب العسكرية والمدنية لتحديد طبيعة العلاقات المدنية العسكرية وحدود دور كل طرف، مع احترام خصوصيات كل طرف أيضا.

twitter.com/kotbelaraby
التعليقات (1)
الكاتب المقدام
الأحد، 31-01-2021 09:46 م
*** الثورات الشعبية تنفجر تلقائياُ بدون توجيه، ويصعب توقع لحظة انفجارها، وإن كان المتابعون يتوقعون اقترابها، ويشعرون بأن النفوس أضحت مهيئة لها، وأن الأحداث والظروف من حولها تدفع لانفجارها وانطلاقتها، وثورة 2011 لم تنفجر ضد مبارك وحرسه القديم فقط، بل كانت بدرجة أكبر ضد تمكين عصابة جمال وأخيه علاء، والعقل المدبر لتلك العصابة كانت أمهما سوزان، تلك المرأة ذات الهوية والأصول الأجنبية، وذات الدهاء والأطماع غير المحدودة، والتي فرضت إتاوات على مشتريات الجيش المصري من السلاح طوال فترة حكم مبارك، ودون اعتراض من أشاوس الجنرالات، وكمثال فقد تكشفت عمولاتها من صفقة شراء طائرات سي 130 من شركة لوكهيد الأميركية عام 1989، والتي أدانتها وصادرتها الولايات المتحدة بحكم قضائي معروف من حساب شريكتها القبطية د/ ليلا تكلا بزيوريخ، وعصابة الأخوين مبارك وأمهما، وذراعهما أحمد عز، لم تكن لتقل خطراُ على مصر عن عصابة الجنرال الانقلابي السيسي إن لم تزد، فقد قاموا بالاستيلاء على كل الوزارات الاقتصادية من خلال لجنة السياسات بالحزب الوطني، ثم قاموا مع قيادات الشرطة والقضاء بالتزوير الكامل لانتخابات مجلسي الشعب والشورى في عام 2010، ليحل رجالهم فيهما مكان حرس مبارك القديم، استعداداُ لتزوير انتخابات الرئاسة في 2011 لتولية جمال، ولم يكن ليصعب عليهم تجنيد من شاءوا من جنرالات قوات قمع المواطنين في الجيش والشرطة لدعمهم، الذين يفضلون العمل في الخفاء ومن وراء ستار، والحرب بين الأجنحة المتصارعة داخل جبهة الانقلابيين بعد انقلاب 2013 في الجيش وخارجه ما زالت مستعرة، وليس سقوط اساطين جبهة الإنقاذ والبرادعي وشفيق وعنان إلا الجزء الظاهر من صراع الانقلابيين ومن ورائهم على نهب الأموال والاستيلاء على السلطة والنفوذ، والسيسي لم يكن أكثرهم دهاء أو أوسعهم نفوذاُ، ولكنه استغل الظروف المحيطة وصراع الأجنحة للقفز على السلطة من بينهم، ثم قام بتصفية منافسيه، سيناريو تكرر كثيراُ من قبل، كما حدث في صعود السادات، وكان الأكثر ضعفاُ بين المتصارعين على السلطة بعد نفوق ناصر، والسيسي نفسه في حالة خوف دائم وشك وريبة وتوجس من انقلاب شركاءه وداعميه عليه، ورغم إغداقه بمال الشعب المنهوب عليهم، فهم يبادلونه ذلك الشك والتوجس، وهو يخفي نواياه وتحركاته عنهم، ويتحين الفرص لتصفيتهم، والقائمة الطويلة لمن غدر بهم من شركاءه معروفة، وكلهم يهربون أموال الشعب التي نهبوها إلى الخارج استعداداُ للهروب النهائي، ولا يوجد خط واضح وفاصل بين جنرالات العسكر وغيرهم، ومن السذاجة تصويرهم وكأنهم فوق الجميع وسيطول بهم الأمد في مواقعهم، فقيادات المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي حكم مصر بعد تنحي مبارك قد تمت تصفيتهم كلهم، وخريطة التحالفات والمواجهات دائمة التغير، وجنرالات العسكر الكهول غير متحدين وليسوا على قلب رجل واحد، ويتربص بعضهم ببعض، وهم أول من يعلم بجهلهم وعدم قدرتهم على إدارة شئون البلاد وحدهم، والحقد والضغينة والصراع على توزيع المغانم بين الجنرالات على أشده، وهم أكثر احتياجاُ للمدنيين لإدارة شئون الاقتصاد والمالية والدبلوماسية والإعلام والتعليم والصحة، ورغم تفاخرهم بقدرتهم على الإدارة المحلية وفرض الأمن الداخلي، فالواقع يؤكد فشلهم في تلك المجالات أيضاُ، وإثارتهم لسخط وثورة الجماهير عليهم لفشلهم الذريع فيها، تأمل في أوضاع سيناء كنموذج لفشلهم، وينسى كثيرون بأن القوات الضاربة للجيش والشرطة هي من المجندين، وغالبية شهداء الحروب منهم، وهؤلاء المجندون بنظام السخرة هم أكثر من يعاني من العسكر والعسكرة، وهؤلاء حين تحين الساعة سيقفون بجانب أهاليهم في ثورتهم بلا مراء، وإن غداُ لناظره قريب، والله أعلم.